كُنّ قَوياً كِي لا يُحطِّمُك أَحدٌ. كُنّ نَبيلاً كَي لا يُهينُكَ أَحدٌ. كُنّ مُتَواضِعاً كَي لا يَسيءَ لَكَ أَحدٌ. ولكن كُنّ ذاتَكَ كَي لا يَنساكَ أَحدٌ

جديد الموقع

أســـئلة وأجـــوبة

أكره عائلتي لأنهم يوبخونني دائما ويذكروني بأخطائي السابقة ويحبون أخوتي الأصغر أكثر مني ويعطونهم مصروفا أما أنا فلا خوفا من أن أصبح سمينا حياتي لا تطاق وأحلم لو أعيش مع عائلة ثانية مالحل؟

 لا يمكنني الاستناد على كلامك لأعطيك جواب منطقي وموضوعي. من الواضح أن هناك مشكلة في العلاقات داخل العائلة، لكن لا يمكنني الحكم بشكل صحيح إن لم أسمع كل الأطراف. من المفضل أن تجد أحد من أصدقاء العائلة ولهم ثقة فيه وتتحاورا بالموضوع. إن لم يكن هذا الحل وارد وبإمكانك الاتسقلالية عن العائلة فاستقل وابني حياتك كما تريد. أكرر جوابي غير كافي لأنه من الضروري أن أسمع كل الأطراف.

اعرف ان الرب دائما يغفر ويسامح لكن كيف يعرف الانسان ان الرب راضي عنه و انه ماشي ع الطريق الصحيح وسيقبله من جديد

الله يستقبل كل إنسان يأتي إليه ويغفر بلا حدود. المهم هو استقبال مغفرته الذي يعبر عن ذاته من خلال التغيير الايجابي أو على الأقل المحاولة في التغيير الإيجابي

الحب والحقد

      الحب والحقد موضوع مهم للغاية لأنه يلمس مجمل الحياة الإنسانية. إنهما يعبران عن حقيقة الحياة العاطفية، بالمعنى الشامل للكلمة، لابل يعبران عن الإنسانية الطبيعية إن صح التعبير. هذه الظواهر الإنسانية العاطفية لها مصدرين أساسيين: إنهما النزوتين البدائيتين لدى الإنسان: الجوع والحب. بمعنى آخر نزوة حفظ الذات والنزوة الجنسية. حياتنا بشكل عام هي في خدمة موضوع واحد ذو وجهين متلازمين: تأمين وسائل استمرارية الحياة وبالتالي الحصول على اللذة. هذه الأهداف تثير لدى الإنسان عواطف عميقة جداُ قد تكون بناءة للغاية وقد تكون خطيرة لدرجة كبيرة. ولهذا السبب نقول بأن التحدث عن العلاقة والتداخل العميق بين كل من نزوة حفظ الذات، اللذة، الحب والحقد يعني بكل بساطة وصف كل ظواهر الحياة الإنسانية.

       بشكل عام نقول بأن الحقد هو قوة هدامة تسعى باتجاه الحرمان والموت، بينما الحب هو قوة تناغم ووحدة تسعى باتجاه الحياة واللذة. ولكن ارتباط العدوانية بالحقد هذا لا يعني أنها بالضرورة هدامة ومؤلمة بشكل كلي (كلنا نعلم أن العدوانية مهمة للإنسان لأنها وراء دينامية الإنسان الحياتية واليومية، تجعله يُثبت ذاته ووجوده مقابل

الآخرين وتسمح له بالدفاع عن ذاته عند الضرورة)، بالمقابل الحب المرتبط عادة بالرغبة بامكانه أن يكون عنيفاً وعدائياً لا بل هداماً أيضاً ( القول الشعبي يقول ومن الحب ما قتل).

       ففي الحياة الهدف الأساسي هو الحياة، أي أن يحيا الإنسان ويحيا حياة ظريفة جيدة ومريحة. ولكن لكي يصل إلى تحقيق هذا الأمر يسعى للتخلص من كل ما هو هدام بداخله وبطرق عديدة لكي يصل في النهاية إلى تأمين الأمان وبالتالي اللذة في حياته. والمخرج الذي يجده الإنسان هو بشكل عام نتيجة التداخل بين قوة الحقد وقوة الحب من جهة وتأثير المجتمع من جهة أخرى.

