header logo
لَسنا بِحاجَة للاِندِفَاع إذا كَانَ هُناكَ شَيءٌ سَيَحصَل

الإيمان على ضوء مسيرة إبراهيم 2

مخاوف إبراهيم

 

        من بين نصوص سفر التكوين التي تتحدث عن إبراهيم، هناك 15 رواية يمكن التوقف على خمسة منها: إنها أساسية لتحديد علاقاته مع الله. دعوة إبراهيم الفصل 12؛ الوعد والعهد الفصل 15؛ العهد الجديد والختن بعمر ال 99 سنة الفصل 17؛ رواية سدوم وقدرة صلاة إبراهيمالفصل 18؛ وأخيراً ذبيحة اسحق الفصل 22. يبدو لي أن هذه الروايات الخمس مهمة جداً، بالرغم من أهمية الروايات الأخرى.

 

        سوف أبدأ بثلاثة روايات يمكن أن نصفها بالصغيرة، إن صح التعبير. إبراهيم والمصريين الفصل 12، 10 – 20. ثم إبراهيم في جرار 20، 1 - 18 (هذه الرواية تعتبر نسخة لسابقتها فنعتبرهما رواية واحدة). مشكلة عائلية: إبراهيم، سارة وهاجر الفصل 16، 1 – 16. ثلاثة رواية يمكن تلخيصها باثنتين: أولاً مخاوف إبراهيم أمام المحيط، ثم مخاوف إبراهيم للحفاظ على حياة عائلته.

        ضعف إبراهيم:

        إبراهيم في موقف الإصغاء للوعود، وبالتالي، منفتح على الإيمان ومختلف أشكال الوحي المتتابعة لكلمة الله. لكنه يستقبلها جزئياً، وبالتالي يستنتج بطريقة جزئية فقط ثمار هذه المعرفة المتزايدة لله. لا يعرف بعد بالكفاية أن ينقل الكلمة، وأحياناً نراها كما لو أنها مجمّدة، فينبعث فيه الخوف.

        هشاشة خفية تلعب في الغموض. ولهذا السبب هي مفيدة بالنسبة لنا. لأنه، عادة، ضعف الإنسان في خطاياه الكبيرة ــــ القتل، السرقة ــــ من السهل الاعتراف به ويقبله الإنسان. لكن إن كان الموضوع هشاشة خفية، تلعب في الغموض، فمن الصعب تحديدها.

        (هذا تماماً ما يطلب القديس اغناطيوس التعمق فيه، في تمارينه الروحية، يدعو المتريض إلى طلب النعمة لمعرفة كل ما هو فوضوي في أعماله، «لكي، لدى رؤيتي لفظاعتها، أعدل ذاتي وأنظمها». وأن يعرف غرور العالم «لكي، لدى رؤيتي لفظاعتها، أبعد عن ذاتي الأشياء الدنيوية والعبثية».

النعم المطلوبة تتجاوز معرفة الخطيئة، إنها تهدف إلى ما هو أقل تنظيماً، في طريقة عيشنا، وهو خاضع لضغوطات وتواطئات وحيل تكاد أن تكون مرئية. كل ذلك يجعل جزء من الوجود غير خاضع لنور كلمة الله، ولم يلتزم كلية بحسب وعد هذه الكلمة.)

عبيد للغموض:

لتوضيح أكبر لما قيل، يمكننا التأمل في مقطعين، على ضوء التمارين الروحية عب 2، 14 – 15: إنه أيضاً نص أساسي لتحديد هشاشة الإنسان. «فلَمَّا كانَ الأَبناءُ شُرَكاءَ في الدَّمِ واللَّحْم، شارَكَهُم هو أَيضًا فيهِما مُشاركةً تامّة لِيَكسِرَ بِمَوتِه شَوكَةَ ذاكَ الَّذي لَه القُدرَةُ على المَوت، أَي إِبليس، ويُحَرِّرَ الَّذينَ ظَلُّوا طَوالَ حَياتِهِم في العُبودِيَّةِ مَخافَةَ المَوت».

