header logo
لَسنا بِحاجَة للاِندِفَاع إذا كَانَ هُناكَ شَيءٌ سَيَحصَل

من اللقاء التربوي إلى الشكر

لكي نستطيع التحدث عن الموضوع لا بدّ من كلمة سريعة عن الواقع الحالي للكنيسة بشكل عام وللتربية المسيحية بشكل خاص. كلنا نعلم أنه، ولأسباب عديدة نجهل منها الكثير، لم يعد شباب اليوم وحتى الصغار منهم، يهتمون للإيمان المسيحي.

المجتمع السوري انفتح كثيراً على تطورات العصر وأصبحت اهتمامات أطفالنا وشباننا تتمحور حول هذه التطورات: وسائل الاتصال، الأنترنت، الموبايل، الخ، ممّا يدفع بهم باتجاه

فردية عالية وقوية حيث لم تعد للعلاقات الأهمية التي اعتدنا عليها، أو المفترض بها أن تكون.

والأسواء، برأيي المتواضع، هو أن هذه الوسائل تجعل مستخدميها يعتبرون العالم الافتراضي الذي تُدخلهم فيه، يعتبرونه على أنه العالم الحقيقي. وبالتالي الحاجة لوجود الآخر واقعياً أصبحت ضعيفة جداً.

وكما تقول النكتة: «إحدى الدلائل على أنك تعيش في القرن الحالي هو عندما تريد التحدث مع من يعمل معك في نفس المكتب، ترسل له إيميل أو واتساب». واليوم، كثير من الأطفال، وهذا يؤلم الأهل، يرفضون باكراً، الذهاب إلى الكنيسة لأنها لا تعني لهم شيئاً.

يمكننا التحدث مع الشباب عن كل المواضيع ما عدا الإيمان المسيحي أو الكتاب المقدس. من المؤكد أن هناك شيء من اللامبالاة الدينية لديهم، إن صح التعبير. وهذا يطرح سؤال خطير ومهم: ماذا أعطينا لهؤلاء الشباب خلال سنوات تواجدهم معنا في مختلف الأنشطة الكنسية؟؟ لو قمنا، وأتمنى تحقيق ذلك يوماً ما، بإحصاء عدد الأطفال الذين يترددون على التعليم المسيحي، لاكتشفنا بأن النسبة قليلة جداً.

وعلينا أن لا ننسى بأن عدداً منهم يذهب مباشرة إلى الأنشطة الأخرى في الكنيسة كالكشاف وغيها بالرغم من الاتفاق المُبرم مع الأساقفة بمنع استقبال الأطفال بالأنشطة الأخرى قبل الصف الخامس، أي بعد المناولة الأولى أو الاحتفالية.

إذا كان الواقع هكذا، فما هي مسؤوليتنا اتجاهه؟ أولاً، ولكي نبقى، قدر المستطاع، موضوعيين، علينا الاعتراف بمسؤوليتنا أيضاً أتجاه هذا الواقع. أي أننا مسؤولين ولو جزئياً عن الوضع الذي وصلنا إليه.

بشكل عام التربية المسيحية، مواعظنا نحن الكهنة، طريقة وأسلوب تقديم الإيمان والتحدث عنه، قراءتنا ومفهومنا للكتاب المقدس، لا يمس واقع الناس بشكل عام، والشباب والأطفال بشكل خاص. وهذه هي إحدى أسباب انجذاب الأطفال والشباب إلى النشاطات الأخرى في الكنيسة.

غالباً نبقى على صعيد المثالية واللازم: لازم نحب، لازم نضحي، لازم نحب أهلنا ونحترم الآخرين، الخ. ولكن نادراً ما نتساءل لماذا لا نحب، لماذا من الصعب علينا أن نحب؟ ما الذي يمنعنا من احترام الآخرين وقبول اختلافهم عنّا.  

بمعنى آخر، نميل للتعامل مع التربية المسيحية والإيمان والكتاب المقدس، كتعاليم، دروس، وفي الكثير من الأحيان دروس أخلاق. كم وكم من المرّات نسمع عبارة عيش الإنجيل أو تطبيق الإنجيل، كما لو أنه كتاب شريعة.

