header logo
يُمكِننا الحُصول عَلى أيِّ شَيء إذا كُنّا مُستَعدِّين لِمُساعَدة الآخرينَ للحُصولِ عَلى ما يُريدونَه

الإيمان على ضوء مسيرة إبراهيم 3

مسيرة بطرس الإيمانية

 

إن الاختبار الأساسي لتلميذ المسيح هو اكتشافه لعمل الله في حياته، وكيف أن المسيح أتى ليخلص الإنسان وينقذه من اليأس والقنوط ويخرجه من الانغلاق والموت، ويحرره من سجن الخطيئة «إن ابن الإنسان جاء ليبحث عن الهالك فيخلصه» (لو 19، 10). وهذا ما يكتشفه بطرس في لقائه الأول مع يسوع (لو 5، 1-11). سوف نتأمل في هذا المشهد ونحاول أن نرى تطور العلاقة بين بطرس ويسوع.

 

        في المشهد الأول نرى الجموع المحتشدة حول يسوع، التي أتت إليه لسماع الكلمة، إنها تحيط به وتزحمه، لدرجة، أنه لا يستطيع أن يرى الجميع، لذلك يطلب من أحد الصيادين أن يركب سفينته ويبتعد قليلاً عن الشاطئ حتى يراه الجميع. يمكننا تصور مشاعر بطرس: إنه فخور بأن المعلم اختار سفينته، وصعد إليها، وسوف يتحدث بذلك الصيادون والقرية كلها. وهذا ما يملأ قلبه فرحاً وسروراً، فهذا الزائر الغريب يُشعره بقيمته وأهميته.

        ولكن بعد أن ينتهي المعلم من تعليمه، يُفاجئ بطرس بطلب غريب لم يكن يتوقعه: إنه يطلب منه أن يسير إلى العمق ويرمي الشباك. عند هذا الطلب يتسرب الشك إلى قلب بطرس، فالنهار في نهايته، ووقت الصيد قد انتهى، وخبرة الليلة الماضية باءت بالفشل. ويقع في حالة إحراج، فهل يستجيب لطلب المعلم، وهو صياد السمك المحترف الذي يعرف منذ نعومة أظفاره قوانين الصيد وفنونه؟ وماذا لو فشل، وهذا أمر مُتوقع؟

 أفلا يصبح في هذه الحالة موضوع سخرية الناس وزملائه الصيادين؟ هل يترك نفسه تنقاد لهذا الزائر الغريب؟ تساؤلات جالت في خاطر بطرس للحظات قليلة، ولكنه قرر أن يبدي نوعاً من الاعتذار المهذب: «يا معلم قد تعبنا الليل كله ولم نصد شيئاً». إن التعب حجة يصعب ردها، فلا أحد يستطيع أن يطلب من الآخر ما هو فوق طاقته، وخاصة إذا ما رافق الفشل هذا التعب، عندها يسيطر اليأس والشعور أننا أمام طريق مسدود.

إن موقف بطرس حرِج للغاية. فهو من جهة يلمس حدود قدرته، ويعرف بالخبرة حدود الممكن، خاصة وقد باءت جهوده طوال الليل بالفشل، ومن جهة أخرى يشعر بشيء من الثقة بهذا المعلم الذي كرّمه بالصعود إلى سفينته، فهل ينغلق على فشله ويأسه أم يقامر على هذه الثقة ويتجاوز تعبه ونظرات السخرية؟

        في مواقف كهذه تظهر أعماق شخصية الإنسان الحقيقية، هل تنطلق من الثقة والإيمان في الحياة أم يحركها القلق والخوف؟ لقد انتصرت الثقة لدى بطرس وراهن على كلمة يسوع، ففُتحت له آفاق جديدة: «بناءً على قولك ألقي الشباك». بيني بطرس مستقبله على كلمة يسوع، إنه موقف الإيمان، قاعدة وأنموذج لموقف الإنسان أمام الله، حيث كلمة الله تبقى الملجأ للإنسان وغذاءه ونوره في أثناء المحن والصعوبات.

إن بطرس يصبح مثالاً للإنسان الذي يجازف بمصيره، رافضاً منطق الحسابات والمصالح الشخصية، وبانياً رجاءه على كلمة الرب. هذه هي الميزة الأولى لتلميذ المسيح. فمن يسمع كلمة الله ويعمل بها، يمكنه الانتماء ليسوع، ويصبح أخاً له وأختاً وأمّاً، وعندها فقط يستطيع أن يثبت فيه ويثمر. فعندما نبحث عن النجاحات السريعة، والمصالح الخاصة، ولا نهتم إلاَّ بمكانتنا الاجتماعية، وبما يقوله الناس، معنى ذلك أننا بعيدون جداً عن روح الإنجيل.

فمن العلامات التي تميز التلميذ الحقيقي ليسوع هي قدرته على الرجاء بكلمة الله، وتركه جانباً مصلحته الشخصية وإلاَّ يكون أسيراً للمنطق البشري. إن بطرس يغامر وتأخذه روح المجازفة التي تعبّر عن الحب، ويرمي بنفسه في العمق إكراماً ليسوع، فيلقي الشباك إيماناً منه بكلام يسوع، فتمتلئ حتى تكاد تغرق. فماذا جري عندئذ؟

        لقد حدث غير المتوقع، غير المُنتظر. فبعد ليل من العمل المضني غير المثمر تمتلئ فجأة الشباك حتى تكاد تتمزق، وهنا يكتشف بطرس قوة الله العاملة في يسوع، فيرتمي على قدميه ويقول له: «تباعد عنّي يارب، إنني رجل خاطئ». لقد وجد بطرس ذاته أمام حضور لم يألفه، حضور يكشف له واقعه البائس، لقد أظهرت قوة يسوع واقع بطرس الخاطئ، فأمام قوة الله وقداسته، اكتشف حياته بصورة جديدة. أمام القداسة الكلية، يكتشف الإنسان اللاقداسة فيه.

ولكن يسوع لا يسعى إلى إذلال بطرس، أو وضعه في مأزق حرج، ولا يقول له: لأنك يا بطرس تريد أن تتبعني ولكن تذكر بأنك رجل خاطئ، وعليك قبل كل شيء أن تندم على خطاياك، وأن تتطهر قبل الانضمام إليَّ، فعلى العكس من ذلك تماماً، فإن يسوع يحمل بطرس على القيام بتجديد إيمانه.

