header logo
يُمكن إعطاَئكَ كُل أنواع النًصائِح في العَالم، بَعضَ الدُروس لا يُمكِنُ تًعلُّمُها إلاّ مِن خِلالِ الُسقوطِ والضَرَبَات

الإيمان على ضوء مسيرة إبراهيم

المنشأ النفسي للدين

مقدمة

        موضوع الإيمان أساسي في الحياة بشكل عام وفي المسيحية بشكل خاص. اخترنا أن معالجة الموضوع على ضوء مسيرة إبراهيم الإيمانية لكونه معتبراً على أنه أبونا في الإيمان.

نحن نقول بأن إبراهيم هو أبونا في الإيمان. وبولس الرسول يقول في رسالته إلى أهل غلاطية: «آمَنَ إِبراهيمُ بِالله، فحُسِبَ لَه ذلِكَ بِرًّا. فاعلَموا إِذًا أًنَّ أَبْناءَ إِبراهيمَ إِنَّما هم أَهْلُ الإِيمان. ورأَى الكِتابُ مِن قَبلُ أَنَّ اللّهَ سيُبَرِّرُ الوَثنِيَيِّنَ بِالإِيمان فبَشَّرَ إِبراهيمَ مِن قَبْلُ قالَ لَه: تُبارَكُ فيكَ جَميعُ الأَمَم. لِذلِك فالمُبارَكونَ مع إِبراهيمَ المُؤمِنِ إِنَّما هم أَهْلُ الإيمان» (3، 6 – 7. 9).

فالإيمان إذن مسيرة شخصية ومن يقول مسيرة

يقول تطور وتغيير. وهذا ما اختبره إبراهيم في حياته قبل الوصول إلى الإيمان الصحيح إن صح التعبير حيث انتقل من عبادة الإله «أيل» إلى إله الكتاب المقدس. بالمقابل، الإيمان موضوع معقد وتتداخل به العديد من الأمور اللاواعية التي، إن لم ندركها تعيق مسيرتنا الإيمانية.

 وبالتالي علينا أن نعي هذه الأمور لنتحرر منها. والقديس اغناطيوس دي لويولا، المعروف بتمارينه الروحية، عنونها: «رياضات روحية ليتغلب الإنسان على نفسه وينظم حياته بمعزل عن ميل منحرف».

في الواقع، وللأسف، في الكثير من الأحيان مفهومنا وعيشنا لإيماننا يشكلان بطريقة أو بأخرى نوع من الميل المنحرف الذي علينا أن ندركه لنتخلص منه ونتقدم باتجاه إيمان أكثر صفاءً وأكثر قرباً إلى الإيمان كما يقدمه لنا الكتاب المقدس.

يقسم الموضوع على الشكل التالي:

1-  المنشأ النفسي للدين.

2-  من هو إبراهيم.

3-  مخاوف إبراهيم.

4-  الصلاة.

 

المنشأ النفسي للدين 

«كل دين هو وثني، لكن الإيمان المسيحي ليس بدين... فقط الله هو من يتحدث جيداً عن الله» (كارل بارت Karl Barth).

رودولف أتّو (Rudolf Otto)، فيلسوف ومؤرخ للأديان يتحدث في كتابه: «المقدس» عام 1917 عن الألوهة بالمعنى الواسع للكلمة على أنها تولِّد ميلين متناقضين من الشعور الديني: شعور فاتن، ساحر وشعور بالخوف، والرعب. ممّا يعني أن الدين له طابع لاعقلاني ومتضارب.

تحليل فرويد للدين: في اللاوعي الإنساني هناك ما يكفي من الضغوطات والصراعات الكفيلة بتطوير، جماعياً وعلى مدار القرون، العملية التي تحيي كل الأديان الكبيرة بمختلف الثقافات والحضارات، بما فيها الدين المسيحي، أقلّه على الصعيد الشعبي.

الدين هو إحدى أجمل منتجات طفولة ومراهقة الإنسانية، مصدر أعلى أنواع مكتسبات البشرية، كالثقافة والحضارة، والفن. بالنسبة لفرويد ـــ قبله يقول المؤرخ والفيلسوف الفرنسي فولتير: «خلق الله الإنسان على صورته، والإنسان ردها له جيداً» ــــــ فالدين ينبع من الإسقاط على إله مصنوع من قبل الإنسان ليحل خمس مشاكل الحياة.