 

       العدوانية: من المعترف عليه أن العدوانية موجودة لدى الإنسان وأغلبية الحيوانات، غريزة العدوانية أقله للدفاع عن الذات. هذه العدوانية تعتبر طبيعية وموجودة ضمن الطبيعة الإنسانية إن صح التعبير. يكفي أن نراقب وضع الأطفال كيف يحاولون السيطرة على بعضهم البعض والدفاع عن الذات في نفس الوقت، كما يكفي أن نتأمل قليلاً في وضع البشرية بشكل عام لكي نفهم هذه الناحية البشرية. ولكن بالإضافة لتلك الظواهر الخارجية كلنا نختبر وجود الطبع السيئ، الحسد، الغيرة،الخ وكلها تعبر عن هذه الناحية: العدوانية. وكلنا نعلم، حتى ولو لم نعترف، أنها موجودة في داخلنا، وأغلبية المشاكل والصعوبات في العلاقات البشرية تعود لهذا الأمر. ممَّا يجعلنا نصرف الكثير من الوقت لتصحيح النتائج السلبية لهذه الأمور.

       فالنزوات العدوانية، القاسية والأنانية، مرتبطة ارتباطاً وثيقاً باللذة والإرضاء، مع وجود شيء من الجاذبية التي لا تقاوم والإثارة القوية التي ترافق إرضاء وتلبية هذه النزوات. مثلاً كلنا نختبر اللذة الجامحة أو على الأقل الابتهاج الذي يرافق الإنسان الذي يقوم بملاحظة قوية أو جارحة أو كما نقول في اللغة الدارجة «يضع الآخر في خانة اليك». مشاهدة أفلام عنف، سماع قصص شنيعة ومرعبة، حوادث، بعض أنواع الرياضة الخ كلها تولد لدى الإنسان شيء من الإثارة وخاصة لدى من لم يتعلم كيف يحول باتجاه آخر هذه النزعة لديه. فالتغلب على بعض الصعوبات، الاستمرار في المسيرة الشخصية، كلها حالات تترافق، لدى العديد من الناس، بشيء من التمجيد وتواد اللذة. هذه اللذة التي قد ترتبط بسهولة بنزوات عدوانية تبين لنا قوة هذه الأخيرة التي ليس من السهل مقاومتها. ولكن بالمقابل نعلم جيداُ أن هناك بعض أشكال العدوانية تلعب دوراً مهماً للغاية في النضال من أجل البقاء.

       في كل ما يمس العمل، وفي اللذة أيضاً، هناك نوعية معينة من العدوانية لدى الإنسان (وجود إنسانية عالية) لا تسمح له بأن يفرض وجوده. وكذلك الأمر في حالة العدائية. في النهاية نقول بأن نزوات حفظ البقاء ونزوات الحب، إن أردنا تلبيتهم لا بد لهم من القليل من العدوانية، فالعدوانية حاضرة، وهي جزء لا يتجزأ من هذه النزوات التي نتحدث عنها، عندما تعمل في الحياة اليومية.

       بالرغم من معرفتنا بوجود نزوات أو مشاعر عدوانية بداخلنا ولدى الآخرين، فإننا ننكر هذه الحقيقة أو على الأقل لا نعطيها قيمتها بل نخفف كثيراً من أهميتها. بشكل عام وكوسيلة دفاعية نبعد قدر المستطاع هذه الأمور عن مساحة نظرنا لنخفف من الخوف الذي قد تولده في أعماقنا هذه الأمور ولكن دون أن يعطي هذا الابتعاد أي فوائد ملموسة. وبالتالي التحليل النفسي بين لنا بوضوح نتائج هذه الأمور علينا، نتائج ذات معنى، أكثر أهمية وأكثر ديناميكية مما نعتقد عامة.

       في العديد من الحالات نلاحظ وجود هذه المشاعر لدى أناس ليسوا مسرورين ولا راضين عن حياتهم بشكل عام. سواء لعدم استطاعتهم الحصول على بعض الأمور الضرورية أو تحقيق لذة معينة فيعيشون الشعور بالحرمان. بالطبع كلنا نعلم أن محاولة سرقة أو اعتداء أو ما شابه كلها تولد لدى الإنسان العدوانية. بالإضافة أيضاً إلى الشعور بالحرمان بشكل عام سواء اقتصادي أم نفسي، أو علاقة تبعية بالنسبة للمحيط يعيشها الإنسان على أنها خطرة لكونها قد تولد الحرمان، كلها تحيي لدى الإنسان مشاعر العدوانية.

