كُنّ قَوياً كِي لا يُحطِّمُك أَحدٌ. كُنّ نَبيلاً كَي لا يُهينُكَ أَحدٌ. كُنّ مُتَواضِعاً كَي لا يَسيءَ لَكَ أَحدٌ. ولكن كُنّ ذاتَكَ كَي لا يَنساكَ أَحدٌ

جديد الموقع

أســـئلة وأجـــوبة

أكره عائلتي لأنهم يوبخونني دائما ويذكروني بأخطائي السابقة ويحبون أخوتي الأصغر أكثر مني ويعطونهم مصروفا أما أنا فلا خوفا من أن أصبح سمينا حياتي لا تطاق وأحلم لو أعيش مع عائلة ثانية مالحل؟

 لا يمكنني الاستناد على كلامك لأعطيك جواب منطقي وموضوعي. من الواضح أن هناك مشكلة في العلاقات داخل العائلة، لكن لا يمكنني الحكم بشكل صحيح إن لم أسمع كل الأطراف. من المفضل أن تجد أحد من أصدقاء العائلة ولهم ثقة فيه وتتحاورا بالموضوع. إن لم يكن هذا الحل وارد وبإمكانك الاتسقلالية عن العائلة فاستقل وابني حياتك كما تريد. أكرر جوابي غير كافي لأنه من الضروري أن أسمع كل الأطراف.

اعرف ان الرب دائما يغفر ويسامح لكن كيف يعرف الانسان ان الرب راضي عنه و انه ماشي ع الطريق الصحيح وسيقبله من جديد

الله يستقبل كل إنسان يأتي إليه ويغفر بلا حدود. المهم هو استقبال مغفرته الذي يعبر عن ذاته من خلال التغيير الايجابي أو على الأقل المحاولة في التغيير الإيجابي

الظهورات بين الحقيقة والوهم (3)

محاولة تفسير سر فاطمة:

هكذا نصل أخيراً إلى الجزء الثالث من سر فاطمة. قالت الأخت لوسي بأنه أُعطيت لها الرؤية لا تفسيرها. فالتفسير، برأيها، لا يعود للرائي، إنما للكنيسة. لكن، بعد قراءة النص، قالت بأن هذا التفسير يتناسب مع ما اختبرته وأنه، بالنسبة لها، تعترف بهذا التفسير على أنه صحيح.

 كلمة المفتاح للجزء الأول والثاني من سر فاطمة، اكتشفنا

كلمة خلاص النفوس. كذلك الكلمة المفتاح لهذا السر، الثالث، هي صرخة ثلاثية للملاك: «التوبة، التوبة، التوبة». والأخت لوسي أكدت بأنه يبدو لها دائماً بوضوح أكبر بأن الهدف من كل الظهورات كان التنمية في الإيمان، والرجاء والمحبة، وكل ما تبقى يسعى فقط لبلوغ ذلك.

لنرى الآن عن كثب مختلف الصور. على شمال سيدتنا، وفي العلى قليلاً، ملاك مع سيف من نار في اليد اليسرى. كان السيف يلمع ويطلق ناراً كانت على ما يبدو، أن عليها أن تحرق العالم، لكنها كانت تنطفئ على تماس بريق كان يخرج من اليد اليمنى لسيدتنا باتجاهه. الملاك يشير للأرض بيده اليمنى، وصوت قوي يقول: التوبة، التوبة، التوبة!

السيف يمثل تهديد الحكم على العالم. الرؤية تُبين لاحقاً القوة التي تعترض قدرة الخراب ــــ تألق أم الله، والدعوة إلى التوبة الآتية من مريم عبر الملاك. بهذه الطريقة تتضح أهمية حرية الإنسان: المستقبل، أبداً، ليس محدداً بطريقة جامدة، والصور التي رآها الأطفال ليست بفيلم يستبق المستقبل، الذي لا يمكن أن يتغير منه شيء.

كل هذه الرؤية تتم في الواقع فقط لتظهر الحرية ولتوجهها بالاتجاه الإيجابي. فمعنى الرؤية ليس بعرض فيلم عن المستقبل الجامد، الثابت. معنى الرؤية هو بالضبط معاكس، أي تحريك القوى لتغير كل شيء إلى الخير. هكذا يمكننا القول بأن التفسيرات القدرية للسر التي تؤكد مثلاً أن من قام بمحاولة اغتيال البابا في 13 أيار 1981، كان في النهاية مجرد وسيلة للمخطط الإلهي، موجه من قبل العناية الإلهية، وأنه لم يتصرف بحرية، أو أيضاً أفكار أخرى مشابهة، هذه التفسيرات مضللة. فالرؤية تتحدث بالأحرى عن أخطار وعن الطريق الذي يحمي منها.