1. يد ممدودة للتعاسة الطفولية ــــ تبعية مفرطة للرضيع لأهله ــــ وآثارها على مسار الحياة البالغة. هذه التعاسة الأصلية هي مصدر كل أشكال قلقنا الأعمق والشعور بالفراغ والوحدة.

2. الله يعطينا الأجوبة على كل ما هو غير مفهوم في طبيعة الحياة، وبالتالي، يخفف القلق النابع من قوانين الطبيعة المتصلبة، الصدفة والشعور بالقدرية.

3. الإيمان بالله يسمح بالأمل بتعزيات وتعويضات (حاضرة أو لاحقة) عن جروحات وإحباطات الوجود وقساوة الواقع.

الفوائد التي يتم البحث عنها في الدين من قبل اللاوعي الفردي والجماعي، بحسب هذه المحاور الثلاثة، تحيها الرغبة في الملء ورفض حدود الواقع. فالرغبة تصنع إذن، عن طريق الإسقاط، وهم الله المرضي الذي يمكننا تسميته «بإله اللاوعي».

4. جماعياً، الرجوع إلى الله سمح للبشر بتأسيس نظام اجتماعي وأخلاقي، ضروري لبقائهم ولعمل المجتمعات والابتعاد عن قانون الغابة.

5. أخيراً، الدين يعطي مخرجاً للمشاكل الخطيرة الشاملة وللشعور بالذنب والوسيلة اللازمة لإدارتها.

فالإرضاءات التي يتم البحث عنها من قبل اللاوعي الفردي والجماعي، بحسب المحورين الأخيرين، هي من مجال «الأنا العليا» وترجع إلى ما يمكن تسميته «بإله الأنا العليا».

واليوم إذا ألقينا نظرة نقدية لعمل الدين يمكننا أن نلمس ما قلناه حتى الآن. فالإنسان، مأخوذ بقدرة رغبته المفرطة ــــ وأمام مواجهته لواقع هو مصدر ارضاءات بدون شك ولكن، في الوقت عينه، مصدر إحباطات كثيرة، وخيبات أمل ونزع الوهم أيضاً ــــــ يبحث في الدين عن مخرج وتعويض، يبحث أيضاً عن تنظيم المتطلبات التي تفرضها عليه الحياة الحضارية والجماعية.

فالله المعبود أو المرفوض هو، في البداية، خاضع لصور الأبوة والأمومة. فلا يمكننا تمثيل الألوهة، في بداية الإيمان، أو في بداية الإلحاد، خارجاً عن الوسائل الموجودة بين أيدينا، أي الصور التي تكونت فينا من خلال الخبرات الرائعة أو اللاذعة التي عشناها مع أهلنا.

كان فرويد يعتبر أنه على البشرية أن تصل إلى مرحلة البلوغ وتعيش حزنها الصعب على الآمال الوهمية للدين بقبولها للواقع القاسي ومواجهته بوسائل أكثر عقلانية وعلمية. ولكن هناك أمرين لا يمكن للإنسان أن يتخلص منهما كلية، حتى ولو كانوا أساس حياته، وهي كونه كان لديه أم وأب.

إله كلية قدرة الرغبة: لا يمكن أن ننتهي من وجود أم في حياتنا، لأنه قبل أن نعرفها كشخص فردي، مع عطاءاتها، مؤهلاتها وعيوبها، نحن وهي واحد، في علاقة اندماجية تعطينا الوهم بأننا كل شيء، لانهائيين، وغير محدودين، وبدون حاجات.

من هذا الأمر نحتفظ في اللاوعي بالرغبة في الملء، بالمطلق، بالكلية. لكن الحياة الواقعية تعاكس ذلك وبالتالي تجرحنا وتحبطنا، وتجعلنا نثور. فالرغبة، في هذه الحالة، تشكل فينا الحنين إلى «الجنة المفقودة» وكل شيء نعيشه يُقاس بهذه القاعدة الوهمية للملء والكلية والمطلق، الذين لا يمكن الوصول إليهم أبداً.

ومصنعي الدعايات يعرفون ذلك جيداً وبالتالي كل ما يعرضوه علينا هو فعّال ونوعيته جيدة، لكن خليفة الأمر، سواء بالكلمات أو بالصور، هي مطلق الصحة والنقاوة والشباب الدائم والجمال أو الحقيقة العلمية.