       هنا علينا التنويه لأمر مهم جداً: في حياتنا اليومية نعيش ونختبر جميعاً بطرق متعددة علاقات تبعية: هذه الحالة هي بكل بساطة اسمها الحب. هنا الرغبة هي التي تربطنا بالآخرين. من الواضح جداً في هذه الحالة أن تبعيتنا لهم هي شرط أساسي في الحياة وفي كل نواحيها أو أوجهها: أكانت الرغبة في البقاء أو حفظ الذات، سواء كانت نزوات الجنس أو البحث عن اللذة. هذا يعني أنه في الحياة اليومية والطبيعية، المشاركة، والانتظار، التخلي عن شيء ما من أجل الآخرين هم ضروريين لدرجة ما. وبالرغم من أن هذه الأمور قد تكون ضرورية من أجل الأمان العام في المجتمع، فمن الممكن أن الأمان الفردي يشعر ذاته مهدد وفي خطر. لهذا السبب العلاقات التبعية تحيي لدى الإنسان المقاومة والشعور بالعدوانية.

       هذه الأمور، نرى جذورها في الطفولة الأولى حيث يختبر الرضيع تبعيته لأمه لدرجة أنه يشعر بالخطر ويصبح عدوانياً ويحقد أيضاً على الأم في حال تأخرت على تلبية رغباته بكل أشكالها. إنها الخبرة الأولى لنا للموت أو لما يشبه الموت، إنه اختبار إلغاء الوجود. هذه الخبرة تسمح للإنسان بأن يعي الحب (تحت شكل الرغبة) والاعتراف بالتبعية (تحت شكل الحاجة) ومعها شعور بالألم وبالخطر وبالتهدم الداخلي والخارجي.

       الحقد، والعدوانية، الغيرة، والرغبة في التملك، كل هذه المشاعر التي نعيشها نحن البالغين ونعبر عنها، تعود إلى هذه الخبرة الأولى للرضيع ولضرورة السيطرة عليها في حال أردنا الاستمرار في الحياة والحصول على بعض اللذة في ومن الحياة.

       الإسقاط: أول وسيلة يستعملها الإنسان لضمان الأمان في حياته وبالتالي لإبعاد المشاعر السلبية أو السيئة من داخله (الألم، الخوف من الاعتداء، أو الخوف من العجز الخ) هي الإسقاط. بفضل هذه الآلية، كل المشاعر التي يعيشها الإنسان على أنها مؤلمة أو سيئة تلفظ إلى الخارج؛ فيفترض أنها موجودة خارجاً عنه. بشكل عام نشجب هذه المشاعر، ونرفضها على أنها نابعة من أعماقنا؛ فنتخلص منها بإسقاطها على آخر «مثلاً أحقد وأضطهد أحد ما فأقول إنه هو من يحقد عليَّ ويضطهدني». وبقدر ما نعترف بوجودها بداخلنا، نقول لأنفسنا بأنها أتت من الخارج وعليها أن تعود من حيث أتت. دون شك هذه هي ردة الفعل الأولى والأكثر عفوية لدى الرضيع، وهي التي تبقى لدينا نحن البالغين، مع الفارق أنه باستطاعتنا، ولكن فقط ضمن حدود معينة، أو نخفف من أهميتها في حياتنا وتصرفاتنا لكوننا نصبح أكثر واقعية ومنطقية.

       في الحياة اليومية المثل الذي نصادفه في أغلب الأحيان هو من خلال العبارة التي تتكرر كثيراً :« وأنت أيضاً». عندما يطلق علينا إنسان ما صفة معينة سلبية ردة فعلنا تكون بشكل شبه سيستيماتيكي :«وأنت أيضاً». ولكن هناك أمثلة أبسط وبدون أي استفزاز مثلاً الإنسان الذي يرى أخطاء الآخرين ولا يراها فيه « ألم يقل لنا المسيح أنظر إلى الخشبة التي في عينك قبل أن تنظر إلى القذى في عين أخيك؟». كل ما يعيشه الإنسان في العمل اتجاه من يشغل عمل لا يشغله هو. لدينا أيضاً مثل قيادة السيارات الخ.