إنه شرح مهم لوضع الإنسان، لوضعنا نحن، عبيد للغموض، ضحايا سلطات العالم، للمحيط، للرأي العام، لكل ما ينتظره الآخرون منّا، لكل الأمور التي نخاف انتقاد الآخرين لنا عليها، النظرة السيئة لنا، عدم تقديرنا ورفضنا. عبودية تجد جذرها، يقول لنا بولس الرسول، في الخوف الأساسي، الخوف من الموت، بمعناه الشامل: خوف من الاحتقار، من الانفصال، من الخسارة، من فقدان ماء الوجه، من الإقصاء، الخ.

هذا الخوف من الموت هو وراء كل أنواع القلق الذي نواجهه في صراعاتنا اليومية. إنه أساس ونبع كل الصراعات التي يسعى الإنسان للانتصار عليها، لمقاومتها، لكي لا يتم إقصاءه، أن يصارع الآخرين، أن يحلّ مكانهم، أن لا يُفاجئ، وأن يصل للحصول على حياة هادئة. كل هذه الأمور هي الواقع الذي تصفه الرسالة إلى العبرانيين، والذي ببساطة يمكننا اكتشافه في روايتي إبراهيم.

1 – خوف إبراهيم أمام ما يحيط به:

الرواية الأولى مزدوجة كما قلت. في مصر كما في جرار، إبراهيم يخفي حقيقة هوية زوجته. في مصر، يُقدمها على أنها أخته، ويعمل جاهداً لتُستقبل على أنها كذلك. وبالمناسبة في الفصل 26 من سفر التكوين نرى، في جرار، اسحق يتصرف بنفس الطريقة. كيف يمكننا فهم الأهمية المُعطاة لهذا الأمر «التافه»، والمكرر ثلاث مرّات؟ عندما يكرر الكتاب المقدس حدث ما ثلاث مرّات، فهذا يعني أن لديه سبب ما. دعوة بولس مروية ثلاث مرّات، ويسوع يعلن عن آلامه وموته في ثلاثة ظروف. في إطار الفصل 12 من سفر التكوين، يبدو لي أن هذه الرواية تكشف لنا في إبراهيم، رجلاً لا يعرف الاستفادة من معرفته المتصاعدة لله. إنه مأخوذ بالمخاوف القديمة، الهلع القديم، من ادعاء العالم القديم الذي يريد أن يُخلّص ذاته من خلال قلب الوضع.

 ماذا يمكننا أن نقول بخصوص هاتين الروايتين؟ أولاً علينا التوقف على إطار النص، بنية النص، من خلال تحليل سريع للنص. ثم نطرح بعض التساؤلات: ما الذي يخافه إبراهيم؟ ماذا يعمل بدافع هذا الخوف؟ ماذا يعمل الله؟ ثم نطرح على أنفسنا سؤالين: ما الذي يخافه الإنسان ــــ إبراهيم كنموذج للإنسان الذي يجد نفسه في حالة صعبة، مقلقة إلى حد ما، خطيرة إلى حد ما؟ ما الذي يختبره، وماذا يعمل؟ كيف يحكم الله على هذا الإنسان؟ هذه النقاط الثلاثة هي التي، برأي، تسمح لنا بفهم النص.

ما الذي يخافه إبراهيم؟

الإطار غني بالمعنى بما أنه يأتي مباشرة بعد الوعد: «أُبارِكُ مُبارِكيكَ، وأَلعَنُ لاعِنيكَ وَيتَبَارَكُ بِكَ جَميعُ عَشائِرِ الأَرض». هذا يعني أنه بإمكان إبراهيم أن يكون مطمئننا، فالله يهتم بحمايته.  

        إبراهيم يطيع ويذهب غني برؤية جديدة للمستقبل. في الآيات اللاحقة نرى إبراهيم يتضرع لله ويبني له مذبحاً. كل شيء كامل. ولكن، في الآية 10، يجد إبراهيم نفسه في مصر، وحيد، مع ذاته، فريسة مخاوفه، ومشاكله، باحثاً، قدر ما يستطيع، عن تصرف يقوم به. هذا هو إطار النص.

        والآن، كيف يمكننا أن نبني نص 12، 10 – 20

        العنصر الأول: المجاعة سبب هذه الحالة. ينزل إبراهيم إلى مصر بسبب المجاعة التي اشتددت في البلد، وهذا الأمر يتكرر مع اسحق ومع يوسف.

