header logo
هناك من يحاول أن يحتفظ بنا بقبور مكلّسة. أتمنى أن نكون قادرين أن ندع القائم من بين الأموات أن يحولها كقبره قبور فارغة

الإيمان على ضوء مسيرة إبراهيم 1

من هو إبراهيم؟

  1. إبراهيم أبونا في الإيمان:

إبراهيم «نموذج» لنا: من هو إبراهيم؟ هل وجد بالفعل أم لا؟ المختصين بالكتاب المقدس يقولون بأنه من المرجح أن إبراهيم لم يوجد كشخص تاريخي. ما يهمنا لدى إبراهيم هو وجه إبراهيم، ما حققه الله معه، ما تركه لنا الله من خلاله. باختصار، ما يمثل إبراهيم بنظر كل الذين ينتمون إليه إن صح التعبير.

 

لأن إبراهيم ليس فقط وجه فردي، إنه أيضاً «نموذج». إنه يمثل إسرائيل في بحثه عن الله. إنه الإنسان الذي يبحث عن الله. إنه جمع، إنه كل الذين يبحثون عن الله، إنه كل واحد وواحدة منّا الذين يسيرون باتجاه الله ليتمثلوا بكلمته. لهذا السبب لن نتوقف على الشخصية الفردية التاريخية لإبراهيم.

        إبراهيم هو أب كل الذين يبحثون عن الله:

إبراهيم أبونا. ماذا تعني نون الجمع «أبونا»؟ عن أية جماعة نتكلم عندما نقول «أبونا»؟ بالتأكيد الجماعة المسيحية. ولكن هذا الجمع ينتهي بأن يمس كل البشرية.

        إبراهيم أب يعلمنا طريق الحياة:

        بأي معنى يمكننا القول بأن إبراهيم هو أبونا؟ بالتأكيد، إنه أبونا بمعنى الفصل الأول من إنجيل متى الذي يقول: «إبْراهيم وَلَدَ إِسْحق وإِسْحق وَلَدَ يَعْقوب» وهكذا على مسار النسب لغاية «ويَعْقوب ولَدَ يوسُف زَوجَ مَريمَ الَّتي وُلِدَ مِنها يسوع وهو الَّذي يُقالُ له المسيح». هذه هي تبعيتنا البنوية بالنسبة لإبراهيم. إنه أب يسوع المسيح، الذي به ولدنا أجمعين. بهذا المعنى، هو أبانا في الإيمان. في الواقع بقدر ما نعيش وجودنا المسيحي، بقدر ما نكون فعلياً منتسبين لجسد المسيح، نحن أبناء إبراهيم. وبولس الرسول يقول: أبناء الله الحقيقين هم الذين تُمم فيهم الوعد.

ما يربطنا بإبراهيم ليس فقط من مجال النسب، إنما أيضاً رابط المثال. وعندما تقول اللترجيا بأن إبراهيم هو أبونا، فهي تقول بأن إبراهيم يعلمنا طريق الحياة، ينقل لنا التقليد، يحدد لنا طرق العيش والتصرف. وبالتالي، تقلبات ومخاوف ووحدة ونِعَم إبراهيم     تعني، ترمز إلى تقلبات ومخاوف ووحدة ونِعَم كل واحد وواحدة منّا تحت نظر الله.

 

إبراهيم هو أيضاً أب في حج الإيمان:

قلنا إنه أبونا في الإيمان. هذا الإيمان له معاني متعددة. له أيضاً معنى موضوعي يلمس المحتوى. إنه أبونا لكونه جدّ، سلف هذا الشكل من العبادة، لهذه الطريقة في التعبير عن حياة إيماننا. عبادتنا هي إبراهيمية، أي أنها شكل خاص للعلاقة مع إبراهيم. أبونا في الإيمان بمعنى الإيمان الحياتي المُعاش، بمعنى الخبرة الشاملة. إنه أبونا خاصة من خلال عمل إيمانه، وموقفه الجذري للإيمان. إنه نموذج ومثال الإنسان الذي يجعل من ذاته استقبال واستعداد. بهذا المعنى، هو أبونا في استعداد وانفتاح الإيمان على الرجاء.