إن اكتشاف الإنسان لبؤسه وضعفه قد يقود إلى اليأس والقنوط، إذا كان هذا الاكتشاف وليد الوعي الذاتي المنفرد، ولكن هذا الوعي قد يصبح انطلاقة جديدة وتحرراً داخلياً إذا تمَّ انطلاقاً من قوة الله ورحمته. يسوع لم يعزز إذن لدى بطرس الشعور بالخطيئة، بل يقلب المواقف ويوكل إليه مهمة المساهمة في عمله ألخلاصي: «لا تخف ستكون بعد اليوم صياداً للناس». فمن هذا الإنسان الذي يعترف بشكل عفوي بضعفه وفقره الروحي، يخلق يسوع رسولاً يحمل البشارة للآخرين. فمحبة الله ليست وليدة استحقاق البشر بل هي عطية مجانية من الله.

        في مشهد آخر، مشهد شفاء المخلّع في لو 5، 17-26 نجد بعض القواسم المشتركة مع لقاء يسوع وبطرس. فهناك رجالاً لا يعيرون اهتماماً لسخرية الناس، فيصعدون إلى السطح ويدلّون هذا المقعد دون أن يكونوا متأكدين من عمل يسوع وطريقة استقباله لهم، هل سيشفي هذا الرجل؟

هنا تظهر شجاعة هؤلاء الرجال وإيمانهم فهم لا يعيرون للمنطق البشري ولأقاويل الناس أي اهتمام، إنهم يتصرفون بوحي من إيمانهم. فماذا سيحصل؟ هنا ستنقلب المواقف أيضاً. فعندما يرى يسوع هذا الإيمان وتلك الشجاعة، يشفي المقعد نفساً وجسداُ، وهكذا تظهر قوة الإنجيل الخلاصيّة.

        إننا مدعوون إلى مثل هذه الثقة وهذا الإيمان، وبهذا نحقق هويتنا الحقيقية. فمن هذا الموقف الأساسي موقف تجاوز الذات بالثقة والإيمان، تتحقق الأشياء الكبيرة في الحياة، فنجد الصداقة والأخوّة والمحبة، فإذا لم يأخذ أحد مبادرة المجازفة، فلن يكون هناك شيء جديد.

فمن ثقة بطرس بكلمة يسوع وثقة هؤلاء الرجال الذين يخترقون بإيمانهم الحواجز يتفجر ينبوع الخلاص. فالتلميذ بطرس يلقي شباكه نزولاً عند كلام يسوع، فتبدأ مع المعلم مسيرة طويلة من العطاء والحب، مسيرة تخرجه من ذاته وتحوله للبشر صياداً.

        ولكننا نجد في الإنجيل شخصية تناقض موقف بطرس والرجال الذين حملوا المخلّع إلى يسوع، إنها شخصية سمعان الفريسي، الذي يتمتع بمكانة اجتماعية مرموقة، ولا يريد أن يخاطر بمركزه هذا، فهو يسعى إلى إرضاء الجميع، فمن جهة يستقبل يسوع في بيته ولكن في نفس الوقت لا يحيطه بالحفاوة المطلوبةـ إرضاءً، لأعداء يسوع.

إنه موقف سياسي مبني على التوازنات والحسابات الدقيقة، لذلك يبقى لقاؤه مع يسوع مصطنعا وسطحياً. وفجأة تدخل امرأة تبدل الأجواء الرسمية، وتسبب الإحراج لسمعان، وتحيط يسوع بمودة ومحبة واحترام، لم يلقه من مضيفه. هذه المرأة تجازف بكل شيء. أمّا يسوع فإنه يحاول أولاً أن يعلن البشرى بالخلاص دون أن يجرح أحداً.

فيبين لسمعان من خلال المثل، أن مفهومه عن الله الرافض للخطأة وللضعفاء، يتنافى مع رحمة الله ومحبته، وأننا كلنا في النهاية مُدانون أمامه، بينما يبث الرجاء والأمل في قلب المرأة التي أدركت سعة رحمة الله ومحبته من خلال حضور يسوع فيما بيننا. ونجد في هذا المشهد أن يسوع لا يخاطب الإنسان الخاطئ بالتأنيب والترهيب. بل يدعوه إلى الثقة بالله، ويبين له أن بإمكانه التحرر من خطاياه وتغيير حياته بالاعتماد على نعمة الله. إن المرأة ترمز للإنسان الذي يخرج من الضياع واليأس، فتتغير حياته ويتحرر قلبه لأعمال المحبة. إن الإنسان الذي يعترف بخطاياه بعفوية كما فعل كل من بطرس والمرأة الخاطئة، يقلب يسوع حياته، فيمتلأ قلبه حباً وثقة به.

        تلك هي ثمرة البشارة الإنجيلية. إنها تقلب المعطيات البشرية، فتحطّ المتكبرين الذين يظنون أنفسهم صالحين، ممتلكين الفضيلة، وترفع الذين تصرفوا بتواضع وببساطة وصدق وجازفوا مراهنين على الثقة بيسوع. فيستعيد قلبهم هكذا القدرة على المحبة. «لقد غُفرت لها خطاياها الكثيرة لأنها أظهرت حباً كثيراً» (لو 7، 47). عندما يلتقي يسوع بالإنسان يعيد له حقيقته العميقة، وعفويته الطبيعية، وقدرته على المحبة، فيصبح مؤمناً مستعداً للالتزام مع يسوع والمجازفة في سبيله.

هذه هي الخطوة الأولى على طريق التتلمذ ليسوع، ألا وهي اكتشافه واختباره للمغفرة الإلهية. ولكن بعد هذا الاختبار الأولي لا بد لتلميذ يسوع أن يمر باختبارات أساسية كي يمتثل منطق الإنجيل. فما هي هذه الاختبارات كي يصبح صياداً للبشر؟ يركز الإنجيلي لوقا في الجزء الثاني من إنجيله (9-18) على الصفات والشروط التي يجب أن يتحلى بها تلميذ يسوع كي يستطيع اتبّاعه، وكي تدخل البشارة الإنجيلية إلى قلبه. يمكن أن نلخص جوهر هذا الاختبار في النقاط التالية:

        الثقة بالله وتسليم الذات له:

        إن القاعدة الأساسية لكل علاقة هي الثقة، فكم بالحري علاقتنا مع الله، مصدر وجودنا وحياتنا، والخطيئة الأولى لآدم وحواء كانت أساساً عدم وجود هذه الثقة، هذه هي الخطيئة الأصلية القابعة في قلب كل إنسان، إذ تهدد علاقته الحيوية مع أصل وجوده وحياته، وبدون هذه الثقة الأصلية، لا يستطيع الإنسان أن ينمو بشخصيته ويتكور بإيمانه.

