كُنّ قَوياً كِي لا يُحطِّمُك أَحدٌ. كُنّ نَبيلاً كَي لا يُهينُكَ أَحدٌ. كُنّ مُتَواضِعاً كَي لا يَسيءَ لَكَ أَحدٌ. ولكن كُنّ ذاتَكَ كَي لا يَنساكَ أَحدٌ

جديد الموقع

أســـئلة وأجـــوبة

أكره عائلتي لأنهم يوبخونني دائما ويذكروني بأخطائي السابقة ويحبون أخوتي الأصغر أكثر مني ويعطونهم مصروفا أما أنا فلا خوفا من أن أصبح سمينا حياتي لا تطاق وأحلم لو أعيش مع عائلة ثانية مالحل؟

 لا يمكنني الاستناد على كلامك لأعطيك جواب منطقي وموضوعي. من الواضح أن هناك مشكلة في العلاقات داخل العائلة، لكن لا يمكنني الحكم بشكل صحيح إن لم أسمع كل الأطراف. من المفضل أن تجد أحد من أصدقاء العائلة ولهم ثقة فيه وتتحاورا بالموضوع. إن لم يكن هذا الحل وارد وبإمكانك الاتسقلالية عن العائلة فاستقل وابني حياتك كما تريد. أكرر جوابي غير كافي لأنه من الضروري أن أسمع كل الأطراف.

اعرف ان الرب دائما يغفر ويسامح لكن كيف يعرف الانسان ان الرب راضي عنه و انه ماشي ع الطريق الصحيح وسيقبله من جديد

الله يستقبل كل إنسان يأتي إليه ويغفر بلا حدود. المهم هو استقبال مغفرته الذي يعبر عن ذاته من خلال التغيير الايجابي أو على الأقل المحاولة في التغيير الإيجابي

الإصغاء والحوار ودورهم في حياة الإنسان

الإصغاء موضوع مهم للغاية في حياة الإنسان. كل الناس يبحثون عن أذن تصغي إليهم، لكن للأسف نادراً ما نجدها؛ لأننا نميل للكلام أكثر منه للصمت والإصغاء، وخاصة نميل للتكلم عن ذاتنا للإشادة بإنجازاتنا الشخصية. ليس من العبث أننا نملك لسان واحد وأذنين اثنين. والمثل الصيني يقول بأن الإنسان يلزمه سنة من حياته ليتعلم

الكلام وما تبقى منها ليتعلم الصمت والإصغاء. فلماذا الإصغاء مهم وما هو دوره في حياة الإنسان؟

        بداية أقول أن هناك فرق مهم بين السمع والإصغاء. فالأول أمر مفروض علي: اسمع موسيقى تأتي من بعيد، أسمع ضجيج الشارع الخ؛ بينما الإصغاء فهو موضوع حرية: أختار أن أصغي أو لا.

        ثانياً الإصغاء هو موقف، بمعنى إمّا أنني إنسان مصغي أو لا؛ أي أنني مستعد لأصغي لأي إنسان يطلب مني ذلك دون تميز أو إقصاء لأحد. الإصغاء بهذا المعنى هو كالحب بالمعنى الشامل للكلمة، أي أنني إنسان محب أو لا! فالإصغاء هو أفضل تعبير عن الحب «ما من حبّ أعظم من أن يبذل الإنسان نفسه في سبيل أحبائه».

        لكي أصغي عليّ قبل كل شيء أن أموت عن رغبتي في الكلام، لأكون كلي الإصغاء إلى الآخر، وهذا يتطلب مني أيضاً أن أوقف التفكير. عادة عندما يتكلم إنسان ما يكون الآخر «المصغي؟» في صدد تحضير جوابه. فأين الإصغاء في هذه الحالة؟