        العنصر الثاني: الآيات 11 – 13. الخوف. يقول إبراهيم لسارة: «أَنا أَعلَمُ أَنَّكِ اَمرَأَةٌ جَميلَةُ المَنظَر، فيَكونُ، إِذا رآكِ المِصرُّيون، أَنَّهم يَقولون: هذِه امرَأَتُه، فيَقتُلوَنني». إبراهيم يخاف الموت، ويختلق حيلة: «فَقولي إِنَّكِ أُخْتي، حَتَّى يُحسَنَ إِلَيَّ بِسَبَبِكِ وتَحْيا نَفْسي بِفَضْلِكِ». في الواقع إبراهيم يأمل أكثر من ذلك: أن يحصل على مكافآت عديدة بسبب هذه المبارزة حول الحياة: ليس فقط حفظ الحياة، إنما أيضاً نمو في الخيرات والغنى.

        هذا الخوف وهذه الحيلة، نراهما إلى حد ما في الفصل 20، 1 – 18. يقول إبراهيم لأبيملك: «إِنِّي قُلتُ في نَفْسي: لاشَكَّ أنْ لَيسَ في هذا المكانِ خَوفُ الله، فيَقتُلوَنني بِسَبَبِ امرَأَتي». فالدافع هنا ديني: لا يخافون الله، لذلك عليَّ أن أفكر بذاتي، عليّ أن أحمي ذاتي. كما أن إبراهيم يريد إنقاذ ماء الوجه عندما يقول: «في الحَقيقةِ هي أُخْتي، ابنَةُ أَبي. لكِنَّها لَيسَتِ ابنَةَ أُمِّي، فصارتِ امرَأَةً لي». هذا التقليد يهدف لتسليط ضوء إيجابي على شخصية إبراهيم: في الحقيقة، هي أخته، وبالتالي فهو على حق.

حيلة غامضة:

العنصر الثالث: ما هي النتائج؟ يأخذ فرعون سارة، وإبراهيم يلقى معاملة حسنة، ويُعطى له قطيع وماشية وعبيد، حمير وجمال. إنه نجاح حقيقي لإبراهيم، إنه في ازدهار كبير. بالمقابل فرعون هو من أُصيب بضربات خطيرة، مع أنه بريء بخصوص سارة زوجة إبراهيم. هذه هي النتائج التي لا تخلو من الفكاهة.

        الآيات الأخيرة تعطينا أخلاقية النص: «فاستَدْعى فِرْعَونُ أَبرامَ وقالَ له: ماذا صَنَعتَ بي؟ لِمَ لَم تُعلِمْني أَنَّها امرأَتُكَ؟ لِمَ قُلتَ: هي أُخْتي، حتَّى أَخَذتُها لِتَكونَ لِيَ امرأَةً؟». يلعب فرعون هنا دور الرجل النزيه: لماذا تصرفت هكذا؟ لماذا الخوف؟ لماذا استسلمت، مرعوباً، لقلقك الداخلي؟ ثم صرفه فرعون بعد أن غمره بالعطايا.

        هذا الحديث بين فرعون وإبراهيم يعبر عن ذاته بشكل قاطع أخلاقياً في الفصل 20. هنا الموضوع هو لقاء إبراهيم مع أبيملك، ملك جرار الذي، يستيقظ ذات صباح، بعد حوار مع الله خلال الليل حيث يكتشف ما حدث. يقول لإبراهيم: «ماذا صَنَعتَ بنا؟ وبِمَاذا خَطِئت إِلَيكَ حتَّى جَلَبتَ علَيَّ وعلى مَمْلَكتي هذه الخَطيئةَ العظيمة؟ إِنَّكَ صَنَعتَ بي ما لا يُصنَع». لدينا هنا حكم سلبي واضح، بخصوص كذب إبراهيم الذي اختلق حالة كاذبة، صانعاً ما لا يُصنع. هذا هو إطار النص.