إنه يقدم ذاته لنا كأب في «اللامبالاة، عدم الانحياز» وفي الاستعداد، الأب الذي يقف أمام كلمة الله (عدم الانحياز يعني الوقوف أمام الله بحيادية كاملة لكي يكتشف الإنسان إرادة الله له ليختار ويعيش انطلاقاً منها). الوقوف أمام كلمة الله أمر صعب، تدريجي ـــ وسوف نرى ـــ موجع. ولكن هذا الاستقبال للكلمة، هذا الإيمان، هذا «الرجاء على غير رجاء»، هذا هو، برأي بولس، ما يُبرّر إبراهيم: «أمن إبراهيم فحسب له ذلك برّاً».

إنه إذن أبونا بهذا العمل الجذري، الأساسي لحياتنا المسيحية «عهد من خلاله يضع الإنسان نفسه كلية وبحرية بين يدي الله». كما يقول المجمع الفاتيكاني الثاني في دستور حول الوحي الإلهي (رقم 5). إبراهيم هو أيضاً أبونا في مسيرة الإيمان على مثال مريم التي كانت «تتقدم في مسيرة الإيمان». وإبراهيم أيضاً تقدم في مسيرة الإيمان ويمكننا التأمل في حياته كحج إيمان. حياة إبراهيم هي حج إيمان. ينطلق من نقطة، يعبر بعدة مراحل، ويصل إلى نقطة الوصول. (وهذا هو دور الرياضة الروحية لكونها تشكل هذه المسيرة)

2. المصادر: ماذا نعرف عن إبراهيم؟

بداية لدينا الفصول 12 – 25 من سفر التكوين. وفي العهد الجديد رو 4، غلا 3، عب 11. لكن هناك مصادر أخرى غنية نلجأ إليها عند الضرورة.

ماذا يقول العهد القديم عن إبراهيم؟

في العهد القديم يُذكر اسم أبرام 60 مرة، واسم إبراهيم 174 مرة أي 234 مرة. في العهد الجديد، يذكر اسم إبراهيم 72 مرة. ولكن خلافاً لما نعتقد، الأسفار التي تتحدث عن إبراهيم أقلّ من المتوقع، فشخصية إبراهيم ليست شخصية شعبية في العهد القديم إن صح التعبير. يذكر في سفر الحكمة وسفر يشوع ابن سيراخ والمزمورين 47 و 105. يمكننا القول أنه بعد السبي يأخذ إبراهيم أهمية أكبر.

ماذا يقول العهد الجديد عن إبراهيم؟

مرجعين مهمين في العهد الجديد. نشيد مريم: «كما قالَ لآبائِنا، رَحمَتَه لإِبراهيمَ ونَسْلِه لِلأَبد» ثم نشيد زكريا: «ذاكَ القَسَمَ الَّذي أَقسَمَه لأَبينا إِبراهيم». ولدى يوحنا: « الحَقَّ الحَقَّ أَقولُ لَكم: قَبلَ أَن يَكونَ إِبراهيم، أَنا هو» كما أن يوحنا يذكر إبراهيم في أماكن أُخرى. هذه هي المراجع الكتابية التي يمكننا التأمل فيها.

بالطبع هناك مراجع يهودية واسلامية.

ماذا تقول المصادر المسيحية؟  

تبقى المصادر المسيحية، أي مجمل التفكير المسيحي بخصوص إبراهيم. هناك أولاً آباء الكنيسة. الآباء يتحدثون كثيراً عن إبراهيم، حتى ولو لم يتركوا لنا دراسة كاملة، كما هي الحال بالنسبة لموسى ـــ حياة موسى، غريغوريوس النيصي.

بعد الآباء، لدينا تفكير روحي حول إبراهيم. في اللترجيا، والفن المسيحي، والأيقونات. في الرواية أو الرسومات الحديثة. كل ذلك يُظهر التيار المسيحي للفكر، محاولاً فهم ذاته على ضوء إبراهيم. مثل واحد قد يكفي، الرسومات الشهيرة للفنان رامبرانت ــــ أعتقد هناك 4 ــــ حيث يقدم لنا إبراهيم في مختلف لحظات حياته. بطرق مختلفة، بحث رامبرانت لتأويل ما حدث آنذاك، ما يقوله إبراهيم للضمير الديني.