وعندما نرى أنفسنا أمام نصوص صادمة من الإنجيل نرتبك ونتلعثم!! مثلاً إن كانت عينك، يدك، رجلك، سبب عثرة فاقلعها. أو اِتَّخِذوا لكم أَصدِقاءَ بِالمالِ الحَرام. إذا كان على التربية المسيحية أن لا تكون مجرد تعليم، والكتاب المقدس ليس كتاب أخلاق، فما هي إذن التربية المسيحية؟ ما هو هدفها؟ لماذا نقوم بهذه المهمة؟

أسئلة قد تبدو لكم غريبة أو بديهية، لكنها، برأي، تصب في صميم علمنا، وعلينا مواجهتها، إن أردنا أن نقوم به بالشكل الأفضل.

بالشكل العام وبخطوطه العريضة، التربية المسيحية هي عمل حيوي للكنيسة وتشارك في إعلان البشرى السارّة للجميع. فما هي ميزاتها؟ ما هي خصوصيتها؟ كيف يمكن تحديدها؟ أصل الكلمة يوناني «كاتيكِيو catekeo» تعني ترداد الصدى، صوت، كلمة تصدو من وادي إلى آخر تعبر المسافات بفضل قوة من يلفظها ولكن أيضاً بفضل الريح الذي يسمح بانتشار الموجات الصوتية.

والريح في الكتاب المقدس يرمز، كما نعلم، للروح القدس، الريح الذي يسمح لهذه الكلمة بأن تلتحق بالآخرين، أن تجتاز العقبات والمسافات بشكل أكبر بكثير ممّا نتخيل. ما يحي التربية المسيحية إذن هو اللقاء بين صدى كلمة الله وحياتنا الواقعية اليومية. وذلك لكون الكتاب المقدس هو حياة، لا بل أكثر من ذلك هو مرآة تكشف لنا حقيقة حياتنا وتحدد مكاننا من هذه الحقيقة.

فاللقاء التربوي المسيحي هو لقاء مع هذه الكلمة الحيّة بيننا وفينا. إنه خبرة علينا، من جهة أن نتشارك بخبراتنا أمام هذه الكلمة التي هي الكتاب المقدس. بهذه الطريقة يصبح اللقاء التربوي المسيحي لقاء حياة، وهذه الحياة تصبح، من لقاء إلى آخر، مسيرة حياة مسيحية.

ومن جهة أخرى، عندما نقول مسيرة نقول صعود وهبوط، تقدم وتراجع، فنكتشف أن الإيمان المسيحي ليس مجرد عقائد نتعلمها، بل حياة مدعوة للنمو من خلال الصعوبات والأزمات.

والبابا فرنسيس في إرشاده الرسول «فرح الإنجيل» يقول: «في التربية المسيحية أيضاً، الإعلان الأول أو قانون الإيمان الأول له دور أساسي وعليه أن يكون في مركز العمل التبشيري وكل مسعى للتجديد الكنسي. على فم المربي المسيحي يتردد دائماً قانون الإيمان الأول: يسوع يحبك، أعطى حياته ليخلّصك، والآن هو حيٌّ إلى جانبك كل يوم لينيرك ويقويك ويحررك».

اللقاء التربوي المسيحي مدعو ليتمحور حول هذه الخبرة الأساسية التي خارجاً عنها نبقى في مجال التنظير الذي لا فائدة منه ولا يحمل لنا جديداً. كم هو بعيد هذا الكلام عمّا اعتدنا عليه في التربية المسيحية. جميعنا نقول ونعلن إيماننا بحب الله لنا.

جميل هذا الكلام! لكن هل حاولنا أن نتبادل خبراتنا حول حب الله لنا؟ عادة نقول أن الله يحبني لأنه مثلاً وقع لي حادث كان يجب أن أموت ولم أموت. هذا الكلام هو مجرد تنظير، كلام حفظناه من التربية المسيحية!!

فهدف التربية المسيحية إذن هو وضع المربين والذين يشاركون في اللقاء ليس فقط على علاقة إنما باتحاد وحميمية مع المسيح الوحيد القادر أن يقودنا إلى حب الآب في الروح ويجعلنا نشترك بحياة الثالوث.