 

        قوة غريزة الدفاع:

        مما يخاف إبراهيم؟ ماذا يعمل؟ النص واضح: يخاف إبراهيم من الإساءة له، لأنه صغير، لا يملك شيئاً، إنه قائد مجموعة من الرعاة، دون أية حماية من قبل أصدقاء أقوياء، بعيد عن بلده، بدون دفاع في عالم عدائي. وبالتالي نفهم قلق إبراهيم. من الذي لا يقف، متفهماً، إلى جانب إبراهيم الذي يرى ذاته ملزماً بحماية نفسه من كل شيء، من الجميع، لأن ما من أحد يفكر به؟ إن لم أفكر بذاتي، فمن يقوم بذلك؟

إنني بدون أهل أو أقارب، بدون أصدقاء، لا أنتمي إلى قبيلة يمكنها أن تدافع أو تنتقم. يخاف إبراهيم، بالفعل، من أن حياته ــــ التي أُعطي لها وعد كبير ومستقبل كبير ـــ تنطفئ، تتلاشى. فالموضوع هو الحماية الذاتية. إنها غريزة البقاء، الدفاع المباشر عن الذات. ماذا يعمل إذن؟ يحمي ذاته على قدر ما يستطيع، ويختار الوسيلة التي، في هذه اللحظة، تبدو له الأفضل. بدون شك، لا يمكننا أن نبقى لا مباليين أمام عطاءه زوجته لرجل آخر.

علينا أن نفهم بأن إبراهيم، لم يجد مخرجاً آخر. لقد دخل في عالم الغموض. لم يقم بذلك بإرادته. لقد شعر بأنه دخل في حلقة لا يمكنه الخروج منها: الحفاظ على زوجته، كان يعني ذلك وضع حياته عرضة للخطر. إعطاء زوجته، كان يعني الدخول في الغموض. محاط، مضغوط من كل النواحي، وجد الطريق الأسهل. وبما أن الموضوع هو قانوني، سعى للعب مع الحق، مع بعض الإمكانيات القانونية، مغلقاً عينيه على النواحي الأخلاقية، لأنه لم يكن يعلم كيف يمكنه أن يتصرف بطريقة أخرى.

الله يرحم الإنسان المسكين:

ماذا يعمل الله؟ لم يعمل له شيئاً، إنه يتفهمه. لإبراهيم أهمية أكبر بنظر الله فيعاقب فرعون. لم يعمل شيئاً لإبراهيم لأنه ــــ والنص لا يقول شيئاً، لكن من المؤكد ــــ أن إبراهيم في حالة صعبة. ضعفه ظاهر ولا يستطيع أن يعمل شيئاً ضد هذا الضعف. يشعر بالاختناق، والخوف مستولى عليه. الله لا يوجه له أي لوم، ولم يتصرف ضده. والآخرون ـــ فرعون وبما فيهم أصحاب السلطة ـــ هم الذين يُعاقبون، من أجل أن يخلص إبراهيم ويستعيد شجاعته. لدينا من جهة عمل إبراهيم الغامض، ومن جهة أُخرى تسامح الله الذي سيستعمل وسائل أُخرى: العطاء المتجدد، في قلب إبراهيم للإيمان، هو الذي سيوضح الحالة ويسمح له بالذهاب إلى الأمام.

هذا الموقف الغامض لم يلوثه بالجبن. ولم يجعله حذراً أمام الوعد، ولم يجعله غريباً عن التصرف الأخلاقي. لقد تم وضعه مجدداً على الطريق السليم، بصبر وهدوء. فالله قاده محترماً، محلقاً، إن صح التعبير ــــ كما يقول الكتاب المقدس ـــ فوق ضعفه، مغلقاً عينيه على ضعف إبراهيم وازدواجيته. فالله لديه طرق أخرى غير النقد العنيف، لكي يشفي هذا الضعف.

ماذا نستخلص من كل ذلك بخصوص الواقع العميق لكل من الله وإبراهيم؟ سؤالين يمسون حقيقة الإنسان ـــ إبراهيم. ما الذي يخاف منه، ومن الذي يهدده؟ الإنسان يخاف كل ما يمكن أن يضعفه، ينقصه، أن يسيء إلى حياته، إلى خيراته، إلى شرفه، إلى أمانه، كل ما يمكن أن يقوده إلى حالات محرجة وغير سارة، حيث يشعر بأنه مرفوض. هذا ما نبحث عن تفاديه بشتى الطرق، البعض منها شريف، والبعض الآخر غامض، خاصة عندما نجد أنفسنا في حالات صعبة، أمام قوى عديدة معادية. يمكننا وضع مخططات بكل هدوء، عندما نكون وحدنا، في غرفتنا. ولكن في اليوم الذي تتضاعف فيه التوترات، والمعارضات، آنذاك تنبعث عفوياً غريزة البقاء: نبحث عن كل وسائل الخروج في هذه الحالات، وغالباً نقع في النفاق. أنا لا أقتل، ولست بإنسان مخادع، لا أسيء لأحد أبداً، ومع ذلك أبحث، بأية طريقة، عن مخرج.