على الصعيد الديني، يُنتج اللاوعي، إله رائع، مكان رائع، وسحري، يمكنه أن يشفي كل شقاءاتنا، ويُصلح عجائبياً عدم العدالة، والألم، ومنغصات الحياة ويؤمن لنا سعادة مطلقة من نوع النيرفانا.

إله القانون: هناك شيء آخر لدينا صعوبة بالتخلص منه، وله تتبع إمكانيتنا وصعوباتنا في عيش الحب. قبل الوصول إلى الحب، ندخل في العلاقة انطلاقاً من الحاجة. حاجة إلى الطعام، للاهتمام والحماية. يلاحظ الطفل، منذ الطفولة الأولى، بأن أهله، المثاليين برأيه، يقومون بردة فعل على تصرفاته ويبدوا أنهم يعطوه إلى حد ما الشعور بالإرضاء وبالحب بحسب ما يقوم به ويختبره ويعيشه.

هذا الأمر يزرع في الإنسان، بسبب تبعيته المطلقة للأهل، الشعور بأن الحب هو موضوع مساومة دائمة: كل ما يبدو أنه منسجم مع مثال الأهل يولِّد لديهم حب أكبر، وكل ما لا يعجبهم يولِّد من قبلهم شعور مؤلم بالرفض لدى الطفل. هكذا تكونت لدينا الأنا العليا.

ما يبقى دائم في الأنا العليا، في اللاوعي، يدفعنا في كل لحظة لنعجب الآخرين ونتفادى، مهما كان السبب، ما يثير استيائهم، تحت خطر فقدان هذا الجزء من الحب الأساسي الذي لا يمكننا التخلي عنه، وإلاَّ لا يمكننا الوصول إلى حب ذاتنا المبني على استقبال حب الأهل والآخرين. من هنا وجود الشعور العميق فينا بضرورة الانسجام مع ما نرغبه بأن مثالي وما نعتبره على أنه ما ينتظره الآخرون منّا.

على الصعيد الديني، هذا الأمر يشارك في تكوين صورة عن الله الذي يعطي حبه أو يمارس عقوباته بحسب تصرفنا الجيد أو السيء. هكذا يبدو الله على أنه خليفة الأهل والعلاقة معه تصبح تفاوض دائم يهدف لتأمين حبه وتجنب صواعقه.

هنا، من خلال الرمزية والتسامي، وغالباً من خلال الكبت وعودة المكبوت، تتمفصل أو تتمحور النزوات حول صورة الأب الذي يمنع من العودة إلى الأم. هذا هو أساس القانونية ودين الاستحقاقات. هذه هي الازدواجية التي تميز الدين الناتج عن الدينامية المشتركة بين اللاوعي و الأنا العليا. وهذا ما وصفه رودولف أتّو عندما قال بأن الدين يفتن ويخيف في أنٍ معاً.

يبقى السؤال، هل من الممكن أن يوجد شكل للدين، علاقة بين الأنا الواعية والقادرة على التطور بحسب مبدأ الواقع، والله المعروف بطريقة أُخرى غير طريقة اللاوعي؟

هل هناك إله يتوجه إلى الأنا؟

كتَّاب الكتاب المقدس وشهود على تاريخ الله مع الإنسان، وما يقدموه عن تجسد يسوع المسيح، لا يفلتون من ألعاب الرغبة والأنا العليا الغير واعيين. لهذا السبب لابد من التفسير والتأويل.

ما يلفت الانتباه حتى عندما نقرأ الكتاب المقدس بعيون التحليل النفسي هو أنه على مسار الكتاب المقدس، الإنسان مدعو ليولد لذاته وينفتح على العلاقات الغيرية، مع كل ما يولِّد الاختلاف ــــ على صعيد الأفراد، أو المجموعة، أو الشعوب ـــ من إمكانيات ليبيدية وعدوانية.

إذا تمعنا في النصوص الأولى من سفر التكوين: الخلق والسقوط، قاين وهابيل، برج بابل (1 - 11)، والدخول في تاريخ البشرية، مع رواية إبراهيم (12 -25)، في اللحظات البارزة من تاريخ شعب العهد القديم، مستهدف أو في عهد مع الله... في كل مرة نرى عمل الرغبة في بحثها عن الكلية، عن الاندماجية أو الغموض مع المقدس، هذه الرغبة نراها مخصيّة رمزياً لكي يولد الفاعل، فردي أو جماعي، ويمزق الأغلفة البدائية مع منع العودة إليها، ينفتح على العلاقات من خلال الغيرية، الصعبة لكنها الوحيدة الخلاقة.

