header logo
يُمكِننا الحُصول عَلى أيِّ شَيء إذا كُنّا مُستَعدِّين لِمُساعَدة الآخرينَ للحُصولِ عَلى ما يُريدونَه

مفهوم الأسرار في الكنيسة الجزء السادس

 

III. الطقوس والإنسان:

       لاشك أننا إذا فكرنا قليلاً فإننا نتفاجئ عندما نكتشف إلى أي حد حياتنا مملؤة طقوس. ونتفاجئ أكثر عندما يتوضح كيف أن الإنسان  لا يمكنه أن يعيش بدون طقوس. طريقة اللباس، تحضير المائدة، الاحتفال بالأعياد، كلها قد نعتبرها على أنها مجرد عادات أو تقاليد. في الواقع، في العديد من الحالات، نحن أمام شيء أهم بكثير، وبدونه لا يمكننا أن نعيش كبشر، بدونه لا يمكننا أن نكتشف هويتنا ولا أن نحقق اندماجنا بالمجتمع.

       III. 1 ما هو الطقس؟ «الطقس هو عمل اجتماعي رمزي، مبرمج وتكراري، يتم من خلاله تعريف الفرد في المجتمع وتعريف الفئة الاجتماعية في المجتمع العام» (R. Didier).

عمل اجتماعي: الطقس هو قبل كل شيء عمل اجتماعي. أشخاص متنوعة تلعب أدوار مختلف ومكملة بعضها لبعض. فالطقس إذن نشاط اجتماعي حيث كل فرد يجد مكانه فيه. ليس بنشاط مجاني كاللعب مثلاً. على خلاف المشهد، الطقس يدعو لعلاقة، للاتصال بين المشاركين. ليس له هدف إنتاجي مباشر كالعمل.

 

       رمزي: في الطقس كل شيء رمزي بالمعنى الواسع للكلمة: الفاعلين، أعمالهم، الأشياء المستعملة، الخ. زجاجة المشروب، قالب الكاتو، جرس الكنيسة، كلها تتبع إلى عالم خاص من المعاني، حيث يدخل كل الفاعلين وبالتالي يتم الاتصال بين بع      هم البعض.

       مبرمج وتكراري: كل طقس يتطلب بعض التحديدات المسبقة. لا وجود لطقس دون شعائر، فرائض. عند القيام بطقس ما نعرف مسبقاً ماذا سيحدث، لأنه سبق أن احتفلنا به وسوف نحتفل به لاحقاً. فالطقس يتعارض مع العفوية الصافية، كما مع الإبداع، حتى ولو كان لا بد من القليل من الإبداع لكي يكون الطقس متأقلم مع الواقع.

 

       يتم من خلاله تعريف الهوية: علماء الاجتماع لا يوالون يؤكدون على أن الإنسان لا يجد هويته، لا يثبتها إلاَّ من خلال عدد من التصورات، والوساطات منها الرمز والطقس. مثلاً بعض أنواع الموسيقى، الموسيقى العنيفة والقوية، بعض أماكن لقاء وتواجد الشباب.

       بالطبع من الممكن أن يتحول الطقس إلى مجرد تكرار عفوي، وبالتالي قد يتحول إلى شيء من الهروب إلى الماضي والحنين إليه. ولكن بالرغم من ذلك، يبقى للطقس مكانة مهمة في حياة الإنسان وفي تاريخه. فلكي نفهم هذه الأهمية علينا أن نرى أية علاقة للطقس مع الزمن.

 

       III. 2 الطقس والزمن:

 

التقاليد والإبداع: البعض يعتقد أنه لا بد من الاختيار بين التقاليد والإبداع، وأنه لا بد من القطع الجذري مع التقاليد إذا كنّا نريد الحصول على مستقبل ما. فالتفكير والتاريخ يُظهران جيداً أننا لسنا مرغمين على هذا النوع من الاختيار لا بل بالعكس. فالوردة لا تنبت إلاَّ انطلاقاً من جذورها.

        فإذا كان من الممكن للإنسان أن يتجذر في ماضيه لدرجة التعلق الغير سليم، فإنه من الممكن أيضاً أن يجف بدأ من الجذور إذا انقطع عنها كلية. فلا وجود للإنسان بدون لغة، بدون طفولة، بدون عائلة، بمعنى آخر، لا وجود للإنسان بدون حضارة. فالحياة البشرية مهددة بكل لحظة بخطر ظهور المفاجئات، وعدم التناغم، والعشوائية والفوضى.

