header logo
وُلِدتُ دُونَ أن أطلُبَ، وسَأمُوتُ دُونَ أن أُريد، فَدَعُوني أَعيشُ حَياتي كَما أَرغَبْ

مفهوم الأسرار في الكنيسة الجزء الخامس

 

ΙΙ. 4 السر هو رمز: سبق وقلنا أن الحضارة هي جملة من الأنظمة الرمزية. على هذا الصعيد، يبني المسيحي ذاته ضمن مجموعة، مجتمع رمزي: الكنيسة جماعة المؤمنين. فأن يكون الإنسان مسحي، هذا يعني الدخول في عالم منظم بقوانين وبتقاليد، بالحقوق والعقائد: عالم يعبّر عن ذاته من خلال لغة، وأبنية، وأعياد واحتفالات، الخ. فالرمز على هذا الصعيد، هو بمثابة الوتر لكل ما سبق وقلناه بخصوص الأسرار.

 

       ولكن الأسرار تبدو لنا على أنها لقاء الرمز، الواقع الإنساني الأساسي، مع الكلمة المسيحية بما فيها من مرجعية خاصة بها: عطاء الله بيسوع المسيح. ففي العماد، التغطيس بالماء يستعمل رمزية الماء بشكل عام. فالماء، أم الحياة، تنظف وتجدد وتطهر، ولكن، كما يقول القديس اغسطينس، الكلمة هي التي تظهر.

        فإذا ألغينا الكلمة، فما هي الماء سوى ماء. والكلمة تُضاف إلى العنصر وهذا الأخير يصبح سر كما لو أنه كلمة مرئية. «إنكم دفنتم معه بالمعمودية وبها أيضاً أُقمتم معه» (كول 2، 12).

       الماء بالنسبة للمسيحي ليست فقط الحياة أو الطهارة. إنها قبل كل شيء ماء الروح. روح الخلق الأولى، الطوفان، البحر الأحمر، ماء الصخرة في صحراء الأردن. الماء الذي خرج من جنب المسيح على الصليب. ماء وروح الخلق الجديد. الخبز والخمر، المائدة المشتركة. هي مَنّ الصحراء وإيليا النبي في جبل حوريب، تكثير الخبز، خبز الحياة، العشاء الأخير.

       عندما وجد كل من الخبز والخمر مكانهما في الافخارستيا، كان معناها الإنساني قد تطور وعبر بمراحل عديدة.

 

       على الصعيد الأول: كثمر الأرض وعمل الإنسان، الخبز والخمر يرمزون إلى تملك الإنسان للكون. فالإنسان كما نعلم، انطلاقاً من هذه العناصر البسيطة جداً طور غذائه، فجعل منهم غذاء إنساني. بفضل التقدم العلمي والتقني، هذا التقدم هو في الوقت نفسه عملية تملك بمعنى إدخال واقع ما إلى واقعي الشخصي.

        بهذا المعنى لم يعد الخبز والخمر عبارة عن منتج طبيعي، بل منتوج حضاري حصيلة عمل إنساني يعطي معنى للأمور وللأشياء. فالخبز كنموذج للغذاء الذي يعطي طاقة للإنسان، غذاء ينتجه الإنسان، يتحول إلى صورة للحياة. والنبيذ كنموذج للشرب والاحتفال العادي، يتحول إلى صورة للفرح.

       ملاحظة مهمة: هنا مثلاً نحن على صعيد الخيال أو المخيلة.

 

       على الصعيد الثاني: المائدة المشتركة، أن يأكل الإنسان ويشرب بشكل جماعي ــــ وهذا الأمر له بحد ذاته قيمة محض بيولوجية ــــ تتحول بدورها إلى تعبير عن التضامن الأخوي، حميمية العلاقات الشخصية، تصديق أو الموافقة على اتفاق وعهد، خاتم الصداقة.

       ملاحظة: هنا نحن على الصعيد الرمزي، وعلى هذا الصعيد نجد استعمال الخبز والخمر في العديد من الأديان.

 

       على الصعيد المسيحي: في المائدة الفصحية، المشاركة في الخبز والخمر له معنى خاص جداً ومتعلق بالدث الأساسي: الخروج من مصر. والمسيح لم يستعمل أي خبز ولا أي خمر لكي يحتفل مع تلاميذه بعطاء ذاته حباً بأخوته البشر وبأبيه السماوي. إنه يقوم بعمل له علاقة مع كلية تاريخ الخلاص وبعلاقة مع الطقوس الفصحية.

       بهذا المعنى يأخذ خبز الفطير الفصحي الذي يذكر بالخروج من مصر، من أرض العبودية إلى أرض الحرية. رمز حياة الإنسان التي تنتهي بالموت.

       الخمر يرمز إلى شيء آخر تماماً. إنه يرتبط عملياً بالدخول إلى أرض الميعاد. رمز ملء الحياة. ويسوع يقول «لن أشرب بعد الآن من عصير الكرمة هذا حتى ذلك اليوم الذي أشرب فيه معكم جديداً في ملكوت أبي».

       هذه الرمزية الجديدة، إذا كانت متأصلة في معنى أولي، فإنها تتجاوزه ومن بعيد. فالرمزية الأساسية (الماء، المائدة) ينقلون معنى آخر، معنى آتٍ من تاريخ الخلاص، وبشكل خاص من سر الفصح. هذا يعود إلى أهمية الكلمة التي وحدها، تستطيع الكشف عن غنى وعمق الرمز. فالرمز بحد ذاته ليس مرتبطاً بالماضي، بالتاريخ: في الأسرار ما هو إلاَّ الخلفية التي يظهر عليها الوجه الحقيقي للسر.

              مهما كانت أهمية الكلمة في السر، علينا أن لا ننسى بأن هذا الأخير ليس بخطاب أو بموعظة، بل عمل من نوع حاص جداً. عمل رمزي، يمكننا القول بأن الرمز يحتوي على قوة بمقدار ما يكون محمّلاً بنقل التاريخ والتقليد. وبقدر ما يمد جذوره في أعماق اللاوعي الشخصي والجماعي. فقط العمل بإمكانه تأمين هذين العاملين.

جديد الموقع
أسئلة وأجوبة
كيفة يسمى sوnمغناطيسي

عذرا لم أفهم السؤال

في انجيل متى مكتوب ان النسوة امسكت قدمي يسوعوإِذا يسوعُ قد جاءَ لِلِقائِهما، فقالَ لهما: «السَّلامُ علَيكُما!» فتَقَدَّمَتا وأَمسَكَتا قَدَمَيه ساجِدَتَينِ له.اما في انجيل يوحنا منعها يسوع من ان تمسكه فقالَ لها يسوع: «لا تُمسِكيني، إِنِّي لم أَصعَدْ
  • هذا يعني أن كل إنجيلي يريد التركيز على نقطة معينة. بالنسبة لمتى إنه هو المصلوب وقد قام. بالنسبة ليوحنا القائم من بين الموات لم يعد خاضع للزمان والمكان فلا يمكن الامساك به