وأول مثال يعطينا إياه يسوع (آدم الجديد) هو هذه الثقة المطلقة بالله، إنه يسلم نفسه لله بملء الثقة في أشد ساعاته هولاً وألماً، ساعة الصليب، التي لم تزعزع ثقته المطلقة بالله، فكانت كلماته الأخيرة: «بين يديك أستودع روحي». بهذه الثقة عبر الموت وانتصر عليه. لذلك فإن الموقف الأول للتلميذ الذي يتبع يسوع هو التشبه به، بثقته المطلقة بالآب والاستسلام له، هذه الثقة التي تنزع من قلبه كل خوف وقلق، وتجعله يتحرر من ذاته، وينطلق في خدمة الله ومحبته. فالله لا يسمح بأن تقع شعرة من روؤسنا دون إرادته. فالآب لا يتركنا، فعلينا أن نثق به. وهذا ما يطلبه يسوع من الذين يريدون إتباعه. (لو 12، 22-32. 11، 11-13).

        إعطاء الأولوية لله بتحرر القلب وتجرده:

        إن الإنسان لا يستطيع أن يعمل لسيدين، لأنه إمّا أن يُبغض أحدهما ويحب الآخر، وإمّا أن يلزم أحدهما ويزدري الآخر (لو 16، 13). فمن يريد إتباع المسيح عليه أن يعطيه المكانة الأولى في قلبه، وبذلك تأخذ بقية الأشياء مكانها الصحيح. وإلاّ فإن كثيراً من الأشياء تأخذ في حياتنا مكانة أكبر من حجمها الحقيقي. فأن أمشي مع يسوع معناه ألاَّ أتعلق بأي شيء يمكن أن يُضعف علاقتي به.

فإذا كان الإنسان مأخوذاً ومشغولاً بالربح المادي، بالمصلحة الشخصية، والسعي وراء المكانة الاجتماعية، فإن هذه تقيد قلبه، وتمنعه من إتباع يسوع بالحقيقة، كما حصل للشاب الغني. لذلك يؤكد لنا يسوع مرّات عديدة على ضرورة التحرر من كل قيد يمنعنا من إتباعه، وهذا يتطلب تحول للقلب وتبدله إلى قلب حر ومتجرد (لو 11،11-13).

        إدراك معنى الصليب:

        إن إتباع يسوع عندما كانت الأمور تجري على ما يرام، والجماهير تتبعه، وتأتي إليه بالمرضى والمتألمين كي يشفيهم، كان أمراً سهلاً ومثار إعجاب للتلاميذ. ولكن عندما بدأت الأمور تسوء وحين قرر رؤساء الكهنة قتله، أُصيب التلاميذ بالصدمة، وكان أولهم بطرس الذي رفض فكرة الصليب تماماً عندما أخبرهم يسوع بذلك قائلاً: «يجب على ابن الإنسان أن يعاني آلاماً شديدة، وأن يرذله الشيوخ وعظماء الكهنة والكتبة، وأن يُقتل وأن يقوم في اليوم الثالث» (لو 9، 22).

هذا الإعلان يكرره يسوع ثلاث مرّات؟ المهم هو أن يسوع ذاته الذي يعلن عن آلامه وموته على الصليب يريد أن يُشير بذلك إلى التلاميذ، أن الصليب ليس مجرد حادثٍ طارئ على رسالته، ومفروضاً عليه، إنما يقع في صلب رسالته، وقد اختار آلامه طوعاً. إنه يبدل معنى الصليب، فيحوله إلى طريق محبة وعطاء: «ما من حب أعظم من أن يبذل الإنسان نفسه في سبيل أحبائه». لقد فعل كل ذلك كي يوجه تلاميذه نحو إدراك معنى الصليب: ونحن يمكننا أن نتساءل اليوم عن موقفنا من ألالآم والمحن في حياتنا: هل نقبلها أو تكون سبباً لفقدان الثقة بالله.

        ولكن يمكننا أن تساءل عن نتيجة هذا التكوين وأثره على التلاميذ. إن موقف بطرس الرافض يذكره جميع الإنجيليين. لقد أراد أن يُبعد هذا المصير عن يسوع، ولكن موقف بطرس هذا يمثل الموقف البشري، والإنجيل يذكر لنا أيضاً بأن التلاميذ لم يفهموا كلام يسوع عن الصليب: «اجعلوا هذا الكلام في مسامعكم: إن ابن الإنسان سيسلم إلى أيدي الناس. فلم يفهموا هذا الكلام وكان مُغلقاً عليهم. فما أدركوا معناه وخافوا أن يسألونه عن ذلك الأمر» (لو 9، 43-45).

         لم يتوصل التلاميذ إلى إدراك معنى الصليب لأول وهلة ولسيطرة الخوف عليهم، وكان يجب انتظار القيامة حتى يروا في الصليب مصر خلاص، فقبل أن يلتقي تلميذا عمّاوس يسوع القائم من بين الأموات، كانا قد سمعا البشارة دون أن يعيّر ذلك شيئاً في نظرتهم إلى آلام المسيح، وبقيا أسيري الحزن واليأس. فأرجعهما يسوع إلى الكتب المقدسة كي يكتشفا أن ألالآم والمحن والصعوبات تدخل في مخطط الله الخلاصي. وبالتالي على التلميذ أن يقبلها ويحتملها حبّاً بيسوع.

        في الواقع يصعب على كل إنسان أن يفهم معنى الصليب، فالمنطق البشري لا يستطيع فهم لغة الصليب، تلك اللغة التي تُعتبر حماقة في منظور العالم، ولكنها تصبح في نظر المؤمن، تعبيراً عن قدرة الله وحكمته، وهنا المفارقة الكبرى، كيف يمكن أن تتجلى قدرة الله في ضعف الصليب؟

 وتزداد حيرة العقل وارتباكه، عندما يكون منطق البشارة المسيحية إلهاً مصلوباً :«إننا نبشر بمسيح مصلوب عثار لليهود وحماقة للوثنيين». فكيف نستطيع أن نفهم الصليب كتعبير عن قدرة الله وحكمته؟ هذا هو السر الكبير الذي يعجز المنطق البشري عن الإحاطة به، ولكن من تحرر من معايير العالم ومقاييسه يمكنه أن يدرك لغة الصليب. فدعونا نفتح قلوبنا على هذا السر، ونطلب نعمة الله علّنا نتلمس نوراً يفتح أذهاننا على الحقيقة التي تأتينا من الجلجلة.