غيرية الله والإنسان: الله لا يكشف عن ذاته كما يريده الإنسان أن يكون، ولا كما يريد الإنسان أن يكون هو نفسه الله. فالإنسان مرسل إلى دعوته ككائن إنساني، مدعو ليدخل في لعبة علاقات الحقد والحب الذين يشكلون جزءً من فرديته الخاصة، وليعيش نقصه وطلباته، مصدر ارضاءات أو إحباطات. والكتاب المقدس، على مساره، يقول لنا بأن الخطيئة تكمن في اعتبار الله لما هو ليس عليه، أي عبادة صنم الرغبة أو صنم الأنا العليا المقدس.

ذروة هذا الأمر، بالنسبة للمسيحي، تظهر في الرسالة المركزية للإنجيل. هنا، الله الذي يتخيله الإنسان ككلية القدرة بحسب هواماته ورغبته، يصبح إنسان بشخص يسوع المسيح، يضع حدود لذاته، ليُظهر بأقواله وأعماله ما يمكن أن تكون عليه العلاقات الإنسانية الحقيقية.

بينما، في العهد القديم، لا يمكن لأحد أن يرى الله إلاَّ ويموت، تجسد المسيح يقدم لنا الله الذي يأكل ويشرب، يبكي ويفرح، يعيش ويموت وبحوار مميز جداً مع معاصريه. هذا ما تشهد له الأناجيل، كل بحسب أسلوبه.

هكذا، بالنسبة للمسيحي، كلمة الله تدخل في كلام البشر. الكلمة، التي لا يمكن تملك حقيقتها لكنها خصبة دائماً: «في البدء كان الكلمة.... به كل شيء كان.. والكلمة صار بشراً». فهل من الممكن، هنا، التحدث عن نزع صفة القداسة عن الدين؟

كلمتين تلخصان مجمل أعمال وتعاليم يسوع: «أحبِبِ الرَّبَّ إِلهَكَ بِكُلِّ قلبِكَ وكُلِّ نَفْسِكَ وكُلِّ ذِهِنكَ وكُلِّ قُوَّتِكَ وأَحبِبْ قريبَكَ حُبَّكَ لِنَفْسِكَ». هاتين الدعوتين نراهما في العهد القديم. وهما مركزيتين في العهد القديم، لكن يسوع هو أول من جمعهما وأعطاهما معنى جوهري متبادل.

ما هو مهم هنا هو الانفتاح على الحب من خلال الغيرية. ولكي نميز بين حب الآخر والحب النرجسي واسقاطه، لدينا ثلاثة اختبارات إن صح التعبير، تشير لنا بأننا بالفعل نلتقي مع شخص آخر غيرنا، فاعل آخر لا يختلط مع تخيلاتنا:

  1. أولاً، الشعور بوجود مساحة، بعض البعد بين الآخر ونحن يحدد الشخصيات المختلفة لكل واحد ويمنع من الاندماج السريع والوهمي.
  2. الإدراك الحسي بأن كيان ورغبة الآخر يعبّرون عن ذاتهم بالكلمة ـــ الملفوظة أو المعبر عنها بالحركات أو جسدياً ـــ وأنه ليس هناك دائماً توافق بين لغته ولغتي.
  3. هذه المسافة أو البعد وعدم توافق اللغات هم مصدر توتر إلى حد ما كبير، ومصدر مقاومة، هذا التوتر وتلك المقاومة يعطون للعلاقة ديناميتها ويسمحوا لكل واحد بأن ينمو ويتطور ويؤكد معرفته للآخر ولذاته.

        هذه المقاييس التي تشير إلى اللقاء في الغيرية تبدو لي أنها تنطبق على العلاقة مع الله الآخر. آخر غير الله بحسب الهوامات والرغبة والأنا العليا لدرجة أن ظهوره في المسيح يشكك الأكثر تديناً من بين معاصريه الذين ينتهوا بالحكم عليه وقتله.

        الله في الإنجيل هو الله الذي يسأل أكثر ممّا يجيب: «من أنا في نظركم؟»، يعطي الشعور بعدم الأمان بسبب تحريضه على الكيان والصيرورة بدلاً من التراجع نحو الخضوع والطاعة الدينية والقانونية.