       فالعملية تتم على مرحلتين إن صح التعبير: أولاً نؤمّن ذواتنا ضد الخطر الخارجي بفعل الإسقاط الذي تحدثنا عنه، والخطوة الثانية تكمن في تحرير عدوانيتنا بشكل دفاعي ضد هذا الخطر الهدام: فالعدوانية الأولى والتي تشكل خطراً قد تم طردها من الذات وحدد مكانها على أنها سيئة للغاية، ثم يتحول من أسقطت عليه هذه المشاعر إلى هدف تفرغ فيه العدوانية التي تتشكل فيما بعد. فالعدوانية والحقد الذين «يغليان» بداخلنا نشعر باستحالة السيطرة عليهم. ولدى خبرتنا الأولى بها نعتقد أنها تنفجر بأعماقنا. كما أنه فيما بعد نرى بعض الناس يعيشون مثلها ولا يستطيعون التفكير بأمور بسيطة بديهية. ونحن في حياتنا اليومية نعتقد أنه لا يجب أن تمسنا هذه الأمور وبالتالي علينا أن نفرغ بسرعة هذه العدوانية وذاك الحقد في مكان آخر. فالطفل الذي يحقد بدرجة كبيرة إنسان يحبه، نراه يضرب طفلاً آخر أو يفرغ عدوانيته ضد لعبته المفضلة. موظف يحمل الحقد ضد مديره في العمل يضرب امرأته… هذا ما نسميه بآلية كبش الفداء.

       هذه الأعمال العدوانية تشكل (بشكل خاص بالنسبة للاوعي) طرق غير خطرة إلى حد ما لتفريغ الحقد والرغبة في الانتقام، والذي يعتبر تعبيرها الأول الرغبة في سرقة أو هدم الإنسان الذي نرتبط به أي نعيش معه علاقة تبعية. هذا الإنسان هو أيضاً أو يمكن أن يكون الإنسان المحبوب والمرغوب. بهذه الطريقة نقسم الآخرين إلى قسمين: الجيدين والسيئين. هناك من يعجبوننا ونحبهم وهناك من لا نحبهم ونكرههم؛ نحاول هكذا أن نعزل ونحدد كل من الحب والحقد ونمنعهم من أن يتداخلوا ببعضهم البعض.

التشتت أو التوزيع: هذه الآلية تسمح لنا بأن نعي أهمية عامل التوزيع في حياتنا العاطفية، عامل توزيع كل من الحب والحقد. هذه الأهمية هي عينها في كل مجالات الحياة الإنسانية. الحقد موزع بحرية أكبر من الحب لكنه مكبوت أكثر في جذوره بأعماقنا ويفلت عادة من السيطرة بدرجات مختلفة. والسبب هو أنه جزء كبير من نزوات العدوانية، لدى الناس الطبيعيين والمتزنين إلى حد ما نفسياً، مستعمل بداخلهم إمّا للمقاومة وإمّا للتحكم ولتنظيم كثافة وهدف كل الانفعالات والعواطف سواء كان مصدرها الحب والرغبة في الانسجام، أم كان مصدرها روح الانتقام والهدم.

       هذه الطريقة الأساسية للتوزيع ولتحديد المشاعر الخطيرة لها نتائج متنوعة وعديدة. فالطفل عندما يغضب ويتألم من الرغبة في الخراب، يشعر بأن العالم الخارجي، أي قبل كل شيء، أمه، تعيش المشاعر عينها من الغضب والألم. فهو يلحظ هذه المشاعر السيئة بداخله كما لو أنها من أمه، وليس على أنها منه. وبالتالي هذه المشاعر الجيدة والسيئة تساهم بدرجة كبيرة بتكوين أفكاره عن العالم الخارجي، وعن ما هو جيد أو سيئ فعلياً في محيطه. ولكن قد يحدث أن ما هو جيد قد يراه على أنه سيئ وبالعكس، وبطريقة كلية مما يجعل مستحيلاً المحافظة على معنى حقيقي للواقع. هذا ما يحدث في حالة الجنون. كما أن هذه الضرورة الجوهرية في تحديد (مكانياً) لدى الإنسان الأكثر محبوباً والأكثر مرغوبا، الأشياء السيئة والمؤلمة،ً قد تذهب إلى أبعد مما تؤدي إلى رفضه والتحييد عنه. هذا مثل عن الصعوبات الكبيرة التي قد تنشأ في هذه المرحلة.