لنأخذ الآن بعين الاعتبار مختلف الصور التي تتبع في نص السر. مكان العمل موصوف بثلاث رموز: جبل شديد الانحدار، مدينة كبيرة نصف مهدمة وأخيراً صليب كبير بجذوع خشنة.

الجبل والمدينة يرمزون لمكان تاريخ الإنسانية: التاريخ كصعود صعب نحو المرتفعات، التاريخ كمكان الأبداع والصداقة الإنسانية، لكن في الوقت عينه، كمكان خراب، من خلاله يقضي الإنسان على عمله الشخصي. المدينة يمكنها أن تكون مكان الاتحاد والتقدم، لكن أيضاً مكان المخاطر والتهديدات الأكثر تطرفاً. على الجبل يوجد الصليب ــــ نهاية ومرجع التاريخ. بالصليب، تحول الخراب إلى خلاص. إنه منتصب كعلامة على شقاء التاريخ وكوعد له.

بعد ذلك يظهر هنا شخصين: الأسقف بلباس أبيض، وأساقفة آخرين، كهنة رهبان وراهبات، وأخيراً رجال ونساء من كل بيئة اجتماعية. يبدو البابا يسبق الآخرين، مرتجفاً ومتألما بسبب كل الفظاعات التي تحيط به. ليس فقط المنازل نصف مهدمة إنما طريق البابا يعبر من بين جثث الموتى. هكذا توصف مسيرة الكنيسة كطريق صليب، كطريق في زمن العنف والخراب والاضطهادات.

 بحسب الرؤيا يُقتل البابا. والبابا لم يقتل، بل وقف على أبواب الموت وشرح بأنه نجى من الموت بفضل «يد أم وجهت القذيفة والبابا المنازع وقف على أبواب الموت». هذا يعني عدم وجود مستقبل جامد مُقرّر مسبقاً، وأن الإيمان والصلاة قادرة تؤثر في التاريخ وأنه، في النهاية، الصلاة أقوى من القذائف، الإيمان أكثر قدرة من الانقسامات.

بالخلاصة ظهورات فاطمة هي رؤية معزية، تريد أن تقول لنا بأنه، إذا كان التاريخ مليء بالدم والدموع، يمكن لقدرة الله على الشفاء أن تنفذ إليه. فالرؤية تتحدث عن ملائكة تستقبل تحت أذرع الصليب دماء الشهداء وتغذي النفوس التي تقترب من الله.

الشهداء يتممون من أجل جسد المسيح ما نقص من آلامه (كول 1، 24). حياتهم أصبحت إفخارستيا، مدموجة مع سر حبة الحنطة التي تموت وتصبح خصبة. دم الشهداء هو بذرة مسيحيين، يقول القديس ترتليانوس.

وكما أنه من موت المسيح، من جنبه المفتوح، ولدت الكنيسة، كذلك موت الشهداء خصب لحياة مستقبل الكنيسة. رؤية الجزء الثالث للسر، مقلقة لدرجة في البداية، تنتهي بالتالي بصورة رجاء: لا وجود لألم سخيف بدون جدوى، وبالتحديد كنيسة متألمة، كنيسة الشهداء، تصبح علامة موجهة للإنسان الذي يبحث عن الله.

هنا وصلنا إلى تساؤل نهائي: ماذا يعني سر فاطمة بأجزائه الثلاثة؟ ماذا يقول لنا؟ الكاردينال سودانو: «الحالات التي يتحدث عنها الجزء الثالث من سر فاطمة يبدو منذ الآن أنها تعود للماضي». والذين ينتظرون وحي رؤيوي، من سفر الرؤية، مثير حول نهاية العالم وحول المستقبل القريب سوف يحبطون.

معنى أسرار فاطمة إذن: الحث على الصلاة كطريق من أجل خلاص النفوس وفي نفس المعنى دعوة إلى التوبة والاهتداء.

أريد في النهاية العودة إلى الكلمة المفتاح للسر الذي أصبح مشهوراً بحق: «قلب مريم الطاهر سينتصر». ماذا يعني ذلك؟ القلب المفتوح على الله، المُطّهر بتأمله لله، هو أقوى من البنادق والأسلحة من كل نوع. كلمة نعم التي قالتها مريم، غيرت تاريخ العالم، لأنها أدخلت المخلص في العالم.

الشر لديه القدرة على العالم، ونحن نراه ونختبره باستمرار. لديه القدرة لأن حريتنا تترك ذاتها تبتعد عن الله. ولكن، منذ أن أصبح لله قلب إنسان وبالتالي وجه حرية الإنسان نحو الخير، نحو الله، الحرية من أجل الشر لم يعد لها الكلمة الأخيرة. فتفرض ذاتها الكلمات التالية: «تُعانونَ الشِدَّةَ في العالَم ولكن ثِقوا إِنِّي قد غَلَبتُ العالَم» (يو 16، 33). رسالة فاطمة تدعونا لنثق بهذا الوعد. 

