header logo
شُكراً للَّذينَ أحَبُّوني، بِفَضلِهم، امتَلأتُ عَطفاً ومَودَّة

قراءة علامات الأزمنة

1 ـ "النظر إلى الكون بإيجابية":  

في مقدمته، الدستور الرعوي: الكنيسة في عالم اليوم «فرح ورجاء» (Gaudium et Spes)، في الفصل (1، 17)، يدعو «الكنيسة لتفحص علامات الأزمنة وتأويلها على ضوء الإنجيل، ممّا يسمح لها بالإجابة، بطريقة مناسبة لكل جيل، على التساؤلات الدائمة للبشر... ولمعرفة وفهم العالم الذي نعيش فيه».

تفحص وتفسير علامات الأزمنة على ضوء الإنجيل

 

لذلك مِن الأهمية بمكانٍ أن نَطَّلِعَ على العالمِ الذي نعيشُ فيه ونفهمَهُ مع ما يَحمِلُ من أشواقٍ ورغبات وما يتميَّزُ به في أغلبِ الأحيان مِنَ المآسي. وفيما يلي بعضُ ملامحِ اليومِ الأساسية كما يمكن تصويرها.

يعيشُ الجنسُ البشري اليومَ تغييراتٍ عميقةٍ وسريعةٍ. إنَّ هذه التغيُّرات التي يصنعها الإنسانُ بفضلِ ذكائِهِ وعَمَلِهِ الخلاق تَرتدُّ عليه، وعلى أحكامِهِ ورغباتِهِ الفرديَّةِ والجماعيّة، وعلى طُرُقِ تفكيرِهِ وتصرُّفاتِهِ، سواء بالنسبةِ إلى الأشياءِ أو بالنسبة إلى الآخرين، إلى حدِّ أنَّهُ من الممكن أن نتكلَّمَ على تبديلٍ جذريٍّ حقيقيٍّ اجتماعي وثقافي تنعكسُ نتائجُهُ حتى على الحياةِ الدينية.

سلطة الإنسان اليوم هائلة لكن، مع الأسف من النادر ما يستطيع أن يستعملها لمنفعته: مثلا كل ما يخص مجال التواصل الاجتماعي «فيسبوك، تويتر الخ» الإنسان أوجدها وأعطته سلطة لكن ما نراه على أرض الواقع مختلف: في الكثير من الأحيان تُستعمل ضد منفعة الإنسان.

 ومع أنّه يجتهِدُ في سَبْرِ دوافِعِ كيانِهِ الخفيّة (مختلف علوم النفس)، غالباً ما يبدو في حيرةٍ من ذاتِهِ. إنَّهُ يَكتشِفُ رويداً رويداً وبمزيدٍ مِن الوضوحِ نواميسَ الحياةِ الاجتماعية؛ ومع ذلك فإنَّهُ يتردَّدُ في أن يعطيها التوجيهاتِ اللازمة.

تَنعَمُ البشريَّةُ اليومَ بفائضٍ من الثروات والإمكانياتِ وبقوةٍ اقتصادية لم تنعَمْ بها في ما سَلَف، ومع ذلك فإن قِسماً كبيراً مِن سُكان الأرضِ يَعضُّهم نابُ الجوعِ والشَّقاء وكثيرونَ مِنهم يَجهلونَ القراءةَ والكتابةَ. لَمْ يتوصَّل البشرُ كما توصَّلوا اليومَ إلى إِدراكِ معنى الحرّية بكلِّ أبعاده، ولكن في الوقتِ نفسِهِ تظهَرُ أشكالٌ جديدةٌ مِن الاستعباد الاجتماعي والنفسي.

 وبينما يَشعُرُ العَالَمُ شعوراً قوياً بوحدَتِه وبرباطاتٍ مُتبادلةٍ بين الجميعِ في تضامُنِهم الضروري (العولمة وتضامن المجتمع الدولي)، يتنازَعُهُ بقساوةٍ تَضادُّ القِوى المتحاربة: فالخلافاتُ السياسية مِنها والاقتصادية والعُنصرية والعقائدية لا تزالُ قائمةً، كما أنَّهُ لا يَزال مُخيِّماً خَطَرُ حربٍ قادرة على خراب كلّ شيء.

إنَّ تبادُلَ الأفكارِ يتزايَدُ ولكنَّ الكلماتَ ذاتَها التي تُستعمَلُ لتعبِّرَ عن مفاهيم ذاتَ أهميَّةٍ كُبرى، تَتَّخِذُ معاني متباينة جداً وفقاً للعقائد المختلفة (الحبّ، الحرية، الديمقراطية، الخ). وأخيراً تَسعى البشريةُ مجتهدةً لإيجاد تنظيمٍ زمنيٍّ أَكمَلَ، دون أن تَصحَبَ هذا التقدُّمُ انطلاقة روحيةً متوازية (الإيمان المسيحي يطبع بالطابع المسيحاني الأمور الزمنية).