هناك آخر مصدر شخصي. أنا هو إبراهيم. كيف أقرأ بداخلي مسيرة إبراهيم؟ بالطبع، هذه القراءة ليس لها قيمة تاريخية وتفسيرية للكتاب المقدس، لكن من الممكن لكل واحد وواحدة أنه قام أو سيقوم، أو في صدد القيام بخبرة إبراهيم. وبالتالي يمكنه قراءة ما يقوله الكتاب المقدس عن إبراهيم على ضوء خبرته الشخصية.

  1. من أين؟ من أية معرفة عن الله انطلق إبراهيم؟

من أية معرفة عن الله انطلق إبراهيم؟ من الصعب الإجابة على هذا السؤال. فالكتاب المقدس لا يقول لنا شيء عن هذا الأمر. لكن يمكننا الاستناد إلى سفر الحكمة الذي يتحدث عن إبراهيم دون تسميته: «ولَمَّا أَجمَعَتِ الأمَمُ على الشرّ فأُخزِيَت مَعًا فهِي الَّتي عَرَفَتِ البارَّ وصانَته بِلا عَيبٍ أَمامَ اللّه وحَفِظَته أَقْوى مِن حَنانِه لِوَلَدِه» (10، 5). لا شك أن بعض الملامح تعود لحياة إبراهيم بعد دعوته، لكن يمكننا الاستنتاج بأن حياته الدينية ولدت من خبرة من الفوضى والشر.

رؤية الله في النجوم أو الكواكب:

«رَفَعتُ يَدي إِلى الرَّبِّ الإِلهِ العَلِيّ، خالِقِ السَّمَواتِ والأَرض» يقول إبراهيم (تك 14، 22). هذا يعني أن إبراهيم تأمل بالله انطلاقاً من جمال الخليقة. أي أن إبراهيم كان له خبرة دينية قبل دعوة الله له. خصوصاً عندما نعلم أنه أتى من منطقة يمارس الناس فيها كثيراً علم الفلك. وعندما يدعوه الله يستعمل صور الكواكب والنجوم: «اُنْظُرْ إِلى السَّماء وأَحْصِ الكَواكِبَ إِنِ استَطَعتَ أَن تُحصِيَه هكذا يكون نسلك» (تك 15، 5). فتضرع إبراهيم لله خالق السموات والأرض يدل على وجود خبرة دينية سابقة.

متى عرف الله؟ ثلاثة فرضيات. البعض يقول بعمر السنة. والبعض الآخر يقول بعمر 3 سنوات وآخرون 48 سنة.

متى عرف الله؟

المرجح هو بما أن إبراهيم كلداني، عاش في جو يهتم بعلم الفلك، وانطلاقاً من هذا الأمر، كوّن إبراهيم فكرته عن الوحيد الذي هو مصدر كل شيء، لا يتبع لأحد، خالق الكون. وتدريجياً وصل إبراهيم إلى فكرة الله الواحد.

بحسب كتاب «اليوبيلات»، في سن ال 14 اكتشف إبراهيم فساد البشر وانفصل عن أبيه لكي لا يعبد آلهات مزيفة. حاول عبثاً إقناع أبيه بالتخلي عن عبادة الأصنام التي قرر حرقها. أخ إبراهيم احترق في وسط النيران وهو يحاول إنقاذ الأصنام. فكرة النيران أتت من الكتاب المقدس في لحظة حيث يقول الله لإبراهيم: «أنا الله الذي خلصك من نيران الكلدانيين».

يتساءل المختصون في الكتاب المقدس عن هذه النيران. هل هي مجرد حريق كاد إبراهيم أن يهلك بسببها؟ أم هي فساد الكلدانيين الذي منهم أنقذه الله؟ إبراهيم يصلي إلى الله ليأتي لنجدته لكي لا يقع في الخطأ وليساعده ليرى كل ما عليه القيام به. وهنا يأتي جواب الله. كان لإبراهيم علاقة مع الله، صورة ومعنى عن الله سمح له بالعودة إلى الله وسماع صوته. هذه الصورة وهذا المعنى عن الله استقبله إبراهيم من عائلته وتربيته. والبعض يعتقد أنه نتيجة ثورة إبراهيم على أبيه العالم بعلم الفلك. والبعض الآخر يقول أن إبراهيم عاش خبرة دينية عميقة بتأمله بالسماء المليئة بالكواكب.