الرفض: التحييد إلى حد ما عن شيء مرغوب لكي نجده بسهولة أكبر في مكان آخر، هذه آلية أخرى أساسية للنمو النفسي. من وجهة النظر النفسية، لا وجود للنمو دون العبور بشعور من عدم الرضا عن حليب الأم، عن ثديها، وعن البيبرونة. بانعطافنا عن أهدافنا وبتقسيم هذه الأهداف وبتوزيعها في مكان آخر، الحاجات النابعة من الجوع والرغبة الجنسية تنفصل عن الأم. شيئاً فشيئاً، يتم إيجاد الطعام الذي يبحث عنه في مكان آخر من أجل الجسد ومن أجل لذة الطعام والشراب؛ كذلك الأمر بالنسبة للذة التي انعطفت عن الأم سيتم اكتشافها في مكان آخر.

       في الحالات الطبيعية، عملية الانفصال عن الأم بطيئة وتدريجية؛ ولكن قبول البديل عنها وعن ثديها، حتى لدى الرّضع، قد يتطور بطريقة مفاجئة ومرضية. رفض الأم المباشر جداً مع شيء من الشعور باليأس، بالإضافة إلى عدم التقدير،- يكون له نتائج بعيدة- لكل الأشياء المحبوبة والمرغوبة. لدى بعض الأشخاص، عدم التقدير هذا قد يكون أساس عدم الثقة بما هو جيد مما يدفعهم على للحذر مما يجدونه جيداً وتجنب الأشياء الجيدة. بالمقابل، خيبة الأمل وروح الانتقام يدفعهم لجرح وهدم هذه لأن الحقد والرغبة في الانتقام قد يرافقون عملية الانعطاف عن الأشياء المحبوبة بقوة.

 

عدم التقدير والاحتقار:

 

الحب وآليته

 

       الموضوع الأول لحب الرضيع، كموضوع حقده الأول هو في النهاية الأم. فهي مرغوبة ومحقود عليها بنفس القوة التي يعيش فيها حاجاته البدائية. في البداية يحب أمه في اللحظة التي تلبي فيها حاجاته. ولكن عندما لا تلبى هذه الحاجات تنقلب الحالة عكسياً: فالعدوانية والحقد يظهرون على الساحة. فالرضيع يصبح مسكون إن صح التعبير بمشاعر أو بميل لهدم الأم والتي هي موضوع كل رغباته ومرتبطة في أعماقه بكل ما يختبره من مشاعر: جيدة أم سيئة. كما أن الحقد والعدوانية هما، على ما يبدو، وراء آلام يعيشها الرضيع أو الطفل: صعوبة التنفس أو الاختناق وغيرها من المشاعر المشابهة، والتي يعشها على أ،ه هدامة له وبالتالي تقوي العدوانية، والحزن والخوف.

       فتلبية رغبات الرضيع من قبل الأم هي الوسيلة المباشرة والجوهرية لتهدئة وتخفيف هذه الحالات المؤلمة من الجوع والحقد والخوف. وبالتالي الشعور المؤقت بالأمان الناتج عن التلبية هذه يرفع كثيراً الشعور بالرضى والاكتفاء. هكذا نلاحظ أن الشعور الطمأنينة والأمان يصبح، في كل مرة يشعر فيها الإنسان بأنه محبوب، عنصر مهم للشعور بالاكتفاء والرضى.

       عدم التلبية يفتح الباب أمام الرضيع لعمل المخيلة: فهو يستطيع مثلاً أن يتخيل بأن ثدي الأم هنا ويرضع منه في الوقت الذي تكون فيه الأم بعيدة عنه. فالتخيلات الجيدة تترافق أيضاً مع التلبية الحقيقية لرغباته، بينما التخيلات السلبية أو الهدامة فهي مرتبطة بالشعور بالإحباط وبالعدوانية والحقد الذات تنتجان عنه. عندما يشعر بالإحباط اتجاه الثدي، فهو يهاجم الثدي بالمخيلة بالطبع؛ وفي حال كانت التلبية فهو يحب الثدي ويترافق هذا الشعور بتخيلات إيجابية. في تخيلاته العدوانية يريد الرضيع أن يعض ويمزق الأم والثدي معاً وأن يهدمهما بطرق أخرى.

       هذه التخيلات تولد تخيلات من نوع آخر: تخيلات إصلاحية. الرضيع إذا شعر أنه آلم أمه وهدمها فإنه سوف يسعى لإصلاح الأمر وإعادة القطع إلى بعضها البعض. ولكن هذا الإصلاح لا يلغي بشكل كلي شعوره بهدم الموضوع الذي يحبه جداً وبحاجة ماسة إليه.