بسبب الوضع المعقد للبشرية اليوم، هناك صعوبة كبرى في تمييزِ القِيَمِ الثابتةِ، وفي كيفية التوفيق بينها وبين الاكتشافات الجديدة. إنَّهم لَفي حيرةٍ يتساءَلونَ بمزيجٍ من الأمَلِ والقَلقِ عن تطوُّرِ العالمِ الحالي. وأنَّ هذا التطوُّر يَتحدّى الإنسانَ وبالأحرى يُرغمُهُ على الجواب».

مقدمة الدستور الرعوي حول الكنيسة والعالم.

 

رؤية الله يعمل في هذا العالم:

 

قبل المجمع الفاتيكاني الثاني 1962 كان هناك نوع من الانفصال بين منطق الإيمان، ومنطق وتطور العالم (مع الأسف لا نزال نقول بأن العلم والدين يتناقضان). بينما ما أراده المجمع الفاتيكاني الثاني قبل كل شيء، هو النظر إلى العالم بنظرة جديدة، لا للحكم عليه، إنما ليّدرك بأن روح الله، الذي يعمل منذ الخلق، يستمر بالعمل في هذا العالم ويُنتج ثماراً من أجل خير العالم. كلّ ذلك لا يُلغي مساوئ عالمنا، ولا أخطاء البشر، ولا خطيئتهم. ولكن هذا يسمح لنا بأن نعي بشكل أفضل أنه في الخبرة الإنسانية قوى واقعية، يمكننا الاعتماد عليها لبناء عالم أفضل.

            فالإنسان هو في العالم لأن الله أراد ذلك، والله أراد أن يكون الإنسان شريكاً له. وهذه الشراكة بين الله والبشرية تستند جوهرياً على إمكانية كل إنسان بأن يختار ويعيش حرّاً، ولكونه حرّاً يمكنه أن يصبح شريكاً لله.... لكونه حرّاً يمكنه أن يجيب على الله، ولا يمكننا أن نجعل البشرية تتقدم في علاقتها مع الله إن لم نعمل باستمرار على تنمية هذه الحرّية، وإقصاء ما يمنعها من الوجود، من تحقيق شروط الاختيار الحرّ في الوجود الإنساني.

 

العيش بعيون الله:

        «كان هناك رجل مسنّ جالساً، ذات يوم، على مدخل مدينة في الشرق الأوسط. اقترب إليه شاب وقال له: لم يسبق لي أبداً أنني أتيت إلى هنا؛ فكيف هم أُناس هذه المدينة؟ أجابه الرجل المسن بسؤال: كيف كان الناس في المدينة التي أتيتَ منها؟ قال الشاب: أنانيين وخبيثين. ولهذا السبب كنت مسروراً للذهاب. أجاب المُسنّ: ستجد الناس أنفسهم هنا.

بعد فترة من الزمن، شاب آخر اقترب وطرح عليه السؤال نفسه. لقد وصلت للتو إلى المنطقة؛ فكيف هم الناس الذين يعيشون في هذه المدينة؟ والمسنّ أجاب بنفس الطريقة: قلّ لي، يا بنيّ، كيف كان الناس في المدينة التي أتيت منها؟ أجاب الشاب: كانوا طيبين مستقبلين وشرفاء؛ كان لديَّ هناك أصدقاء جيدين؛ وكان لديَّ صعوبة في ترك المدينة. ستجد الناس أنفسهم هنا أجاب المسنّ.

وكان هناك تاجر، ليس بعيداً عن المكان، يسقي جماله وقد سمع الحديثين. وبمجرد أن أبتعد الشاب الثاني، توجه إلى الرجل المسنّ معاتباً: كيف يمكنك أن تُعطي جوابين مختلفين كليّة على السؤال نفسه المطروح من قبل شخصين؟ من يفتح قلبه يُغيّر أيضاً نظرته للآخرين، أجاب الشيخ. وكل إنسان يحمل عالمه في قلبه».

            فجميعاً، رجالاً ونساءً، مطبوعين، كلّ منّا، بتاريخه الشخصي. فالجوهري هو أن نجد على طرقاتنا أشخاص يأخذوننا بيدنا وينهضوننا عندما نتعثّر. إنهم العلامة المرئية لحضور الله في قلب إنسانيتنا (دور الكنيسة في المساعدات الإنسانية وغيرها، وكل من يعمل على مساعدة الآخرين على النهوض). أي على الكنيسة أن تكون هي علامة من علامات الأزمنة.