الكاردينال جوزف راتسينغر

أمين سر مجمع العقيدة والإيمان

 

 

 

 

ما هو إذن دور الظهورات؟

 

لكي نفهم عمق معنى الظهورات بشكل عام علينا التوقف على ظهورات القائم من بين الأموات.

 

المسيح قام من خلال تلميذه، من خلال الكنيسة، ولهذا السبب تسمى الكنيسة جسد المسيح. ما نقله لنا الرسل هو شهادتهم وخبرتهم مع القائم من بين الأموات: نساء ورجال عاشوا مع يسوع واعتبروه المسيح، يشهدوا بأنهم رأوه بعد موته على الصليب. وقالوه بقوة وهم مستعدون للموت بدلاً من أن ينكروا إيمانهم بالمسيح الحي.

في روايات القيامة، معرفة يسوع القائم والاعتراف به على أنه هو ليس بالأمر البديهي، ولا المباشر. لماذا؟ لأن معرفتنا له تتم بعيون الإيمان. وهذا حتى ما قبل القيامة، كثيرون رأوا أعماله ولم يؤمنوا به.  

بالإضافة إلى أن المعرفة في الكتاب المقدس لا تعني مطلقاً معرفة عقلية، إنما علاقة وخبرة حياتية حميمة: «فعرف الإنسان حواء امرأته فحملت وولدت قاين» (تك 4، 1) «كيف يكون لي هذا وأنا لا أعرف رجلاً» تجيب مريم الملاك جبرائيل.

وظيفة الظهورات: هناك شيء من الضرورة للظهورات، حتى ولو كان زمنها محدود جداً.

الهدف من الظهورات هو السماح لهؤلاء الناس بأن يشهدوا لحدث القيامة. فالموضوع هو أن نفهم بأن القائم في يوم الفصح هو نفسه المصلوب في يوم الجمعة العظيمة. فالظهورات تلعب دور الجسر، همزة الوصل، استمرارية الهوية، بين الموت والقيامة للإنسان نفسه: يسوع الناصري.

إذن لا بد ليسوع من أن يظهر ذاته، وأن يسمعونه، ويلمسونه، هو الذي لم يعد تحت سيطرة التاريخ والعالم، يظهر ذاته لرجال ونساء لا يزالون هم في العالم. من هنا يأتي هذا الأسلوب الغريب للظهورات كما يرويه لنا الإنجيل.

        فالقائم من الموت هو نفسه المصلوب، لكنه لا يخضع لعوامل المكان والزمان: موجود حيث يريد وعندما يريد. لا تقول لنا الروايات بأنه كان يدخل ويخرج، بل كان يظهر ويختفي. يظهر والأبواب مغلقة.

لهذه الروايات ناحية أخرى: هناك غموض حول هوية القائم من بين الأموات. من المركبة يعتقد التلاميذ أنه أحد سكان المنطقة الغير معروف، ومريم المجدلية تعتقد أنه البستاني، وتلميذي عمَّاوس لم يعرفاه وهو معهم في الطريق.

بعد القيامة، أصبح الوقت هو وقت للشهادة. الشهادة على أنه حيّ بيننا. هذا يبين لنا بأن الإيمان بيسوع يتطلب اهتداء، تحول في النظر: لا يمكن معرفته كما هو إلاَّ بعيون الإيمان، ولهذا السبب مريم أمه لم تشعر بالضرورة للذهاب إلى القبر.

هذا الغموض في الهوية يقول لنا أمراً آخر: أن يظهر بمظهر أحد السكان، بمظهر البستاني، هذا يعني أننا مدعوون لمعرفته في كل إنسان. علينا أن نكتشفه في الآخرين وأن نكتشف الآخرين به.

وبولس الرسول يتحدث عن الجسد الروحاني. جسد حقق الوحدة المطلقة بين الجسد والروح وبالتالي يعيش كلية انطلاقاً من الروح. بهذا المعنى هو جسد روحاني. هذه الوحدة هي وحدة القائم من بين الأموات. هذه هي دعوة أجسادنا: أن تصبح أجساداً روحانية، تعيش كلية انطلاقاً من الروح القدس.

        فالظهورات، تقول لنا من جهة، بأن المسيح حيّ بيننا ويعمل، ومن جهة أخرى، من خلال دعوتها لنا إلى الاهتداء والتوبة، تساعدنا للتقدم في وحدة جسدنا ليصبح أكثر جسد روحاني يعيش انطلاقا من الروح القدس فنكون آنذاك قادرين على أن نرى الله في كل شيء. آنذاك لا داع ولا مكان للظهورات!!

Share