       الشعور بالذنب اللاواعي: هذا الشعور يولد أيضاً لدى الرضيع الشعور بالذنب. شعور لا واعي بالطبع. هذا الشعور نختبره نحن البالغين أيضاً في حال عشنا شيء من الحقد اتجاه إنسان نحبه. وبما أن هذا الشعور مؤلم وصعب جداُ، نحاول إخفاءه، رميه وراءنا. ولكنه يعبر عن ذاته بطرق عديدة ومختلفة ويشكل صعوبة في علاقاتنا الشخصية. مثلاً هناك أشخاص يتألمون كثيراً في حال لم ينالوا رضى الآخرين حنى ولو لم يكن لهم من علاقة معهم أن أية معرفة بهم. والسبب هو أنه في اللاوعي لديهم، لا يستحقون اعتبار الآخرين، واستقبال «بارد» أو متحفظ يؤكد لهم مشاعرهم. وهناك من (لأسباب غير موضوعية) غير مسرورين من أنفسهم: يعطون أسباب متنوعة ومختلفة جداً، مثلاً شكلهم، عملهم أو إمكانياتهم بشكل عام الخ. بعض هذه المظاهر معروفة جداً وتصنف بشكل عان تحت اسم «الشعور بالنقص».

       والتحليل النفسي أثبت أن هذا النوع من المشاعر هو أعمق بكثير مما نعتقد بشكل عام وهم دائماً مرتبطين بشعور لاواعي بالذنب. فالأسباب التي تجعل الناس بحاجة ماسة للمديح والشكر من قبل الآخرين، يعود إلى حاجتهم للبرهان بأنهم محبوبين وأنهم يستحقون أن يحبوا. هذا الشعور يأتي بدوره من خوفهم اللاواعي بأن يكونوا غير أهل بأن يحبوا كما يجب وبشكل خاص يأتي هذا الشعور من عدم إمكانيتهم السيطرة على نزواتهم العدوانية اتجاه الآخرين: يخافون أن يكونوا خطرين على الإنسان الذي يحبونه.

       الحب والصراعات مع الأهل: الأوديب ومشاعر الحب والحقد في آن معاً.

       البنت تحب أباها وتريد أن تأخذ مكان أمها بالقرب منه. إنها تغار من أخوتها وتريد أن يعطيها أبوها أطفالاً لها. هذه المشاعر وهذه الأمنيات وتلك الخيالات تترافق بمنافسة، وبعدوانية وبحقد اتجاه الأم، بالإضافة إلى كل ما عاشته من إحباطات بخصوص الثدي.

       ومع ذلك في عمق البنت، هناك خيالات (هواميات) ورغبات جنسية تبقى حية وموجهة باتجاه الأم، وبتأثير منها ترغب أيضاً أن تأخذ مكان والدها بالقرب من أمها. قد يحدث أن تتطور هذه المشاعر أكثر من رغباتها باتجاه والدها. وهكذا نرى بالقرب من الحب الموجه باتجاه الأبوين، هناك أيضاً وفي نفس الوقت منافسة باتجاههم. هذا المزيج سوف يظهر في العلاقة مع الأخوة والأخوات. فالرغبات والخيالات المتعلقة بالأم وبالأخوات سيكونون فيما بعد أساس العلاقات المثلية.

       كذلك الأمر بالنسبة للصبي الذي يعيش مشاعر جنسية وتناسلية باتجاه الأم ومشاعر حقد باتجاه الأب المعتبر على أنه خصم. ولكن لدى الصبي أيضاً مشاعر جنسية تناسلية باتجاه الأب مما يشكل أساس العلاقات المثلية في المستقبل. هذه الحالات تؤدي إلى صراعات عديدة لأن البنت بالرغم من أنها تكره أمها فهي تحبها أيضاً؛ كذلك الأمر الصبي يحب أباه ويريد أن يحميه من نزعاته وميوله العدوانية. بالإضافة إلى أن الموضوع الأساسي للرغبات الجنسية : الأم  لدى الصبي والأب لدى البنت، تحيي لديهم حقد وانتقام لأن هذه الرغبات لم يتم إرضاؤها.

       كما أن الطفل غيور بالعمق من أخوته وأخواته بمقدار ما هم منافسين في الحب الأبوي. إنه يحبهم أيضاً وهكذا تظهر من جديد الصراعات العنيفة بين النزوات العدوانية والحب.