        عملية التماهي والتماهي مع يسوع: بداية أقول، عندما يتم الخروج من مرحلة الأوديب بطريقة إيجابية قدر المستطاع ــــــ ما من أحد يخرج منها بإيجابية مطلقة، وبالتالي ممكن التراجع إليها في الحالات الصعبة؛ يتم الخروج الإيجابي من هذه المرحلة عندما يتم القبول بقانون الأوديب الذي من جهة يفرض الخصي الرمزي، أي قبول الحدود والتمييز بين الأشخاص، ومن جهة أخرى يمنع الإنسان من تلبية رغباته، أيّاً كانت، بطريقة مباشرة، مع من يريد وبالطريقة التي يريد، وفي المكان الذي يريد. بمعنى آخر يدخل الإنسان بعالم الرمزية. ويحلّ مبدأ الواقع مكان مبدأ اللذة. مبدأ اللذة هو مبدأ الطفولة حيث لا يقبل الطفل تأجيل تلبية رغباته. مبدأ الواقع هو مبدأ البلوغ حيث لا مشكلة في تأجيل تلبية الرغبة.

فعبارة أحبب قريبك حبك لنفسك، عبارة مركزية في رسالة وعمل يسوع، ليست وصية بمعنى الأمر الصادر عن الأنا العليا، إنما تحريض وجودي يقترح بأن النضج النفسي يمكنه أن يسمح بالوصول إلى إمكانية احترام الفاعل والموضوع كمختلف: القريب، أي من نقترب منه، والذي نكتشفه على أنه آخر. كمية الحب عينها للذات وللآخر دون أن يكون بالضرورة متناقض أو إسقاطي. خصوصاً أن سفر اللاويين يأخذ بعين الاعتبار، قبل الدعوة إلى هذا الحب، العدوانية التي لا يمكن تفاديها والمرتبطة بحب الآخر كحب الذات: «لا تُبغِضْ أَخاكَ في قَلبِكَ، بل عاتِبْ قَريبَكَ عِتاباً، فلا تَحمِلَ خَطيئَةً بِسَبَبِه» (19، 17).

رواية إبراهيم (12 - 25):

        «وأَخَذَ تارَحُ أَبرامَ أبنَه، ولوطَ بْنَ هارانَ ابنَ ابنِه، وساراي كَنّتَه، اَمْرَأَةَ أَبْرامَ ابِنه، فَخَرَجَ بِهِم مِن أُورِ الكَلْدانِيِّين، لِيَذْهَبوا إِلى أَرضِ كَنْعان. فجاءُوا إِلى حاران وأَقاموا هُناك» (11، 31). نرى هنا تارح أبو إبراهيم يفصل أبنائه عن «رحم الأم الأصلية»، ممّا يدفعهم باتجاه تاريخهم الفردي وتاريخ السلالات التي ستولد منهما: اليهودية والمسيحية والإسلام.

        ثم، في الفصل 12، لدينا مباشرة دعوة من أب آخر (الله) يقول لإبراهيم: «اِنطَلِقْ مِن أَرضِكَ وعَشيرَتكَ وبَيتِ أَبيكَ، إِلى الأَرضِ الَّتي أُريكَ.وأنا أَجعَلُكَ أُمَّةً كَبيرة». بداية تاريخ إبراهيم تُبين لنا كيف أن إبراهيم أستُأصل من أصوله، ليبدأ مسيرته الشخصية، بعيداً عن مكان الأم ولاحقاً عن مكان الأب. هل لكي يعبر إبراهيم من تبعية ــ وطاعة ــ وخضوع عقيم لأبيه تارح، إلى ما هو أكثر جذرية، أي لله ــ الأب المتسلط؟ قد نعتقد ذلك. لكننا سوف نرى المراحل التي يعبر بها إبراهيم لكي يتحرر من هذه الصور عن الأب، وبالتالي عن الله.

لكن الله لا يتناسب مع هذه الصور، والبرهان على ذلك هو أن وعد الله له هو دعوة لكي يصبح إبراهيم سلالة يكون فيها الشخص الفاعل، وبدوره أصل لكثير من الناس. لذلك برأي، لا داعي للتركيز كثيراً على طاعة إبراهيم التي، غالباً، ما نفهما على أنها خضوع. علينا استقبال هذه الدعوة، الذهاب باتجاه تحقيق كل هذه الأمور (سلالة، نسل، الخ)، على أنها تحرر وفي عمقها رغبة حقيقية بذلك. هذه الرغبة ستعبر عن ذاتها من خلال الحوارات بين إبراهيم الذي أصبح فاعل والله، كذلك من خلال علاقات أخرى.