        إن يسوع سكن عالمنا البشري، واختبر أوضاعنا الإنسانية في كل شيء ما عدا الخطيئة، وأصابه من نزوات البشر وأحقادهم وكراهيتهم الشيء الكثير. وتجلى ذلك بشكل خاص في محاكمة يسوع وصلبه، حيث تعرض للاحتقار والإهانات والشتائم، من الحرّاس والخدم الذي وجدوا في تعذيب يسوع فرصة للترويح عن أنفسهم.

هؤلاء لم يكونوا أسوأ من غيرهم، بل هم أناس عاديين، يخضعون لأوامر رؤسائهم، وهم أيضاً معرضون للاهانة والاحتقار من قبل أسيادهم، فالعالم بنظرهم مقسم إلى قوي وضعيف، والحق بالنسبة إليهم هو دائماً إلى جانب الأقوى، والآن يجدون أنفسهم أمام من هو أضعف منهم، فيصبون عليه غرائزهم المكبوتة، ويمارسون معه ما يمارسه أسيادهم معهم.

إنهم يكتشفون عمق حالة البؤس الإنساني، حيث كل إنسان يفرّغ أحقاده في من هو أضعف منه. ولكن ماذا يفعل يسوع؟ يغلب على موقف يسوع الصمت، وأحياناً يحاول أن يوقظ فيهم ما هو إنساني: «إن كنت أسأت في الكلام فبين الإساءة وإن أحسنت الكلام فلماذا تضربني؟» (يو 18، 23). أي يسأل يسوع معذبه: لماذا تتصرف بهذه الطريقة؟ ألانك تشعر في نفسك أنك مُحتقر، وغير محترم، ومسحوق ممن هو أقوى منك؟ هذا ما يدل عليه صمت يسوع، لذلك يصفح عنهم لأنهم لا يدرون ما يفعلون، لأنهم بدورهم ضحية القهر والعنف. من الصعب أن نفهم لماذا يظهر الله بهذا المظهر من الضعف ولماذا يسلم نفسه إلى مثل هذه الوحشية والقساوة، ولماذا لا يقبل التحدي عندما يهزؤون به قائلين: «خلّص غيره فليخلّص نفسه... إن كنت ملك اليهود فخلّص نفسك» (لو 22، 35-36).

        يظهر هنا سر الله المستسلم للضعف، فقوة الرب تظهر فقط في المعجزات والأعمال الخارقة، ولكن في الآلام أيضاً التي يتحملها بتواضع ووداعة، موقظاً في جلاّديه كرامتهم المفقودة، وإنسانيتهم الحقيقية، لأنهم يكتشفون في يسوع منطقاً آخر غير منطق القوة والعنف، يكتشفون فيه منطق الوجود الحقيقي، أي منطق المحبة.

        إن تحدي الجنود ليسوع كي يُظهر قوته وينزل عن الصليب، يضع يسوع في موقف حرج. فإن استجاب لمعيّريه ونزل عن الصليب، لآمن به الناس، وعندها سيظهر بمظهر القوي، الإله الذي ينجد دائماً، الإله الذي يحقق طموحات الإنسان في العظمة، ولكن طيف يكون عندئذ الإله الذي يقبل الموت حباً بالناس؟

ولكن بعدم نزوله عن الصليب، يكشف يسوع للأول مرّة في التاريخ، صورة جديدة هم الله، لم يعرفها الإنسان حتى الآن، هي صورة الإله الذي يخدم، والذي يعطي حياته حباً بالبشر، إنه منطق الجب الذي يذهب إلى أقصى حدوده، منطق العطاء الكلي، الذي يُترجم بالفناء المطلق.

        لقد أتى يسوع ليغيّر فكرة الإله المسيطر، والقاضي الجبار الذي يستغل ضعف الإنسان وبؤسه، وليكشف لنا وجه الإله الرحيم، الذي يتجرد عن إلوهيته حباً بالبشر. إن صورتنا عن الله شبيهة إلى حد بعيد بموقف الساخرين من يسوع: إلا نتساءل غالباً، لماذا لا يستعمل القوة؟ لماذا لا ينتصر لي على أعدائي؟ أمّا يسوع فعلى العكس من ذلك، لقد أتى ليظهر لنا وجه إله يهب حياته في سبيل الآخرين، حتى الموت على الصليب.

إن هذا المشهد يضعنا في قلب الإنجيل والذي يتجلى خاصة في الافخارستيا حيث يصبح المسيح خبزنا اليومي، «هذا هو جسدي، هذا هو دمي، الذي يُراق من أجلكم، اصنعوا هذا لذكري». إن هذا الموقف يفترض منّا نظرة لله وللحياة، أي علينا نحن أيضاً أن نعيش التجرد والنسيان لذاتنا في سبيل الآخرين، فإن كنّا نتردد في قبول صورة الله كما يظهرها لنا المسيح، معنى ذلك أننا نتردد أيضاً ونرفض أن نغير تصرفاتنا وطريقة حياتنا. إن الإنسان يحقق ذاته بشكل كامل عندما يضع حياته في خدمة الآخرين وفي خدمة إخوته البشر.

        إن كلمة المحبة تلخص كل مضامين الإيمان، ونحن مدعوون للتأمل في المسيح المصلوب لنكتشف كيف يحبنا الله، وكيف يضع حياته في خدمتنا، وإلى أيّ مدى يتخلى عن حقوق القوة: «فمع أنه في صورة الله لم يعد مساواته لله غنيمة بل تجرد من ذاته واتخذ صورة العبد» (فل 2، 5). هذا الاختبار لم يتوصل إليه بطرس بسهولة ومرّ بمراحل مختلفة قبل أن يتوصل إلى إدراك جوهر الرسالة الإنجيلية. فما هي هذه المراحل؟

        لقد بدأت مسيرة بطرس الروحية بلقائه الأول مع يسوع على بحيرة جناسرت، حيث اكتشف نفسه على حقيقتها أمام قوة الله وقداسته، وكانت صرخته الأولى: «يارب تباعد عنّي إني رجل خاطئ»، بينما لقاؤه الأخير به قبل الموت على الصليب، فقد تم في ظروف درامية ومؤلمة، وكان لقاء نظرات، إذ التقى به نظر يسوع بعد أن أنكره ثلاث مرّات: فالتفت الرب ونظر إلى بطرس. هذه النظرة كشفت لبطرس حقيقته وحملت له المغفرة، وولدت فيه الندامة، ويقول لنا الإنجيل بأنه خرج من الدار وبكى بكاءً مراً. (لو 22، 62).