تأمله بالسماء وكواكبها سمح لإبراهيم بالوصول إلى الخلاصة أنه بدلاً من عبادة الكواكب، عليه أن يعبد سيد الكواكب، من خلقها. إنها خبرة دينية طبيعية. إنه حدس المتعالي، حدس السببية هو الذي فتح إبراهيم على معنى الله.

هناك فرضية أُخرى، الأرجح من قبل الذين يتحدثون عن 48 سنة، تقول بأن إبراهيم عاش عبادة هادئة للأصنام، معنى غامض لله، لكن كلمة الله هي التي أهدته. وبالتالي، معرفة الله، المعرفة الحقيقية لله ولدت في لحظة دعوته. بمعنى آخر، تم تحديد كل من الاهتداء والدعوة.

خبراتنا الدينية الأولى:

هؤلاء المختصين قدموا لنا إبراهيم بحسب الإمكانيات الإنسانية المختلفة للوجود. وبالتالي السؤال: ونحن متى: بعمر السنة، ثلاث سنوات، ثمانية وأربعون عرفنا الله؟ وكيف: في العائلة؟ بمعارضة مع العائلة والعالم المحيط؟ بخبرة دينية حميمة؟ بفضل كلمة الله المُعلنة؟

هذه الإمكانيات مهمة، وكل واحدة منها لها قيمها وحدودها. وبالتالي من المهم أن نتأمل بالقيم والحدود التي نحملها فينا، من خلال الحياة، قيم وحدود خبراتنا الدينية الأولى، طريقتنا الأولى التي من خلالها اقتربنا من الله، التي بإمكانها أن تستمر على مدار سنين. من الضروري مواجهة هذه الطريقة مع الطريقة التي تعطي الأولوية للكلمة، للعالم الإنجيلي الذي يحتفظ بداخلنا بأثار، غالباً بأثقال خبراتنا الأولى.

الإمكانيات الثلاثة:

لنعود إلى الأعمار الثلاثة (سنة، ثلاثة، ثمانية وأربعون) المطروحة من قبل المختصين لنرى معناها الرمزي. ماذا تعني سنة؟ إنها الزمن الأول. الله يكشف عن ذاته بشكل مباشر للنفس، بوضوح وبملئه، منذ البدء: هذه هي حالة العذراء مريم، وبعض الشخصيات، وقد يكون لأحد منّا، لما لا! هذه المعرفة، يمكن وصفها بأنها ولادية، عميقة، متجذرة في عمق الكيان: نعمة هائلة، نادرة وصافية.

ماذا تعني ثلاثة سنوات؟ إنه الزمن حيث العائلة تبدأ بتعليم الصلاة، واسم الله. تعلمنا بأن نعتاد على الرموز الدينية، إشارة الصليب، والمصلوب. هنا، تربية العائلة الطبيعية إن صح التعبير، إنها تربية أغلبية المسيحيين. ولدنا في عائلة تدفعنا على أخذ هذه العلامات على عاتقنا ونتبناها. العائلة أدخلتنا في عالم الصلاة، عالم الكنيسة، إلى جانب أهلنا الذين كنا نراهم يصلون ويشتركون في المناولة. هكذا تبدأ خطوة دينية عميقة.

والثمانية والأربعون؟ إنها تعني مسيرة صعبة، غالباً غريبة، تعبر من خلال العديد من غرابة أو انحرافات الفكر، تائهة من هنا وهناك، كالقديس أغوسطينوس، الذي كان يبحث شمالاً ويميناً. السؤال: هل من المعقول الانتظار 48 سنة لنلتقي بالله الحقيقي؟ طبعاً هذا ممكن، حتى في العالم المسيحي، على الأقل، بدرجات معينة.