        حتى الآن، أبرام وسارة، مع أنهم كبيرين في السن، يشكلان زوج عقيم. ملاحظة مهمة: بشكل عام لدينا عدد من النساء العقيمات، اللواتي مع أزواجهن الخصيبين، لا تصبح خصيبة إلاَّ بعد علاقة خارج الزواج أو بعد عملية تبني. المهم في هذه الملاحظة هو دور العنصر الثالث الذي يفصل بين الزوج السجين بداخله وفي ماضيه ليفتحهم على المستقبل والسلالة.

        من باب المفارقة مع هذه الأشكال من الغموض، يمكننا العودة إلى الوراء في هذه الفصول ونتوقف على حدثين قاطعين نرى الله، من خلالهما مجدداً، كما يكشف عن ذاته في بداية سفر التكوين، على أنه من يدعو إلى الولادة، يدعو للعيش وللحب من خلال اختلاف الهويات الفردية. هنا أريد التحدث عن أهمية تغيير الأسماء إبرام يصبح إبراهيم (17، 5)، وساراي تصبح سارة (17، 15)، وبين هذين الحدثين هناك الختن علامة العهد (17، 10).

        تغيير الأسماء (أنظر محاضرة إبراهيم وسارة من العبودية إلى الحرية ومن العقم إلى الخصوبة ).

        بين تغيير اسم كل من إبراهيم وسارة لدينا موضوع ختن إبراهيم علامة، في الجسد، للعهد بين الله وبينه وكل بيته. من وجهة نظر التحليل النفسي، الختن يمكن ربطه بهوامات الخصاء. لا الخصاء الذي يجعل الإنسان عقيماً، إنما الخصاء الرمزي والذي يلخص، على صعيد الهوية الجنسية كل الإخصاءات التي نعبر منها للوصول إلى النضج وبالتالي الخروج من سحر رغبة كلية القدرة. هذا الخروج هو الذي يبني هويتنا الفردية ويجعلنا أهل لإقامة علاقات غيرية سليمة.

        إذا خرج كل من إبراهيم وسارة من عالم الملكية والاكتفاء الذاتي، من خلال المراحل التي تحدثت عنها، هذا لا يعني أن الرغبة اللاواعية في التملك انتهت، كما هي حل كل إنسان.

عندما حملت هاجر، اعتقدت أنها أصبحت مكتفية وبالتالي تحولت إلى لامبالية اتجاه سيدتها سارة التي أصبحت تسيء معاملتها لدرجة أنها هربت من منزل إبراهيم وسارة.

عندما ولدت سارة ابنها اسحق، وكبر اسحق وتم فطمه، احتفل إبراهيم بهذا الفصل، فصل الفطام. ولكن مباشرة لم تتحمل سارة وجود هاجر وابنها إسماعيل فطردتهم لكي تحتفظ بإرث ابنها اسحق.

عندما تاهت هاجر في الصحراء وقد استهلكت هي وابنها إسماعيل الماء والخبز الذي أعاطاها إياهم إبراهيم، لم تستطع أن تشاهد موت ابنها وعاشت حزنا بابتعادها عنه. (لدينا هنا توازي مهم بين ذبيحة إسماعيل من قبل أمه وذبيحة إبراهيم لابنه أسحق).

ولكن في كل مرة الله، مصدر الحياة والتحرر، مصدر ترميم العلاقات الحقيقية، يتدخل كعنصر ثالث ومخلص:

يعيد هاجر إلى منزل إبراهيم حيث تستعيد خدماتها.

وعندما طردت سارة هاجر وإسماعيل، وهذا الأخير تم إبعاده وحرمانه من الطعام وأصبح في خطر الموت، يعلن الله لهاجر نبع ماء وأنه سيجعل من إسماعيل أمة كبيرة.

بعد مولد اسحق، تأتي ذبيحة اسحق، الحزن الحقيقي لإبراهيم لكي يولد اسحق بالفعل وبالحقيقة.

ملاحظتين بخصوص ذبيحة اسحق:

الأولى: في هذه الرواية، إبراهيم هو من يضحي بذاته فعلياً: عليه أن يعيش حزنه على الناحية التملكية لأبوته. في الواقع، لو مات اسحق على المحرقة، لكان على إبراهيم وسارة البكاء على ابنهم وليس اسحق الغير موجود يمكنه القيام بذلك.