        وإذا أدركنا الفارق بين اللقاءين، أي الفارق بين اعتراف بطرس الأول واعترافه الثاني يمكننا أن نفهم مسيرة بطرس الروحية. لقد لبّى بطرس دعوة يسوع ليكون صياد بشر، ولكن رسالة الإنجيل بقيت غامضة عليه ولم يستوعب سرها تماماً، فكان رفضه لفكرة الصليب، ولكنه في النهاية كان مستعداً لأن يبذل حياته في سبيل البشارة، فما هي المراحل التي عبر بها ليصل إلى ذلك؟

        إن إدراكنا لتجربة بطرس الإيمانية تفيدنا في تعميق مسيرة إيماننا الشخصية، فلنحاول أن نفهم لماذا أنكر بطرس يسوع؟ ولماذا لم يفهم جوهر البشارة منذ البدء؟ وكيف تحول نكرانه ليسوع إلى اختبار اكتشف من خلاله معنى الإنجيل وسره.

        الشهادة ليسوع ورفض الصليب:

        عندما يسأل يسوع تلاميذه: من أنا على حدّ قول الناس؟ نجد في رد بطرس هوية يسوع الحقيقية، وبهذه الشهادة يبلغ بطرس قمة الوحي الإلهي وذرة البشارة المسيحية. بالتأكيد شعر بطرس آنذاك بفرح كبير، لقد برهن على كونه أهلاً للثقة التي أولاه إياها يسوع، ولكن هذه الفرحة لم تدم طويلاً إذ يُصاب بالصدمة عندما يُخبره يسوع عن آلامه المقبلة، ويتلقى مثل هذا الجواب من يسوع: «فزجر بطرس قال: ابتعد عني يا شيطان، لأن أفكارك ليست أفكار الله، بل أفكار البشر» (مر 8، 31-33).

        إن بطرس لا يفهم سبب هذا الكلام القاسي من يسوع، فما الشر الذي تكلم به، ولماذا يعامله يسوع مثل هذه المعاملة؟ ويمكن القول بأن بطرس يسعى لخير يسوع، ويريد أن يمنعه من الوصول إلى مثل هذه النهاية المؤلمة. ولسان حله يقول: إنني أريده أن يكون مكرما ومحترما من الجميع، إنني لا أفهم هذا المعلم، ولا أفهم منطقه وأفكاره وأنا لا أريد له إلاَّ الخير.

ولكن مرحلة سوء الفهم هذه تتبدد بسرعة، عندما يعيش بطرس مع يسوع حدثاً غريباً يملاؤه فرحاً ونشوة: «وبعد هذا الكلام بنحو ثمانية أيام، مضى ببطرس ويوحنا ويعقوب وصعد الجبل ليصلي» (لو 9، 28). في مشهد التجلي، نجد بطرس يتجاوب مع الأحداث بحماس، ويشعر بمسؤولية: «يا معلم حسن أن نكون ههنا، فلو نصبنا ثلاث خيم، واحدة لك، وواحدة لموسى، وواحدة لإيليا ولم يكن يدري ما يقول».

        يعبر بطرس في هذا المشهد عن شعوره بالمسؤولية، فهو مستعد لأخذ المبادرة وتنظيم الأمور وبذات الوقت يعبر عن سخائه وتجرده، فهو لا يقول لننصب خيمة لي أيضاً. إنه يفكر بيسوع وموسى وإيليا. بعد ذلك يمر بطرس بتجربة أخرى يظهر من خلالها إيمانه الهش أمام الصعوبات، إنها تجربة السير على الماء مع يسوع (متى 14، 22-32).

وهذا يبين أن اختباره الروحي يبقى ناقصاً، إذ يفاجئه يسوع مرة ثانية قبل دخوله في آلامه ويبين له أن حماسه لأجله واستعداده للموت في سبيله لن يصمدا أمام المحنة الكبرى، بل سيقوده خوفه وتخاذله إلى نكران معلمه، ولكن صلاة يسوع ستنقذه: «سمعان، سمعان، هوذا الشيكان قد طلبكم ليغربلكم كما تغربل الحنطة، ولكن دعوت لك ألاَّ تفقد إيمانك، وأنت ثبت إخوتك متى رجعت» (لو 22، 31-34). ولكن بطرس لا يفهم هذا التحذير ويظن أن يسوع يمتحنه فيقول له: «إني لعازم أن أمضي معك إلى السجن وإلى الموت» (لو 22، 33).

مما لاشك فيه أن كلام بطرس ليس إدعاءٌ كاذب، بل يعبر بإخلاص عمّا يشعر به، ولكنه لم يستوعب بما فيه الكفاية كلام يسوع «سمعان، سمعان، هوذا الشيكان قد طلبكم ليغربلكم كما تغربل الحنطة، ولكن دعوت لك ألاَّ تفقد إيمانك، وأنت ثبت إخوتك متى رجعت».

إنه واثق بنفسه إلى أبعد الحدود، ولا أحد يمكن أن يزعزعه عن تصميمه، ولا يتصور أنه سوف يسقط وينكر المسيح. ولكنه لو أصغى جيداً لما قاله يسوع وكانت عنده المعرفة الكافية بنفسه لكان قال: أشكرك يا رب لأنك صليت لأجلي، إني أشعر بضعفي، وإنني معرض للسقوط في أية لحظة فاسهر عليَّ وثبتني. بل بالعكس يؤكد ليسوع أنه مستعد للموت من أجله، إنه يتصور أنه كتلميذ ليسوع يمتلك السلطة والقدرة الكافيتين، ويمكن الاستناد إليه عند الأزمات والملمات، أو بتعبير آخر يعتقد أنه يمكن ليسوع الاعتماد عليه، بدل أن يعتمد هو على نعمة يسوع.