من الممكن جداً أن نعيش لسنوات طوال خبرة دينية غامضة، خبرة دينية لا تمس عمق كياننا. مثلاً: كاهن يقول للأسقف بعد مشاركته في تحضير مجموعة بالغين للعماد: «أخيراً فهمت قانون الإيمان!». والأسقف يجيب: «فعلاً؟ ألم تكن تعظ في الكنيسة خلال سنوات، وعلّمت في كلية اللاهوت؟». في الواقع من الممكن أن نعيش طويلاً خبرة دينية غامضة، دون أن ندرك عمق المعنى، ونبقى على هامش الحقيقة، إلى حد ما كالإنسان الملحد. وهناك الكثير من الناس الذين يعيشون خبرة دينية دون أن تلمس أعماقهم.

بالطيع هذا ليس بسيء. ومع ذلك، بالواقع، يدعونا الله وينتظرنا بعد هذه الخبرة. نعم، كثيرة وغير متوقعة طرق الوصول إلى خبرة حقيقية دينية، إلى تطهير خبرة سابقة. قد تدوم سنوات، فلا زمن لها. من هنا أهمية السؤال: ما هي أولى خطواتي، متى؟ من المهم تحديد اللحظات، السنوات، مع الأخذ بعين الاعتبار الصعوبات التي دامت، نقاط الظلمة ونقاط النور التي تتابعت كمحن، كانقباض، غيابات الله.

الكيفية مهمة بالنسبة لنا:

أكثر من ال «متى»، «الكيفية» أهم بالنسبة لنا. أولاً، نحن مدفوعين من قبل القيم ومكبوحين من قبل حدود «كيفية» خبراتنا الدينية، الأولى منها واللاحقة. ولكن خصوصاً لأن خبرات مسيرتنا تحتاج إلى التطهير. لننظر إلى هذه «الكيفية» على ضوء أربع إمكانيات أو احتمالات:

  1. التربية العائلية في تقليد شيت (الولد الثالث لأدم وحواء ولد بعد مقتل هابيل وهو سلف نوح) ونوح.
  2. الحاجة لأخذ البعد عن العائلة الوثنية.
  3. التأمل بسماء الكواكب.
  4. الإصغاء إلى كلمة الله.

الخبرة الأولى هي خبرة العائلة، التي تنقل تقليد قديم جداً. كلنا نعلم جيداً القيم الهائلة لهذا النوع من التربية الدينية. فالمسيحية هي تقليد، لا وجود لها بدون التقليد، ونحن مسجلين في تقليد حي. إنها نعمة أن نولد ونتربى تربية مسيحية. بالمقابل، حدود أو حدودية مسيحية التقليد نعرفها. كثير من الأمور التي تلقيناها أصبحت مألوفة وإلى حد ما تافهة، أكيدة، تلقائية وفاقدة لكل تباين. مثل هذا الكاهن الذي تحدثت عنه.

فالمهم هنا هو اكتشاف الأهمية الأساسية لقوة كلمة الإنجيل التي تعلن الموت والقيامة، لكي تسيطر وتغّير (تجلّي) مجمل التقليد الديني. هذا الأخير يأتي إلينا بشكل موحد دون أي بروز، دون أن يبين بوضوح ما هو جوهري وما هو هامشي.

هذه هي الصعوبة التي تنتج عن التقليد الديني المُستقبل ككنز كبير حيث نعتبر أنه علينا ممارسة كل شيء، وكل شيء فيه هو جيّد، مهم، بالإضافة إلى أخلاقيات المسموح والممنوع. إنه كنز، لا شك، لكن في لحظة معينة، يصبح عبئاً. إنه غامض، ويمنع من معرفة الله. إنه يجعل من الممكن القيام خلال 48 سنة بهذه الممارسات دون الوصول إلى معرفة حقيقية لله، لأننا نعيش مع هذا الحمل المهلك، الذي علينا حمله في كل الظروف، لأن مخالفة نقطة واحدة منه تعني هلاك الكل. وبالتالي نحرم أنفسنا من إمكانية الحصول على معرفة واضحة للسر المركزي.

هذا هو إذن غموض مسيحية التقليد. لا شك، لا ننكر أن التقليد أساسي، لكن هل هو واحد؟ التقليد الموجود وراء المسيحية يمكنه في الوقت نفسه أن يشوهها، لأنه «يسطحها»، إنه يمنعنا، نفسياً، من أن نعي قدرة الإنجيل. والإنجيل، في هذه الحالة، يصبح كلمة لكل ما نقوم به ونقوله. هكذا أحدد الخبرة الأولى.