الثانية: هذه الرواية تكشف لنا مرة أخرى الله الذي ليس الله بحسب تصوراتنا الأبوية. بحسب الآثار الأوديبية المعروفة، كان على إبراهيم الخضوع للقانون الساحق لله (للأب السوبرمان إن صح التعبير بحسب هواماتنا) ويسلمه ابنه، يذبحه. بينما، كما نعلم، ليس هذا مخرج ونهاية رواية ذبيحة اسحق.

ما يعطي المعنى هنا، هو أن إبراهيم قاد ابنه، وحيده، بعيداً (3 أيام سير على الأقدام من المنزل العائلي)، واضطر للقبول بأنه أعطى اسحق الحياة لكي، من الآن فصاعداً، يصنع اسحق حياته بنفسه. هذا التخلي، عطاء الله هذا لإبراهيم ككل الأهل، هو الذي أخرج اسحق من أصوله ليذهب باتجاه مستقبله، ويصبح بدوره خلاق وخصب. هذه هي إرادة الله المُحرّرة الذي يحب اسحق كحبه لإبراهيم وسارة، هاجر وإسماعيل. وكما تقول ماري بالماري بشيء من الابتسامة والمزح، لو أنه، أثناء الطريق سأل اسحق أباه أين الذبيحة، لأعطي لإبراهيم كبش، أي أب، كذبيحة.

لهذا السبب لدى عودة إبراهيم من الذبيحة، يقول النص بأنه عاد مع خادميه بدون اسحق والنص لا يتحدث عن اسحق. منذ الآن يعيش اسحق الحياة التي أُعطيت له، حياته. ولن نجد اسحق إلاَّ بعد فصلين، بعد رواية موت ودفن امه حيث إبراهيم هو من اهتم بالمراسم بدون اسحق على ما يبدو.

وعندما يحدثنا النص من جديد عن اسحق، يحدثنا بخصوص زواجه المنظم من قبل أبيه. خادمه الأقدم عليه أن يذهب إلى بلد المنشأ، ليبحث عن امرأة له، لكن بدون اسحق. وبدورها ربيكا سوت تُنتَزَع من أمها التي تبحث أولاً على الاحتفاظ بها، لكن أخيها لابان هو الذي يقودها إلى زوجها المستقبلي اسحق.

يمكننا الاستمرار طويلاً بتدخلات الله المحررة والمخصبة ـــــ بدأً بتدخله بالقرب من ريبيكا العقيمة أيضاً والتي ولدت توأم. فنخرج من حلقة إبراهيم ويمكننا المتابعة لغاية يسوع المسيح لنبين ما الذي يجعل كل من بنوته وأبوة الله وأمومة مريم مميزين وذات معنى عميق بالنسبة لصورنا البدائية للعلاقات الأب ـــ الأم ـــ الابن.

ما هي الخلاصة التي يمكننا استنتاجها بخصوص العلاقة بين التحليل النفسي واللاهوت؟  إذا كان الخمسة عشر فصل من سفر التكوين وغيرها تحث الإصغاء التحليلي النفسي، فذلك لأن ما يقال في عمق هذه لرواية، وراء مغامرات الظاهرة على السطح، يتناسب بشكل مذهل مع ما يصفه التحليلي النفسي بالشروط الضرورية لكي يستطيع الإنسان، بعد أن يولد، يولد بالفعل لذاته ويصبح مستقلاً، حراً وخلاّق من خلال علاقة حب ناضجة مع الأم والأب، والزوج والزوجة، ما الأبناء والآخرين.

هل هذا يعني أن الصحة النفسية تعادل الخلاص بالإيمان الذي نموذجه إبراهيم الذي يجعلنا ورثة محتملين؟ هذا يعادل اعتبار الله كأول محلل كامل! لكن علينا أن لا نخلط الصحة النفسية، البعد النفسي والخلاص بالمعنى المسيحي. ومع ذلك، لدينا ما يكفي من المؤشرات الكتابية لنميز الرابط بين الاثنين. سوف أذكر اثنين منها.

أولاً، الأنثروبولوجيا الكتابية تعتبر، في أغلب الأحيان، الكائن الإنساني كوحدة واحدة لا تنفصل جسدي ـــ نفسي ـــ روحي، وهذا ما أكده التحليلي النفسي بعد قرون حيث العديد من التيارات الفلسفية تفصل، أو بالأحرى تعارض النفس والجسد.