هنا تكمن أسباب السقوط عند بطرس، فالبشارة الحسنة هي عطاء الله الذي لا حدود له، وهي الخلاص الذي يهبه الله مجاناً للخاطئ، وطالما نتقبل هذا العطاء وقلبنا مفعم بالشكر والحمد، فنحن على طريق الإنجيل.

ولكن عندما، تبدأ نزعة الإدعاء والتملك بالسيطرة علينا، ونظن أنفسنا مصدراً للعطاء، معتمدين على قوتنا وجهودنا فإننا نحيد عن الطريق، كأننا نحن أسياد البشرى، أسياد الكنيسة، أسياد النشاطات المختلفة التي نقوم بها، وننسى أن الله مصدرها، ودورنا هو تقبّل النعمة ونقلها إلى الآخرين، نصبح أشخاصاً يستخدمون الإنجيل والنشاطات الرسولية في سبيل غايات ومنافع شخصية.

 لم يفهم بطرس كلام يسوع فلذلك يؤكد: سأكون مستعداً للدفاع عنك بالسيف، سوف أقاتل من أجلك، وامنع أعداءك من الاقتراب منك، وإن خذلك الجميع فلن أخذلك أنا. بالتأكيد ليس بطرس بالإنسان الجبان، ولكن خطأه هو اعتقاده أنه هو الذي سيخلص يسوع بدل أن يشعر أنه بحاجة إلى خلاص الرب.

في بستان الزيتون تتعمق أزمة بطرس، إذ يرى يسوع عرضة للخوف والضعف، وهو الذي اعتاد، على طريقة العهد القديم، أن يتصور الله إلهاً جباراً ينتصر في كل الحروب ويهزم أعداءه ويشتتهم. فلا يجد بطرس مخرجاً أو مهرباً من هذا المأزق سوى النوم. إنه لا يريد أن يرى الواقع المؤلم، إنه لا يفهم ماذا يجري.

إن ضعف يسوع يهدم عالم بطرس الخيالي وتصوره عن الله، لقد كان يتصور ملكوت الله انتقالاً من نصر إلى نصر، لذلك يقول ليسوع عند إعلانه عن آلامه للمرة الأولى: «لا يا رب إنه من غير الممكن أن يحصل لك ذلك، لأنك تمتلك قوة الله» (مر 8، 31-32). والآن يرى يسوع في ذروة الضعف البشري، فهل ترك الله يسوع؟

وبدأ بطرس أمام هذا الاكتشاف يستجمع قواه، فعندما جاء الجنود للقبض على يسوع راح يسأل: «يارب أنضرب بالسيف؟ وضرب أحدهم خادم عظيم الكهنة فقطه أذهن اليمنى.». بطرس يحاول للمرة الأخيرة أن يظهر بمظهر الإنسان البطل، الذي يريد أن يموت من أجل معلمه، ويهب حياته من أجله، ولكن مرة أخرى يتدخل يسوع ويطلب منهم عدم المقاومة، إنه يترك قوى الظلام تعمل وتقبض عليه: «ولكن هذه هي ساعتكم وهذا هو سلطان الظلام» (لو 22، 53).

لقد كان بطرس راغباً في القتال في سبيل المعلم، ولكنه يصاب بالإحباط عندما يرى معلمه مجرداً من السلاح، قابلاً أن تنتصر عليه قوى الظلام، ومن الممكن تصور درجة اليأس والانهيار التي أصابت بطرس، فإذا كان الله لا يظهر قوته ويتدخل لإنقاذ يسوع، فهل هو الصلاح والعدل والقوة؟ ومن هو هذا المعلم الذي آمن به؟

        يستسلم بطرس ليأس عميق، يجعلنا نفهم الأسباب التي أدّت إلى نكران معلمه، فلقد كان مستعداً للدفاع عنه، ولكن يسوع يمنعه عن ذلك، تاركاً الغلبة إلى قوى الظلام، وفي النهاية، بطرس ضائع ولا يعلم ما هو الموقف الذي عليه اتخاذه، ولا يفهم ما ذا يريد المعلم. فإن كان يريد عملاً شجاعاً فها نحن على استعداد، وإن كان يريد شيئاً آخر، فما له إلاَّ أن يُفهمنا؟

يستمر بطرس في إتباع المعلم، لأنه يحبه، ولكن عن بعد، وعندما يُطرح السؤال عن صحبته ليسوع ينكر: «وهذا أيضاً كان معه، فأنكر قال: يا امرأة إني لا أعرفه » (لو 22، 56-57). لنلاحظ التعبير معه، كان قد استعمله بطرس منذ قليل، يارب إني لعازم أن أمضي معك إلى السجن وإلى الموت. بطرس ينفي معرفة المسيح، لأن يسوع لم يعد ذاك الشخص الذي ظن أنه يعرفه، معلماً، قائداً، منتصراً، وصانعاً للمعجزات. يسوع الذي أسلم نفسه للآلام يختلف عن يسوع الذي عرفه.

        وفي المرّة الثانية يُسأل إذا كان ينتمي إلى جماعة يسوع: «أنت أيضاً منهم». ينكر بطرس ذلك. ينفي بطرس إذن معرفته ليسوع كما ينفي انتماءه لجماعة التلاميذ. وبعد ساعة يُطرح عليه السؤال للمرّة الثالثة: «ومضى نحو ساعة فقال آخر مؤكداً: حقاً، هذا أيضاً كان معه فهو جليليّ.» نلاحظ الإشارة إلى الفترة الزمنية، إشارة إلى المأساة الداخلية التي يمر بها بطرس، فعند الصعوبات نشعر ببطء الزمن ونحسبه بدقة، ويمكن أن نتصور مأساة بطرس على النحو التالي: فهو يتساءل في داخله: من أنا؟ وماذا أريد؟ ما هو معنى حياتي؟

لم فكرت في إتباع هذا الرجل، وما الذي دفعني إلى ذلك؟ لقد كنت أؤمن به وأريد الخير له، وكان عليه أن يقبل اقتراحي. يشعر بطرس بضياع شديد، مثلما يشعر كل إنسان. بذل الكثير في سبيل قضية فتحولت في النهاية إلى قضية خاسرة. وإجابة بطرس الثالثة، تعبر عن هذا الضياع: «يا رجل لا أدري ما تقول». هذه الجملة نراها أيضاً في رواية التجلي: «ولم يكن يدري ما يقول». كان يظن أن مفاتيح الملكوت بين يديه ويستطيع التصرف بها كما يشاء، أمّا الآن فهو لا يدري إن كان جليليّ أم لا.