        حتى إمكانية الاستقبال والتجديد في حياة الفرد أو في حياة الجماعة. هذه الإمكانية تبقى مرتبطة بجدية تجذره؟ فالطقس يجد مكانه على هذه الحدود الدقيقة والخطيرة بين الماضي والإبداع. إنه الإعلان العملي لشيء من الاستمرارية.

 

القوة في الحاضر: للطقوس وظيفة أخرى: إنهم يختصرون، يلخصون ويوحدون وبالتالي يعطون قوة أكبر ومعنى أعمق للحاضر في الواقع. بغض النظر عن الأبعاد النفسية الجزئية العائدة لتنوع الفاعلين في الطقوس (العائلة، العمل، الصداقات، الخ)، الأنا العميقة تسعى لتقول ذاتها، لكي تظهر من خلال الطقوس.

        مثلاً عيد زواج لزوج متحابب، مع الهدايا والورود، المائدة المزينة، الخ. أو عيد وطني مع كل الاستعراضات التي ترافقه: هذه الطقوس هي محاولات رمزية للتعبير عمّا يجول في الأعماق والذي لا يستطيع التعبير عن ذاته بسبب الروتين اليومي والهموم اليومية.

       دون شك الحدس أو الشعور المسبق الفَرِح بأن ما هو أكثر حقيقية وعمقاً يسعى لكي يظهر من خلال الطقوس. هذا الشعور المسبق، هذا الحدس يجعل الطقوس تتحول إلى أعياد فيما إذا كانت تُعاش بشكل حقيقي وصادق. والسؤال: إلى أي حد الأسرار في الكنيسة هي طقوس؟

 

       III. 3 اصنعوا هذا لذكري: الأسرار هي عمل اجتماعي. كل سر من الأسرار يحتوي على أشخاص بأدوار مختلفة، كل واحد له مكانه، بالإضافة إلى حوار. إنه بالفعل عمل اجتماعي، ولكن الاطار الاجتماعي الذي يرتبط فيه السر هو اطار من نوع خاص جداً.

        ما وراء المجموعة الصغيرة التي تحتقل بالسر، هذا الأخير يرسلنا إلى مرجع أساسي وهو الجماعة المؤمنة، الكنيسة، من خلال الجماعة المحلية، فالكنيسة في كل مكان ومنذ البدء حاضرة في الاحتفال بالسر.

       السر مبرمج وتكراري. يفترض وجود شعائر وبنية داخلية ثابتة ومحددة. إنه يشكل وحدة منظمة من عناصر مختلفة. لا يمكن أن يُقام السر من قبل أي كان ولا في أية ظروف كانت. هذه الناحية المبرمجة والتكرارية للسر، تعود لكونه ذكرى لحدث الخلاص وبالتالي هو في موقع التقليد.

        من خلال الطقوس والسرار ترتبط الجماعة المؤمنة بالأحداث التأسيسية، بأصولها. كل الأسرار هي تحت شعار موت وقيامة المسيح. هذه المرجعية لنقطة محددة، الاهتمام بالعودة إلى الأصل حيث يوجد الأساس، يؤدي إلى اعتناء متطرف للأمانة لهذا التقليد الذي يعيد الزمن.

        نعمل كما عمل المسيح، نقول كما قال المسيح. نعمل كالقدماء. هذا الاهتمام في التجذر، في التقليد، في سر هو ذكرى، يمن أن يقود إلى شيء من التحجر والعيش في الآثار. مع العلم أن التاريخ يبين لنا لأن الرغبة في التطابق مع الأصل تصحبها دائماً الإرادة في تأوين هذا الأصل.

         فهناك دائماً تعلق في الأشكال التي تأتي من القدماء، وفي الوقت نفسه، هناد دائماً تنوع قد يذهب في بعض الأحيان إلى قلب الرمز والطقوس.