قيم وحدود الاهتداء:

   الخبرة الثانية، تكمن في أخذ البعد بالنسبة للعائلة، والحاجة للخروج بدون تأخير من جو ديني ذو نوعية سيئة، رمادي اللون، غير مؤاتي، سلبي، ملحد، لا مبالي، لا يحمل لنا أية مساعدة. هذه الخبرة لها إيجابية.

إنها تسمح لظهور أكبر وأوضح للشخصية. لكن هناك حد، هناك عيب أو سيئة. حد وسيئة لبعض الاهتداءات: نتخيل أن الاهتداء هو ثمرة عملنا، إنه مثالنا الشخصي الذي حققناه. من هنا عناد بعض المهتدين المتعصبين قليلاً، الذين اضطروا لقطع علاقتهم مع محيطهم، مكونين هكذا فكرتهم الشخصية عن الدين. فهم يحتفظون بها، يدافعون عنها ويعارضون، باسمها، كل الذين يعتبرونها بطريقة مختلفة.

هنا، نجد الظاهرة عينها كسابقتها. ما هو إيجابي هو أيضاً مصدر غموض. إنها طريقة أنانية في وضع اليد على الدين. دين قوي لكنه محدود. هؤلاء الناس فهموا فكرة، لكن هذه الفكرة أصبحت شمولية، تحولت إلى عقيدة، تريد أن تشمل كل شيء. كم من الصبر أُنفق، من الألم تم تحمله بحضور هؤلاء الأشخاص، الذين يدّعون فرض رؤيتهم على الآخرين. كل واحد يريد أن يُقنع الآخرين بعقيدته، لأنها ثمرته أو انتصاره، خيره، كنزه الثمين الذي يريد فرضه على كل الناس.

هذا هو العائق الذي يحدّ من إيجابية إثبات شخصية وغنى الحماس الديني. هذه الحدود تظهر ليس فقط كأمر بغيض يولده هذا الموقف لدى الآخرين، إنها تبدو أيضاً في الانحرافات التي تنبع منها غالباً: مثل نجاح كبير ينتهي بهزيمة غريبة.

الخبرة الثالثة:

إنها المشهد الرومانسي لإبراهيم المتأـمل بسماء الكواكب. إنه رجل بسيط، عاش في جو مريح، في محيط يهتم بالفضاء كأمر طبيعي. وفجأة، أثناء تأمله بالنجوم، يشعر بوجود شيء أكثر، لا يجيب عليه علم الفضاء. لا بد من وجود أحد يوجه ويتحكم بهذه النجوم، أحد يمسك بها بيده. هكذا يشعر، بقلبه، بحركة عبادة أعمق، مشعة، مقابل هذا السر، مقابل هذا الآخر كلية، المطلق، الذي يفتنه ويخيفه. شيئاً فشيئاً، يصل إلى خبرة دينية طبيعية، عميقة وغنية جداً، لها إيجابيات كثيرة، لكونها شخصية، مُعاشة بحميمية، متربطة بخبرة الفلك، قادرة على توجيه حياته.

هل هذا النوع من الخبرة غامض؟ حتماً. لأنها خبرة دينية مبنية على التعمق بالذات. ومحدودة بالعلاقة بين الله والكون، أو الله والفلك، مولودة من هذا الإدراك. بدون شك من وصل إلى هذا الإدراك الميتافيزيقي يمكنه أيضاً أخذ البعد عنه وتصور حرية الله. لكن، الموضوع هو، برأي، طريقة لرؤية الله تابعة لخبرة شخصية بحتة. خيرة دينية، في لحظة معينة، قد تبسط حجاباً، وتقيم حاجزاً أو عقبة، فتمنع مباشرة مجيء كلمة الله بسبب الرضى الذي وجدته. هذه الخبرة تبدو كافية.

دين غامض، مجرد، إيمان عقلاني، مليء بالثقة، قادر على أن يصبح، لهذا السبب، صورة عن كلمة الله. كل واحد وواحدة منّا يمكنه أن يجد ذاته في هذه أو تلك الحالة من هذه الحالات، لأن ديننا هو خليط، معقد لا يمكن فكه أو فصله، لهذه الخبرات العميقة والشخصية لكنها تحتاج إلى الاهتداء والتطهير، والخروج من الغموض بفضل كلمة الله.