        إن المحنة التي سمح يسوع أن يمر بها بطرس هي من أقصى المحن التي يتجاوزها الإنسان عندما بشك بكل ما يشكل معتقداته وتكوينه الديني: هل هذا هو الإله الذي آمنت به؟ هل تلك هي إرادة الله في حياتي أم أني أخطأت تماماً الطريق؟

وإن مرّ بطرس عبر هذه المحنة، فذلك من أجل الكنيسة كلها، لأجلنا جميعاً لأجل أن يثبتنا في الإيمان. لقد عاش هذه المحنة بصفته رأس الكنيسة، بصفته المبشّر الأول، وهو يعلم جيداً أن الإنسان لا يستطيع أن يصبح مبشراً ما لم يقبل مشروع الله الخلاصي، ويتخلى عن مشروعه الخاص به، «فإن أفكار الله غير أفكار البشر.»

        يمكننا أن نلخص ضياع بطرس بالطريقة التالية: كان يريد أن يُخلص يسوع ، ولكن يسوع هو الذي يُخلصه. كان عليه بالتالي أن يفهم أنه مدعو إلى الخلاص، مدعو إلى تقبل الغفران من يسوع، الذي يحمل في قلبه وديعة المصالحة والرحمة والرأفة.

وهذا أمر صعب على بطرس لأنه غالباً ما كان يريد أن يُظهر أمانته وإخلاصه وشجاعته وشهامته. لقد كان يريد أن يعمل أشياء كثيرة ليسوع، فعلى العكس من ذلك يفهمه الرب، بأنه يستطيع هو أيضاً أن يعرف الضياع التام، وإن أراد أن يكون تلميذاً مبشراً بيسوع، عليه أن يختبر أولاً رحمة الله اللامتناهية في حياته وفي حياة أخوته في الكنيسة.

        وبعد ذلك يذكر الإنجيل: «وبينما هو يتكلم إذا بديك يصيح». صياح الديك هو إصبع الاتهام الذي يقول له: انظر إلى أين وصلت، أنت الذي كان يظن أنه يمتلك الملكوت والإنجيل، أنت الذي حاول الدفاع عن المعلم. ويصعب تحمل مثل هذا الاتهام ما لم تلتقي نظرة يسوع المحبة بنظر بطرس.

فبعد هذه التجربة المرة، يمكنه الآن اكتشاف محبة الله، ويمكن القول أن الاختبار الإيماني الأساسي هو اكتشاف تلك المحبة المجانية اللامشروطة. ولكن ما هو الفارق بين خبرة بطرس عند لقائه الأول ليسوع، عندما اكتشف نفسه كإنسان خاطئ «تباعد عنّي يارب فإني رجل خاطئ» وبين اختباره الآن؟

        محبة الله جوهر الاختبار المسيحي:

        إن بطرس في كلا الحالتين يكتشف كونه خاطئاً، ولكن هناك فارق بين الموقفين، فعلى المركب أدرك الفرق الشاسع بين قدرة الله وبؤسه، واعترف بقداسة الله اللامتناهية، وكان يبدو له أنه بإمكانه أن يصبح شريكاُ لله في غفرانه وأن يتبع المسيح ويخدم الآخرين. ولكنه لم يكن يدرك أنه هو الذي يحتاج أولاً إلى رحمة الله وكلمته الخلاصية في حياته. لكن الرب يقوده إلى الموقف الذي يكتشف فيه حقيقته العميقة، وعندما تنهمر دموعه فلسان حاله يقول: «نعم يا رب، أنا أيضاً مسكين مثل باقي الناس، لم أكن أظن أنني قد أصل إلى ما وصلت إليه، إرحمني يا رب، فإنك سوف تموت من أجلي، وأنا يا رب قد خنتك، إنك تعطي حياتك لأجلي، وأنا لم أكن قادراً على السهر معك، وأنكرتك في ساعة المحنة».

        وأخيراً يفهم بطرس أن الإنجيل، البشرى الحسنة، هو الخلاص الذي يمنحه الله للإنسان الخاطئ، ويفهم بالتالي جوهر الله الحقيقي، فالله ليس القوة الجبّارة، والقاضي الذي يسجل هفوات الناس بكل دقة، فهو قبل كل شيء المحبة المعطاة، دون حواجز، إنه المحبة المجانية الصافية، التي لا تحكم ولا تدين، ولا تلوم بل تخلص. فنظرة يسوع لبطرس ليست نظرة ديّانة قاسية، إنها نظرة ملؤها المحبة، وكأن يسوع يقول له من خلال هذه النظرة: «يا بطرس إني احبك على الرغم من كل شيء، كنت عالماً بما أنت عليه، وكنت أحبك مع ذلك كله».

         ويمكن تلخيص ما سبق، أن بطرس يختبر في نهاية المطاف أمراً يبدو من أسهل الأمور وأصعبها على السواء. ألا وهو أن نستسلم لمحبة الله وندعه يحبنا. لقد كان بطرس يعتقد حتى الآن أن المبادرة بيده وأنه يسيطر على الأمور ويديرها، وأنه بإمكانه أن يقوم بأشياء كثيرة من أجل الله.

 ولكنه يفهم الآن العكس من ذلك، فالموقف الصحيح للإنسان أمام الله هو أن ندعه يخلصنا، أن ندعه يسامحنا، وهذا ما يظهر في إنجيل يوحنا في مشهد غسيل الأرجل: لن تغسل قدمي أبداً، أنا سوف أغسل لك رجليك وليس العكس. ما أصعب علينا أن نقول للآخرين شكراً على إحساناتهم لنا، أن نعيش وفق الإنجيل الذي يقتضي منا الشكر لله باستمرار على كل شيء ودون تردد، ونحن نعلم أنه يقبلنا بقوة رحمته وخلاصه.

        يختبر بطرس هذه الحقيقة الأساسية، وهذا ما يخوله أن يكون المبشر الأول، الذي يثبت أخوته بالإيمان. فبعد أن مر هو ذاته في محنة الإيمان الكبرى، إذ كان يريد أن يموت لأجل المسيح، أما الآن فإنه يفهم أن يسوع هو الذي يموت من أجله، وأن هذا الصليب الذي كان يريد أن يبعده عن الرب، هو علامة حب وخلاص، علامة بذل الذات من أجل أحبائه.