        عندما أصغي للآخر، عليَّ أن أصغي إليه انطلاقاً منه وليس انطلاقاً من ذاتي، أي أن أُعطي الأهمية ذاتها التي يعطيها لما يقول؛ قد يكون الموضوع الذي يتحدث عنه مألوف لديّ، أسمعه من العديد من الناس، أو لا يعني لي الكثير؛ فلا يحق لي أن أقول له بأن هذا الموضوع سطحي أو مشكلتك بسيطة ولا داع لتضخيمها. هذه الطريقة هي الأفضل لكي لا يعود ثانية هذا الإنسان. الإصغاء يعني أن أُصغي للآخر انطلاقاً منه ممّا يسمح لي بأن أفهمه بشكل أفضل وخاصة أفهم لغته، فلكل إنسان لغته. قد نستغرب هذا الكلام ولكن كيف يمكن أن نفهم سوء التفاهم الذي يعمّ العلاقات الإنسانية في حين أن الناس يتكلمون اللغة عينها «أنا ما قلت هيك، أنت فهمتني غلط، يمكن ما وضحت فكرتي بالكفاية الخ»، هذه الكلمات نسمعها في كل الأحاديث التي نشارك بها: قد نستعمل الكلمات نفسها لكن في الكثير من الأحيان لا نضع المحتوى ذاته وراءها. مثلاُ الحب، الفرح، الاحترام، الدفاع عن النفس الخ.

        لا يمكنني أن أُصغي للآخر إن لم أكن مصغي لذاتي أولاً. الإصغاء للذات مهم لمعرفة ذاتي. بشكل عام نحن لا نعرف ذاتنا، فلكي أعرفها عليّ أن أُصغي إليها. فالإصغاء لذاتي يجعلني أسكن ذاتي، أوحد ذاتي المنقسمة. هذا الانقسام يظهر من خلال الفارق الكبير بين ما نقول، ما نتمناه، ما نريده وبين أعمالنا وتصرفاتنا التي تتناقض معها في أغلب الأحيان. هذا السكن وتلك الوحدة مع الذات تجعل مني إنسان خلاق، تحقق- نسبياً بالطبع إذ لا يمكن تحقيقها بالكامل لأسباب لا يمكن مناقشتها الآن- بين أقوالي وأفعالي. وهذا هو الخلق الحقيقي. في علم الألسنيات تدعى هذه الظاهرة «بالكلام الفعال: أعلنكم زوج وزوجة، أعمدك باسم الآب والابن والروح القدس».

        أن أسكن ذاتي، أن أوحد ذاتي، هذا يعني أن أكون خلاّقاً وبالتالي أن أكون سعيداً؛ فالسعادة لا يمكن لأحد أن يعطينا إياها، لأن «السعادة تنبع من الداخل» من هذه الوحدة مع الذات. في النهاية أقول أن الإصغاء هو أساس كل حوار بين الناس.

        غالباً نخلط بين الجدل والحوار. في الجدل أسعى لإقناع الآخر برأيي، أيّ أقول له، من وراء الكلمات بالطبع، أنك على خطأ وأنا على حق، أنا من يملك الحقيقة. وكلنا نعلم ما تكون نهاية هذا النوع من الجدل. بينما الحوار الحقيقي، يتطلب أولاً إصغاء حقيقي للآخر، مع كل أهمية اللغة التي تحدثنا عنها، وخاصة الانطلاق من القناعة بأنَّ ما من أحد يملك الحقيقة؛ وكل إنسان يملك شيء منها؛ فالحقيقة نصنعها بالبحث عنها.

        هذا يعني أنه عندما نتحاور على كل طرف أن يبحث عن ما هو حقيقي وصحيح في كلام الآخر؛ وخاصة القبول بأن يضعني كلام الآخر ويضع أفكاري ومعتقداتي، أو مفهومي لمعتقداتي موضع تساؤل. بهذه لطريقة نقوم ببحث مشترك باتجاه ما هو أكثر حقيقية وهذا الأمر يقودنا لقبول واحترام اختلافاتنا بعضنا عن بعض. وهذا هو أساس كل ديمقراطية. هذا الأمر صعب جداً تحقيقه لأننا جميعاً نميل لفرض قناعاتنا ورفضنا للاختلاف.

        مصداقية هذا الأمر تظهر بشكل خاص في ما اعتدنا أن نسميه بحوار الأديان أو بحوار الحضارات. المشكلة أن كل طرف ينطلق من القناعة بأن الآخر على خطأ وبالتالي لا بد من العمل على «اهتداءه». الكل يتكلم عن الله لكن كل طرف له مفهوم مختلف عن الله. لكننا ننسى نقاط التشابه، النقاط التي يمكنها أن تجمعنا وتوحدنا فالوحدة الحقيقية هي الوحدة في ومن خلال الاختلاف وإلاَّ نقع في الاندماجية التي تعني ذوبان أحد الأطراف بالآخر أي الموت.  

        

Share