       هذه الصراعات تولد شعور بالذنب وهنا أيضاً، أمنيات بالقيام بتصرفات جيدة وإيجابية. هذا الخليط من المشاعر له نتائج مهمة ليس فقط في علاقاتنا مع أخوتنا وأخواتنا، ولكن أيضاً، وبما أن علاقاتنا مع الآخرين تبنى بنفس الطريقة، مواقفنا الاجتماعية، مشاعرنا من حب وذنب.

       الحب والشعور بالذنب والرغبة في الإصلاح:

كما سبق وقلت، كجواب على حب وعناية الأم، تتولد، بشكل عفوي مباشر لدى الرضيع مشاعر الحب والامتنان. فلديه توجد مشاعر أو ميول هدامة، وفي نفس الوقت قوة الحب،  قوى تسعى للحفاظ على الحياة. فالتعبير الأول للحب لديه يظهر من خلال تعلقه بثدي الأم، الذي يتحول لاحقاً إلى حب لشخصها. والخبرة تبين لنا أنه عندما تستيقظ لدى الرضيع كل من مشاعر الحب والحقد،  وعندما يظهر قلق فقدان الشخص المحبوب (الأم)، تتحقق خطوة مهمة باتجاه النمو. تتدخل آنذاك مشاعر الذنب والقلق، بصفتها عنصر جديد في الحب. وتصبح جزء لا يتجزأ من الحب الذي تؤثر فيه نوعاً وكماً.

       كما أننا نلاحظ لدى الطفل الصغير قلق باتجاه الأم التي ليست مجرد علامة تبعية اتجاه شخص صديق محبوب مساعد. في اللاوعي لدى الطفل ولدى الإنسان البالغ، وإلى جانب النزوات الهدامة، هناك حاجة عميقة للتضحية بالذات من أجل إصلاح الأشخاص المحبوبين والذين أساءنا إليهم أو هدمناهم خيالياً.  فالحاجة لإسعاد الناس مرتبطة في أعماقنا الإنسانية بشعور قوي بالمسؤولية وبالقلق اتجاههم، هذا الشعور يظهر، يعبر عن ذاته تحت شكل التعاطف الحقيقي معهم وجاهزية فهمهم كما هم.

       التماهي والإصلاح: أن نكون خيرين هذا يعني أن نكون قادرين أن نضع أنفسنا مكان الآخرين، أن نتماهى معهم. هذه القدرة على التماهي مع شخص آخر تعتبر من أهم العناصر في العلاقات الإنسانية بشكل عام. إنها في نفس الوقت شرط أساسي لحب حقيقي وكثيف. إذا كنا قادرين على التماهي مع الشخص المحبوب، فلا يمكننا إلاَّ أن نهمل، وفي بعض الحالات أن نضحي بمشاعرنا ورغباتنا وأن نعطي الأولوية، لفترة زمنية معينة، لمصالح ومشاعر الآخر. وبما أنه بتماهينا مع الآخرين نشاركهم المساعدة والرضى الذين قدمناها لهم، فبذلك نربح أن صح التعبير ما ضحينا به (الأم التي تهتم بمنزلها). بهذه الطريقة نلعب دور الأهل إلى حد ما. نتصرف كما كنا نشعر ما يقوم به أهلنا عندما كنا أطفالاً – أو كما كنا نتمنا أن يتصرفون. ولكن في نفس الوقت، نلعب الدور الذي كنا نتمنا أن نلعبه في الماضي، دور الطفل الجيد اتجاه أهله، دور نلعبه الآن في الحاضر. بهذه الطريقة ومن خلال انعكاس الحالة، أي بتصرفنا اتجاه الآخر كأهل جيدين، نخلق مجدداً ولكن وهمياً، أو خيالياً، الحب والطيبة التي تمنيناها لدى أهلنا وتمتعنا بها ولا نزال. بالمقابل، التصرف مع الآخرين كالأهل الجيدين، قد تكون طريقة للتخلص من الاحباطات وآلام الماضي. الشعور بالغيظ اتجاه أهلنا لأنهم حرمونا، الحقد والرغبة في الانتقام الذين ولدوا من هذا الشعور بالغيظ، الشعور بالذنب واليأس النابع من هذا الحقد وتلك الرغبة في الانتقام – لأننا أسأنا لأهل نحبهم – كل ذلك ممكن إلغاؤه خيالياً لكوننا نلعب دور الأهل الجيدين المحبين ودور الأطفال المحبين.

Share