    إذن، العيش بعيون الله يعني النظر إلى الكون بإيمان، أي أن تكون دائماً لدينا الثقة بالآخر، والاعتراف بأنه حتى ولو ضَلّ، يمكنه أن يستدرك ذاته ويستعيد قدرته ليسير من جديد منتصباً على طريق حياته. فهناك إذا هذه الثقة بالكائن البشري بالرغم من نقاط ضعفه (شرح معنى الثقة).

العيش بعيون "الله" يعني النظر إلى الكون برجاء. فقد يغادر الرجاء قلبنا إلى الأبد لولا وجود علامات تقول لنا أن الزمن أحياناً، هو الفترة الضرورية للإنسان كي يستطيع أن يقوم باكتشافاته وأن ينضج نتيجة خيباته (الله يثق بالإنسان أكثر من العكس) ... إن المحبة تسمح لنا باحترام الطريق الشخصي لكل كائن بشري، بل بمرافقته حتى ولو أخطأ وأن نبتهج إذا عاد إلى نفسه. فالحبّ مصبوغ دائماً بالرأفة ولذلك يسمح بأن نعيش المغفرة والمصالحة. فالإيمان والرجاء والمحبة، يسمحون لنا بإلقاء نظرة أخرى على الكون بما أن كلاًّ منّا يحمل الكون في قلبه.

 

«النظر للعالم كصيرورة»:

 

تمييز علامات الأزمنة، يعني الأخذ بعين الاعتبار تحولات العالم كمراحل لمستقبله الذي يدعونا الله للمشاركة به.

خلق الله العالم لكن عملية الخلق لم تنتهي، إنها تستمر وعلينا المشاركة بإتمامها: «لقد أراد الله أن يخلق العالم بحالة مسيرة نحو كماله النهائي» (التعليم المسيحي الكاثوليكي رقم 310). لقد سلّم الإنسان مسؤولية «إخضاع الأرض والتسلط عليها» (تك 1، 26 ـ 28).

قدرة الإنسان على تحويل العالم تتناسب جيداً مع مخطط الله. «القاعدة الوحيدة هي أن تكون مطابقة لخير الإنسانية كما عليها أن تتيحَ للإنسان، أن يزدهر وفقاً لكمالِ دعوته» (الدستور الرعوي عن الكنيسة والعالم رقم 35).

فولادة ملكوت الله، كما يقول لنا بولس الرسول، لا يمكن أن تتم بدون ألم وصعوبات. فالمعركة الروحية ضد كل أشكال الشر تفرض ذاتها. وكل مظاهر الانحطاط تحتوي في داخلها بذرة لواقع جديد. فالاستسلام، والموقف السلبي، يعني التخلي عن أن نكون «عامِلينَ مَعًا في عَمَلِ الله» (1 كور 3، 9). كل إنسان وبحسب المكان الذي يحتله والدور الذي يلعبه، له حصته في ترقية الخير العام.

«إن الله الذي خلقك بدون مشاركتك لن يخلّصك بدون مشاركتك» القديس أغسطينس.

        إذا تدخل الإنسان في الطبيعة دون استغلال ولا تسبب بأضرار، يمكننا القول «بأنه يتدخل لا ليعدل الطبيعة إنما ليساعدها على النمو ضمن مسارها، مسار الخليقة، المسار الذي أراده الله. عاملاً في هذا المجال، الحساس بدون شك، الباحث ينتمي إلى مخطط الله، فالله أراد أن يكون الإنسان ملك الخليقة.

 

       ماذا يعني التطور للإنسان، أي مكان لحريته؟

 

قبل كل شيء، علينا أن نتساءل: ماذا يعني بالفعل «التطور»؛ ما الذي يعد به والذي لا يعد به؟ منذ نهاية القرن التاسع عشر، كان هناك انتقاد للإيمان بالتطور... إذا لم يقابل التقدم التقني تقدم في التكوين الأخلاقي للإنسان، في نمو الإنسان الداخلي (انظر أف 3، 16؛ 2 قور 4، 16)، هذا يعني أن ذلك ليس بتطور، إنما تهديد للإنسان وللعالم.

        بما أن الإنسان يبقى دائماً حراّ وحريته دائماً هشّة، فَمُلك للخير قوي بشكل نهائي لا يمكن أن يوجد في هذا العالم. فالذي يعد بعالم أفضل ويدوم بطريقة مستمرة، وإلى الأبد فهو يعطي وعد خاطئ؛ إنه يجهل الحرية الإنسانية. فالحرية عليها أن تُستعاد دائماً من جديد ومن أجل الخير.