عندما نعيش اللقاء بهذه الطريقة يكون له بعض الانعكاسات المهمة: أولاً تبادل الخبرات يخرجنا من المثالية التي تشلنا، ويجعلنا نقبل الواقع بكل ما فيه من غنى وفقر، وحلو ومر، ونكون فاعلين فيه.

نقبل بأن المسيح لا يتعامل معنا بطريق سحرية «قم واحمل فراشك وامشي» يقول يسوع للمخلع. لم يحرره من الفراش الذي يرمز لكل ما كان يشله، إنما بين له أنه مع المسيح لم يعد هذا الفراش سبب شلل له، بل أصبح قادراً على حمله على كتفيه ومتابعة المسيرة.

ثانياً، هذا اللقاء مع المسيح ــــ الكلمة الحيّ بيننا يُخرجنا من ذاتنا للقاء الآخرين والانفتاح عليهم، لنحبهم ونحترمهم، وخاصة نحترمهم باختلافهم عنّا. يدفعنا باتجاه من هم بحاجة إلينا وخاصة الصغار والفقراء، ويجعلنا نعيش روح الخدمة، أفضل تعبير عن الحب.

والبابا فرنسيس، منذ لحظة اختياره أعلن بأن «الكنيسة اختارت الفقراء، كشكل خاص لأولوية في ممارسة المحبة المسيحية التي يشهد لها كل تقليد الكنيسة... لهذا السبب، أرغب بكنيسة فقيرة من أجل الفقراء. إن لديهم الكثير ليعلمونا إياه».

ثالثاً، إذا تم اللقاء التربوي بهذه الطريقة تنطلق منّا عفوياً صلاة الشكر عن هذا اللقاء، عن كل ما يعطينا إياه الله. شكر على كل الأشخاص الذين يضعهم على طريقنا، شكر على الانفتاح الذي يحققه فينا ومن خلالنا، شكر على كل الخبرات التي تشاركنا بها، الخ.

وبالتالي صلاة الشكر هذه من المفضل أن تأتي إلى حد ما بشكل عفوي، أي أن المربي عندما يشعر بأن اللقاء، بالمعنى الذي تحدثت عنه، قد بلغ ذروته، بإمكانه دعوة المشاركين لرفع صلاة الشكر. هذا يعني أن هذه الصلاة ليست بالضرورة ختام اللقاء. من الممكن أن نختم اللقاء بصلاة محفوظة، مثل الأبانا أو السلام أو.... لكن صلاة الشكر عليها هي أن تحدد مكانها إن صح التعبير.

بدون شك، ذروة صلاة الشكر هي الإفخارستيا، القداس حيث نشكر الله، ليس فقط على ما أعطانا ويعطينا، ليس فقط على حبه لنا، إنما نشكره حتى وبشكل خاص على ما وعدنا به ولم يتم بعد (خلاصنا وقيامتنا، الخ)، وهذا ما نسميه بالرجاء. فجوهر ومصدر صلاة الشكر يبقى بدون شك الرجاء. فلنعيش معاً، بشكل خاص اليوم، هذا الرجاء.

جديد الموقع
أسئلة وأجوبة
كيفة يسمى sوnمغناطيسي

عذرا لم أفهم السؤال

في انجيل متى مكتوب ان النسوة امسكت قدمي يسوعوإِذا يسوعُ قد جاءَ لِلِقائِهما، فقالَ لهما: «السَّلامُ علَيكُما!» فتَقَدَّمَتا وأَمسَكَتا قَدَمَيه ساجِدَتَينِ له.اما في انجيل يوحنا منعها يسوع من ان تمسكه فقالَ لها يسوع: «لا تُمسِكيني، إِنِّي لم أَصعَدْ
  • هذا يعني أن كل إنجيلي يريد التركيز على نقطة معينة. بالنسبة لمتى إنه هو المصلوب وقد قام. بالنسبة ليوحنا القائم من بين الموات لم يعد خاضع للزمان والمكان فلا يمكن الامساك به