ردة فعل الإنسان وردة فعل الله:

غموض الوجود، هذا القلق، هذا الخوف من أن ننقص، وأن نُذل، وأن نفقد كل شيء، يمكنه أن يمس أمور كثيرة. ليس فقط الخيرات أو الممتلكات المادية، الغنى، إنما بنفس القدر بعض الشرف، والعدل، الذين هم من حقنا. عليّ الحفاظ على شرفي: وأيضاً عليَّ أن أمنع هذا أو ذاك، وأستعمل الوسائل التي تقدم ذاتها لي. ماذا يفعل الإنسان؟ يستسلم للقلق، ويبدأ بالتكلم كالوكيل الخائن في إنجيل لوقا الفصل 16: ما العمل؟ كيف يمكن الاستمرارية؟ كيف يمكن الخروج من هذه الحالة. آنذاك يختلق الإنسان الذرائع.

ولكن ماذا يفعل الله؟ لدي الشعور بأنه يتصرف كما فعل مع إبراهيم. إنه يختبر شعور بالشفقة هائل أمام هذه الحالات من الكذب والضعف، حيث الإنسان يلتزم «غريزياً». يبذل جهداً لكي لا يقع؛ ويمكنه أن لا يقع، يرغب في أن لا يقع، ولكن في أغلب الأحيان، ها هو يقع. فالضغوطات الخارجية قوية لدرجة، ورغبته في عدم الموت قوية جداً، في أن لا يُذل، أن لا يُنقص من كيانه، وأن لا يفقد، وأن لا يخيب آمال الآخرين بفشله، وأن لا يتغلغل الكذب في أنسجة حياته.

 سؤال أخير بخصوص هذه النص. حاول إبراهيم أن يقوم بما يستطيع. لقد مضى قدماً، بغموض، أخذ الطريق الأول الذي وجده، حتى ولو كان واعياً بشكل خفي أنه ليس الطريق الأفضل، لكن لم يكن بإمكانه التصرف بطريقة أُخرى؛ وأن الله لم ينتقده أو يلومه؛ أشفق عليه. السؤال، هل كان بإمكان إبراهيم أن يصل إلى معرفة حقيقية عن الله في هذه الظروف؟ هل يمكن أن تكون له معرفة حقيقية عن الله الذي يكشف عن ذاته، ويثق به في كل شيء؟ حتماً لا! بسبب تآكل هذا النفاق وهذه المخاوف. نفاق، مخاوف، رعب ــــ حتى ولو لم يكونوا دائماً سلبيين ـــ فهم يمنعون الإنسان مع ملء المعرفة الله الذي يكشف عن ذاته فقط في قلب الثقة المطلقة التي يعطيه إياها الإنسان، من خلال الانتماء المطلق، والتخلي الكلي عن الخوف والقلق. إبراهيم يبقى هنا، لا يتقدم، ومعرفته لله تتجمد فما الذي يحدث؟ يحدث ما نراه في الفصل 16، 1 – 6.

2. خوف إبراهيم داخل عائلته:

لنتوقف الآن باختصار على الرواية الثالثة: خوف إبراهيم داخل عائلته، حيله، ذرائعه. سنتوقف على الآيات 1 – 6، حيث يروى لنا ولادة إسماعيل.