كتوضيح لهذه الوحدة، يمكننا التفكير بمعجزات يسوع. فالمؤمن كغير المؤمن يعيشون في الغموض بسبب البعد الجسدي للمعجزة بينما ما يعطيها في كل مرة معناها الحقيقي هو الكلمة التي ترافقها وتشير إلى كون كلية الإنسان هي التي تم تعافيها في علاقاتها السليمة مع الله، مع ذاتها ومع الآخرين الموجودين معه. فالتغيرات الجسدية العرضية تصبح كعلامة إضافية.

ثانياً، رأينا أن قانون الأب يبين هذه الوظيفة التي من خلالها يجد الطفل ذاته مُنتزع من الغلاف الأمومي البدائي ومدعو ليكتشف هويته الفردية والمجنسة. ولكن، هذا القانون قد يكون له تأثيرات شاذة، بشكل عصابي، وبالتالي يثبت الإنسان على الأب الرغبات الطفولية لكلية القدرة التي كان قد ربطها بالأم في البداية.

فتتم عمليات الخضوع لهذه الصورة الأبوية حيث ستعطي هذه العمليات مكان لتنمية وتطوير دين مستًعبِد، لإيديولوجيات شمولية، ديكتاتورية، حتى التعصب، في مختلف المجالات، في حال لم تكن إضفاء المثالية على العقل والعلوم. فالانفتاح على الآخر المختلف، الذي هو إحدى التأثيرات الإيجابية، قد فشل.

كل إنسان يحتفظ بداخله وبدرجات مختلفة، هذا النوع من الآثار العصابية للأوديب الذي منه ستنبع مواقف طاعة لله ذليلة و ضامرة، مثلاً، أو قتلها في ثورة الإلحاد. بينما ما هو استثنائي مع «إله إبراهيم، اسحق ويعقوب»، كما اكتشفوه، أحياناً بصعوبة، هو أن هذا الأب، يأخذنا دائما بالعكس بالنسبة لصورنا العصابية للأمومة، وللأبوة وللبنوة.

هكذا مثلاً، في الإيمان، يحررنا الله من الطاعة الخانقة بحرفية القانون ومشاعر الذنب ليجعلنا نتذوق من ثمار الطاعة ـــ الثقة التي تفتح على الرغبة والحياة والخلق. يعتقنا من انغلاقاتنا المتكررة والقاتلة ليطلقنا مجدداً بدون توقف نحو الجديد في جرأة الولادة لذاتنا ومواجهة غيرية الله نفسه وغيرية الآخرين.

فهل هذا هو الخلاص؟ إن كان كذلك، فالموضوع مختلف تماماً عن ما تدفعنا إليه ميولنا الهوسية وهو اختزال الإيمان بدين إدارة الشعور بالذنب واستحقاقاته. هذا ما يبدو لي ولكل من يعشق الكتاب المقدس ويضطلع على التحليل النفسي، الخلاصة المركزية، وبالمعنى الإنجيلي، لمسيرة إبراهيم.

 

 

جديد الموقع
أسئلة وأجوبة
أُصبتُ بحالة فصام منذ أربع سنين واليوم تحسنتُ وزالت الأوهام لكنّ مستواي الدراسي قد تراجع وأصبحت أعاني من الدراسة وأخاف أن أستنفذ سنواتي الجامعية وألا أتخرّج.

مع الأسف العلاج الوحيد هو دوائي ضروري مراجعة الطبيب بهذا الخصوص.

مكتوب بسفر الخروج فاني اجتاز في ارض مصر هذه الليلة و اضرب كل بكر في ارض مصر من الناس و البهائم و اصنع أحكاما بكل الهه المصريين أنا الرب ..وهذا يعني أن الله قاتل وهذا يتناقض مع تعاليم الإنجيل..ونحن بالكنيسة بعد القراءة نقول كلام الرب..يعني الكنيسة تؤمن أن

لا يمكن قراءة أي نص في العالم وبشكل خاص الكتاب المقدس قراءة حرفية فهي تقودنا دائماً إلى طريق مسدود. وبالتالي علينا الذهاب إلى ما رواء الكلمات، إلى الرسالة التي يريد النص إيصالها لنا. بالمقابل، شعب العهد القديم، مثلنا نحن، تصور الله على صورته كمثاله بينما