بهذا يقلب المسيح مفاهيمنا الدينية عن الله، فكل واحد منا يعتقد دائماً أن الله يتطلب منا أموراً كثيرة وأنه يلاحقنا ويحاسبنا. إنه يصعب على الإنسان تصور صورة الله الإنجيلية، الإله الخادم: فأنا بينكم كالذي يخدم. الله الذي يهب حياته، هذه الصورة التي تذكرنا بها كل يوم الافخارستيا: هذا هو جسدي، هذا هو دمي الذي يبذل من أجلكم. يسوع يقول لنا من خلال تجسده، أنني قبل أن أطلب منكم شيئاً، أسألكم أن تدعوا الله يحبكم حتى النهاية.

        هكذا توصل بطرس بعد مسيرة طويلة إلى اكتشاف البشرى الحقيقية. ألا وهي محبة الله وقوة رحمته ومغفرته، عندها فقط يمكنه أن يتحول إلى شاهد للمسيح. بطرس كان يدعي أنه التلميذ المخلص الذي لن يسقط أبداً: ولو عثروا بأجمعهم، فأنا لن أعثر، وأنه مستعد للتضحية بحياته في سبيل يسوع: فقال له بطرس: لماذا لا أستطيع أن أتبعك الآن؟

لأبذل نفسي في سبيلك (يو 12، 27). ولكنه يكتشف في النهاية أنه بحاجة على صلاة يسوع كي لا يفقد إيمانه: ولكني دعوت لك ألا تفقد إيمانك. وبعد هذه المحنة يستطيع أن يثبت إيمان إخوته، ويرعى خراف يسوع بعد اختباره لسقوطه ولمدى محبة يسوع ومغفرته: وأنت ثبت إخوانك متى رجعت.

        لقد أصبح بطرس يدرك الآن جوهر رسالة الإنجيل، ويمكنه بعد هذا الإعداد والتهيئة الطويلة، أن يصبح مبشراً بيسوع. والشيء الوحيد الذي يسأل عنه هو محبته ليسوع، فالرسالة الحقيقة لا تقوم على كثرة الأعمال والنشاطات بل تنبع من المحبة. فكل ما يطلبه يسوع من بطرس قبل أن يسلمه خرافه هو يا سمعان بن يونا أتحبني؟

سؤال يكرره يسوع ثلاث مرات لكي يمحو أثار النكران الثلاثي، إنه لا يجرؤ بعد الآن أن يقول إنه يحب يسوع أكثر من بقية التلاميذ، ولكن من أدرك عمق خطيئته وعمق المسامحة والمغفرة يستطيع أن يحب كثيراً، مسلماً حياته للمحبوب ليمضي به حيث يشاء، عندها يصبح العطاء والتضحية تعبيرين عن هذا الحب.

        فبين اللقاء الأول على ضفاف بحيرة جناسرت واللقاء الأخير بين يسوع القائم من بين الأموات وبطرس، تتجلى مراحل المسيرة الإيمانية، فقد تخلى بطرس عن كثير من الأوهام عن نفسه، وأدرك إلى أي مدى يمكنه السقوط، وبذات الوقت اختبر أقصى مجانية الحب الإلهي الذي لا يعرف الحدود. أما يسوع فقد كشف عن مدى قوة مغفرته، وعما يمكنه أن يصنع من خاطئ مُسامح. فرعية المسيح تستطيع أن تنمو وتتغذى من هذا الاختبار الإيماني المزدوج.

        إن جوهر الإنجيل هو اكتشاف حب الله لنا، ويأتي إلى لقائنا برحمته بالرغم من كل ضعفنا ونقصنا وخطايانا. هذه المحبة اللامتناهية تحرر فينا كل طاقات الحب، وتولد فينا القوة العزيمة للالتزام والخدمة في حقل الرب. فإذا كان الله قد افتدانا بدم ابنه الثمين فمن ذا الذي يفصلنا عن حبه. ولكن ما هو جواب بطرس وكل إنسان على تلك المحبة؟ أليس الجواب على الحب هو الحب الذي يرسلنا إلى إخوتنا البشر؟ فبطرس لم يكن يستطيع الإجابة على سؤال المسيح: يا سمعان ابن يونا أتحبني؟ ما لم يكن قد اختبر هذا الحب القادر على الانتصار على كل أشكال الموت بما فيه نكران بطرس، ولكن المحبة الحقيقية ليسوع يجب أن تُترجم بالرسالة نحو إخوتنا البشر: إرع خرافي.

 ولكن المحبة الناضجة التي مرت عبر اختبارات المختلفة تكون قد تحررت من نزعة التملك للآخر وتصبح على العكس من ذلك: التوقف عن امتلاك الذات وتسليمها إلى المحبوب. فالحب لا يبقى سيد ذاته بل يصبح ملكاً للآخر: الحق الحق أقول لك لما كنت شاباً، كنت تشد الزنار بنفسك وتسير إلى حيث تشاء، فإذا صرت شيخاً بسطت يريد وشد غيرك الزنار لك ومضى بك إلى حيث لا تشاء. هذا هو مصير الحب. فلنسأل الله أن يهبنا النعمة لنفهم ذلك ونختبره ونبشر به بحياتنا وأقوالنا.

جديد الموقع
أسئلة وأجوبة
أُصبتُ بحالة فصام منذ أربع سنين واليوم تحسنتُ وزالت الأوهام لكنّ مستواي الدراسي قد تراجع وأصبحت أعاني من الدراسة وأخاف أن أستنفذ سنواتي الجامعية وألا أتخرّج.

مع الأسف العلاج الوحيد هو دوائي ضروري مراجعة الطبيب بهذا الخصوص.

مكتوب بسفر الخروج فاني اجتاز في ارض مصر هذه الليلة و اضرب كل بكر في ارض مصر من الناس و البهائم و اصنع أحكاما بكل الهه المصريين أنا الرب ..وهذا يعني أن الله قاتل وهذا يتناقض مع تعاليم الإنجيل..ونحن بالكنيسة بعد القراءة نقول كلام الرب..يعني الكنيسة تؤمن أن

لا يمكن قراءة أي نص في العالم وبشكل خاص الكتاب المقدس قراءة حرفية فهي تقودنا دائماً إلى طريق مسدود. وبالتالي علينا الذهاب إلى ما رواء الكلمات، إلى الرسالة التي يريد النص إيصالها لنا. بالمقابل، شعب العهد القديم، مثلنا نحن، تصور الله على صورته كمثاله بينما