ما هو إطار هذا النص؟ هنا أيضاً نحن أمام أمر غامض، كما في الفصل 12 حيث يستقبل إبراهيم وعد الله الكبير: سأباركك، وأكون معك، لا تخاف من أي شيء، وسأعطيك الكثير. مباشرة يعبد إبراهيم ويشكر، ولكن سرعان ما يستسلم للخوف. الفصل 16 يتبع مباشرة الوعد الكبير والعهد في الفصل 15 حيث يقول الله لإبراهيم: «لن يَرِثَكَ اليعازَرُ الدِّمَشْقيّ، بل من يَخرُجُ مِن أَحْشائِكَ هو يَرِثُكَ. ثُمَّ أَخرَجَه إِلى خارِجٍ وقال: اُنْظُرْ إِلى السَّماء وأَحْصِ الكَواكِبَ إِنِ استَطَعتَ أَن تُحصِيَها، وقالَ له: هكذا يَكونُ نَسْلُك. فآمَنَ بِالرَّبّ، فحَسَبَ لَه ذلك بِرّاً». قام إبراهيم إذن بعمل إيمان كامل، سلّم نفسه كلية لله، لإله الوعد. لدينا رواية مضيئة تشهد لهذا الاستسلام: الحيوانات التي شطرها إلى اثنين ثم يقول الله لإبراهيم «سوف أعطي لنسلك هذه الأرض».

هكذا يمكن لإبراهيم أن يستمتع بضمان كلي وعلى كل الأصعدة: التصوفي، والرمزي، والتجريبي. لكن الفصل 16 يتابع: «فقالَت سارايُ لأَبْرام: هُوَذا قد حَبَسَني الرَّبُّ عنِ الوِلادة، فاَدخُلْ على خادِمَتي، لَعَلَّ بَيتي يُبْنى مِنْها. فسَمِعَ أَبْرامُ لِقَولِ ساراي». أمر غريب! في الفصل 15: «سمع إبراهيم صوت الله، فآمَنَ بِالرَّبّ، فحَسَبَ لَه ذلك بِرّاً»؛ وفي الفصل 16: «فسَمِعَ أَبْرامُ لِقَولِ ساراي». هذا هو ضعف وخوف أبينا في الإيمان: لم يستقبل فقط الوعد في الفصل 12، معلناً له بوضوح ولادة ابن: «سأجعلك أمة كبيرة وأباركك»؛ لم يستقبل فقط الوعد في الفصل 13: «إنَّ كُلَّ الأَرضِ الَّتي تَراها لَكَ أُعْطيها ولِنَسلِكَ للأَبَد»، لكن أيضاً العهد الكبير في الفصل 15. وها هو الآن مأخوذ كلية بالخوف.

هذا هو إطار روايتنا. يمكننا أن نقسّم ما يقوله لنا النص إلى 3 أقسام. الأول يخص خوف سارة: «هُوَذا قد حَبَسَني الرَّبُّ عنِ الوِلادة، فاَدخُلْ على خادِمَتي، لَعَلَّ بَيتي يُبْنى مِنْها». القسم الثاني يخص إبراهيم الذي يستسلم لخوف سارة الذي يجتاحه. والقسم الثالث يبين لنا إبراهيم الذي، بسبب سارة التي تشكو من هاجر وموقفها المتكبر، يعيد لها باحتقار، خادمتها: «هذِه خادِمَتُكِ في يَدِكِ، فاَصنَعي بِها ما يَحسُنُ في عَينَيكِ». إبراهيم المستفيد من الوعد، مشلول: معرفته لله تتلاشى، تميل للإمحاء. لم يصل لعيش الواقع بالفعل، وليقود حياته مع الله، إله الوعد.

علاقاتنا: جذور بعض عدم النظام:

بعد أن اكتشفنا في إبراهيم رجل حر وسجين في آنٍ معاً، يمكننا متابعة التفكير مستندين على ما يقدمه لنا القديس اغناطيوس في المناجاة الثلاثية: أن نركز أقل على الخطيئة من عدم التنظيم في حياتنا، أي ما هو ليس بمنظم، ما لا يتبع بشكل مستقيم الخط الذي علينا اتباعه.  جذور عدم التنظيم هذا هو بالتحديد روابطنا. ليس الموضوع دائماً خطايا خطيرة، مخالفات أخلاقية، إنما بالأحرى اختيارات غير منظمة، طرق العيش؛ روابط إلى حد ما واعية، عفوية، ومن المستحسن إدراكها على ضوء كلمة الله. لو كنت مكان إبراهيم ماذا كنت سأفعل؟ بالنظر إلى ردة فعله، أي تواطئ أشعر بداخلي؟ هل كنت تصرفت على مثاله؟ هل كنت هربت؟ هل كنت واجهت الموت؟ هل كان لدي هذه الشجاعة؟