كلمة الله:

الخبرة الرابعة:

إنها القيمة الوحيدة الحقيقية، النهائية. إبراهيم اهتدى بفضل خبرة الكلمة. خبرة تتم عندما يفهم بأن الله هو المطلق، كلياً الآخر، يتصرف بحرية، ويظهر فجأة في حياته وعندما يشاء. لم يعد الله كما يتخيله إبراهيم، الذي هو على مقياس الكون، بل الله الذي يُظهر ذاته بطريقة غير متوقعة، غير معروفة، لأنه لا يمكن إدراكه. آنذاك، كما سنرى لاحقاً، يولد غليان في قلب إبراهيم.

أعتقد أن هذه الخبرة الأخيرة، يمكننا أن نلمحها، مستوحيين من علم الآثار وتفسير النصوص القديمة، عندما يعبر إبراهيم من الاله «أيل» إلى الله. وبالتالي إله السماء، الله المسالم هو الذي يتسلط على كل شيء، ينظم مسار الأشياء، والفصول، والنجوم، ونحن نتثمل به وهو يلتزم بنا، يتمثل بإيقاع الرعاة والمزارعين. إذن دين بسيط وطبيعي. 

هذا العبور من «أيل» إلى الله سيؤثر على مجمل حياة إبراهيم، وسيصطدم به باستمرار، كما سنرى لاحقاً. لكنه يتميز بالانفتاح على الكلمة، الكلمة الغير متوقعة، الغير معروفة بأصلها، لأننا لا نعرف الله، لم نراه قط، ونجهل من هو. لكننا نعرف بأنه يعمل فينا، ونحن نثق به، دون معرفته كلية، ملتزمين بهذه المغامرة.

إنها خبرة الاهتداء ــ الدعوة التي عرفها إبراهيم، في ساعة ما من حياته، لكن كان دائماً يعيشها مجدداً، يعمّقها. ونحن؟ هل قمنا بهذه الخبرة؟ متى؟ متى تجددت؟ ماذا أصبحت؟ ما هو وضعي اليوم مقابل سر الله؟ الاحتمالات لا تُحصى: معرفة، رفض، إهمال، انتساب غامض أو دائماً واضح.

كل هذه الطرق الممكنة، نجدها أيضاً في الحياة الرهبانية، حيث يظهر بشكل واضح كل ما يفصل الإنسان عن الله. الحقد على الله، الاحتقار، الرفض، استحالة معرفته. كل هذه التصرفات تنبعث بقوة أكبر، لأن الله يصبح شريكاً في الوجود حيث، بالنتيجة، يتم تحديث الصراع مع الله. من المهم الاعتراف بهذا الصراع فينا، صراع إبراهيم وندعه يظهر على الساحة أمام سر الكلمة.

جديد الموقع
أسئلة وأجوبة
أُصبتُ بحالة فصام منذ أربع سنين واليوم تحسنتُ وزالت الأوهام لكنّ مستواي الدراسي قد تراجع وأصبحت أعاني من الدراسة وأخاف أن أستنفذ سنواتي الجامعية وألا أتخرّج.

مع الأسف العلاج الوحيد هو دوائي ضروري مراجعة الطبيب بهذا الخصوص.

مكتوب بسفر الخروج فاني اجتاز في ارض مصر هذه الليلة و اضرب كل بكر في ارض مصر من الناس و البهائم و اصنع أحكاما بكل الهه المصريين أنا الرب ..وهذا يعني أن الله قاتل وهذا يتناقض مع تعاليم الإنجيل..ونحن بالكنيسة بعد القراءة نقول كلام الرب..يعني الكنيسة تؤمن أن

لا يمكن قراءة أي نص في العالم وبشكل خاص الكتاب المقدس قراءة حرفية فهي تقودنا دائماً إلى طريق مسدود. وبالتالي علينا الذهاب إلى ما رواء الكلمات، إلى الرسالة التي يريد النص إيصالها لنا. بالمقابل، شعب العهد القديم، مثلنا نحن، تصور الله على صورته كمثاله بينما