       هذا التعلق بالأصل يهدف فقط إلى التأكد من تأوين العمل الخلاصي. فبالأسرار ومن خلال الأسرار يلتحق المسيحي بتاريخ المسيح الذي تم تأوينه، تاريخ أني من جديد. بهذا المعنى الأسرار هي فترات يعيش فيها المسيحي ويعبر عن اللقاء مع الحيّ.

 

       III. 4 أقوال وكلمات: لا يوجد في المسيحية نوعين من الكلام المقدس. من جهة الكلام الذي يريد أن يقول شيء ما لكي يتم سماعه وفهمه، ومن جهة أخرى، الكلمات التي تعود أهميتها فقط لمجرد أن تُقال. هذا الكلام مرتبط بهذا أو ذاك الطقس لكي يكون الطقس صحيحاً أو ساري المفعول. للأسف، في أغلب الأحيان نعتقد أن الأسرار تعمل بطريقة إلى حد ما سحرية.

       فالأسرار تتوجه إلى جماعة المؤمنين الذين وصلوا إلى الإيمان بفعل كلمة الله. ولكن الأسرار، كما نعلم، تحتوي على كلام أسراري كعنصر أساسي. ومن المهم أن نفهم مكانته الأصلية. فما هو هذا الكلام وما هي مكانته، وكيف يمكننا فهمه؟

       إنها كلمات مرتبطة بعمل، بحركة يقوم بها الكاهن. هذا الأخير يقوم بهذا العمل باسم المسيح والكنيسة وليس باسمه الشخصي. من خلال هذا العمل يقوم الكاهن بما قام به المسيح، لا بل أكثر من ذلك، فالإنسان المسيحي يقول لنا ــــ منذ كتابة العهد الجديد ــــ بأن المسيح هو الذي يقوم بهذا العمل من خلال الكاهن.

       فالكلام الأسراري يزهر لنا كقمة الكشف الذي يقوم به المسيح ـــــ الحاضر دائماً في كنيسته ـــــ لكنيسته بخصوص سره الشخصي.  يمكننا القول أنه عندما يحي المسيح فينا الإيمان، ينور إيماننا بعطائه لنا إمكانية معرفته والاعتراف به ككلمة حياة. يمكننا القول بأن هذه الكلمة هي الكلمة القاطعة. في كل الأحوال الكلام الأسراري يعتبر كاستمرارية لعمل التبشير:« كلما أكلتم من هذا الخبز، وشربتم من هذه الكأس، تعلنون موت الرب إلى أن يأتي» (1 قور 11، 26).

       فالأسرار المسيحية ليست تكراراً لكلمة تُقال، بل لكلمة تتكلم اليوم والآن: «الكلام الذي كلمتكم به روح وحياة» (يو 6، 63). في النهاية نقول بأن حضور الروح القدس في الجماعة المؤمنة، في قلب الإنسان المسيحي، هو الذي يسمح للأسرار الكنسية أن تتجاوز حدود الرمز والطقوس كما تدرسهم وتحللهم العلو الإنسانية. وذلك لكي يعطيهم إمكانية تحقيق ما يعبّرون عنه.

جديد الموقع
أسئلة وأجوبة
أُصبتُ بحالة فصام منذ أربع سنين واليوم تحسنتُ وزالت الأوهام لكنّ مستواي الدراسي قد تراجع وأصبحت أعاني من الدراسة وأخاف أن أستنفذ سنواتي الجامعية وألا أتخرّج.

مع الأسف العلاج الوحيد هو دوائي ضروري مراجعة الطبيب بهذا الخصوص.

مكتوب بسفر الخروج فاني اجتاز في ارض مصر هذه الليلة و اضرب كل بكر في ارض مصر من الناس و البهائم و اصنع أحكاما بكل الهه المصريين أنا الرب ..وهذا يعني أن الله قاتل وهذا يتناقض مع تعاليم الإنجيل..ونحن بالكنيسة بعد القراءة نقول كلام الرب..يعني الكنيسة تؤمن أن

لا يمكن قراءة أي نص في العالم وبشكل خاص الكتاب المقدس قراءة حرفية فهي تقودنا دائماً إلى طريق مسدود. وبالتالي علينا الذهاب إلى ما رواء الكلمات، إلى الرسالة التي يريد النص إيصالها لنا. بالمقابل، شعب العهد القديم، مثلنا نحن، تصور الله على صورته كمثاله بينما