هذه هي الأصداء التي تحثها فينا رواية إبراهيم، وتسمح لنا بأن نكتشف ما الذي، في الواقع، يكبلنا، الحالات الغامضة التي تبقى كامنة والتي، طالما أنها باقية، تتركنا أخلاقيا أحرار ولكن في الوقت عينه بإمكانها أن تحني بشكل غامض، أوتوماتيكيا طريقة عيشنا وتصرفنا. لنتأمل هذا الأمر. إبراهيم لم يستطع أن يهدم روابطه الكامنة وبالتالي لم يستطع أن يتحرر من الغموض الذي كان فيه. ونحن لا يمكننا القيام بأكثر من إبراهيم. علينا أن نكون متأكدين: الله لا يلومنا، لا يعلّل ضد ضعفنا، لكنه يطلب منّا الاعتراف به، لكي نستطيع، في النهاية، بثقة متجددة، الاستسلام لقدرة كلمة الله ونطلب منه: «ماذا فعلت يا رب بإبراهيم؟ ماذا تريد أن تفعل بنا؟»

مثالين آخرين على النفاق:

نصين من العهد الجديد يمكنهما مساعدتنا على التعمق بموضوع تأملنا. الأول (مر 10، 17 - 22) الشاب الغني. لديه رغبات كبيرة، لكنه سجين، منقسم، كما كان إبراهيم. يا معلم ماذا عليَّ أن أفعل، أريد أن أدرك كلمتك في أعماقها، لكن هذا مستحيل. مستحيل لأنه لم يستطيع التحرر من روتين العادات اليومية، من موقعه، من حالته الاجتماعية. مليء بإرادته الجيدة، يصغي إلى كلمة الله، يرمي بنفسه على أقدام يسوع أمام الناس، يعلن إيمانه، لكن سرعان ما يقول: مستحيل. هذا النص يذكرنا بالانقسام الداخلي لإبراهيم.

مثل آخر قد يكون أقرب من نص إبراهيم (لو 19، 11 -27): مثل الوزنات. ما يهمنا، هو الإنسان الذي دفن الوزنة في الأرض. لماذا تصرف بهذه الطريقة؟ لأنه يخاف المعلم، يخاف من ذاته. لكونه لم يبحث بالكفاية لمعرفة الله، لم يترك وزنته تثمر، إنه مشلول تماماً. هنا، قليل من معرفة الله قد تحجم من يستسلم للخوف. قد أغلق على ذاته في نوع من الهلع الديني المُستّعبِد. تجمدت الكلمة فيه فلم تُثمر. الخوف، الخوف الديني من الله المنظور إليه بطريقة ما، لا يمكنه إلاَّ أن يجمد فينا كلمة الله.

فمن يشعر بنفسه مقيداً ويريد أن يقدم لله هذه الروابط، يمكنه أن يصلي مع المزمور 31

«بِكِ اْعتصَمت يا رَب فلا أَخز لِلأبَد بِبِرَكَ نَجَني. أَمِلْ إِلَيَّ أُذُنَكَ وأَسْرعْ إلى إِنْقاذي كنْ لي صَخرَةَ حِصْنٍ وبَيْتًا مَنيعًا لِخلاصي. فإِنَّكَ أَنتَ صَخرَتي وحِصْني».

جديد الموقع
أسئلة وأجوبة
كيفة يسمى sوnمغناطيسي

عذرا لم أفهم السؤال

في انجيل متى مكتوب ان النسوة امسكت قدمي يسوعوإِذا يسوعُ قد جاءَ لِلِقائِهما، فقالَ لهما: «السَّلامُ علَيكُما!» فتَقَدَّمَتا وأَمسَكَتا قَدَمَيه ساجِدَتَينِ له.اما في انجيل يوحنا منعها يسوع من ان تمسكه فقالَ لها يسوع: «لا تُمسِكيني، إِنِّي لم أَصعَدْ
  • هذا يعني أن كل إنجيلي يريد التركيز على نقطة معينة. بالنسبة لمتى إنه هو المصلوب وقد قام. بالنسبة ليوحنا القائم من بين الموات لم يعد خاضع للزمان والمكان فلا يمكن الامساك به