     نظرات خاطئة عن الله، والعالم.

 

.... لماذا إذن، الذين يخيّبهم الإلحاد لا يتوجهون إلى المسيحيين؟

ـ لأن المسيحيين لا يبدون سعداء في إيمانهم بالله.

ـ لأنه، على كل المستويات، يُظهرون القليل من الحميّة للتحدث عن إلههم.

 أحد الصحفيين، وفي دعابة لا تخلو من القساوة، كان يسمّي مؤخراً هذه الكنيسة التي لا تعرف التحدث عن الله: «كنيسة الصمت».

ـ لأنه أخيراً وجه الله الذي يظهره المسيحيون بتصرفاتهم، وأحياناً بكلامهم، ليس جذاباّ.

فإلى هذا الوجه المزيف عن الله توجَّه بدون شك كتّاب نص الدستور الرعوي حول الكنيسة والعالم بكتابتهم لهذه الجملة الغير منتظرة: «قد يكون للمؤمنين دور غير صغير في ولادة الإلحاد».

علينا جميعاً أن نقوم بفحص ضمير شديد انطلاقاً من السؤال التالي: أليس الذين يروننا ويسمعوننا، معرّضين للخطر بأن يخطئوا في معرفة وجه الله الحقيقي؟ أيها الآباء والأمهات، عندما يُطرح عليكم هذا السؤال، فكرّوا بالأبناء الذين أعطاكم إياهم الله.

 

روايتين للخلق في سفر التكوين: بناء حضارة الحب

 

الأولى حاسمة: إنها تُعطي معنى لتاريخ البشرية وهدفها ونهايتها. الإنسان ــــــ «رجل وامرأة، خلقهما» ـــــ هو على صورة الله: الحبّ الذي يسير في الله، يسير بين الرجل والمرأة. كل شيء ينطلق من هذا التشابه بالحبّ. في نهاية الأزمنة، هذا الحبّ المُستقبل من الله سينمو: فنرى الله، «سنصبح شبيهين له» (1 يو 3، 2). فهدف العالم هو الحبّ.

الرواية الثانية هي أكثر وجودية لكنها تفترض الأولى. إنها متمحورة حول عزلة الإنسان. فالله يُقدّم له حيوانات الحقول، وعصافير السماء فيسميّها الإنسان، فيتملكها. ولكن هذا ليس كافٍ. فيقدّم له الله المرأة. فالحبّ، شبه الله، هو هنا لكنه في الوقت نفسه قيد البناء: لم يعرفوا بعضهم وعليهم أن يكتشف الواحد الآخر؛ ثم، مختلفين، متمّمين لبعضهم، فقد جُعل الواحد من أجل الآخر؛ وأخيراً يلاحظون الجوهر: «إنهما واحد». إنه لطريق رائع للحب الزوجي المُقدّم من الله، علامة لحضارة الحبّ الواجب بناؤه.

            4 - احترام الشخص الإنساني 

 

        في الواقع الإنسان له قيمة لما هو عليه وليس فقط لما يملك أو لما يفعل. فالإنسان يستحق الحبّ والاحترام لما يعيش، وليس لما يملك. كرامته هي بالتحديد مرتبطة بكونه شخص. وبالنتيجة، طالما أنه يعيش، كل إنسان سيحتفظ دائماً بقيمته؛ حتى ولو كان فقيراً أو معاقاً، حتى ولو يرتكب الأخطاء أو إذا كان جانحاً. الشخص الإنساني لا يفقد أبداً عظمته الأصلية وما من أحد يستطيع انتزاعه إياها. يبقى الإنسان هو مبدأ ونهاية المجتمع المدني. كما يقول المجمع الفاتيكاني الثاني: « يتفق المؤمنون مع غيرِ المؤمنين على هذا: يجب أن يؤولَ كلُّ شيءٍ على هذه الأرض إلى الإنسانِ باعتباره مرجعُ كل شيء وذروته » (1).

        المجتمع هو جماعة من الأشخاص بعلاقة مع بعضهم البعض، وليس بقطيع من الأفراد المجهولين الواحد بقرب الآخر وكل منهم لا يفكر إلاَّ بنفسه: بدون المسؤولية الاجتماعية، لا وجود للحرية الشخصية. والخير العام ليس بالمجموع الكلي للخيرات الفردية، بل إنه خير الجميع وكل فرد. «إن الميزة الاجتماعية التي يتميَّزُ بها الإنسان تُظهرُ ــــــــ يؤكد المجمع ــــــ أن هناك ارتباطا بين انطلاقة الشخص وتقدُّمِ المجتمع.

دور المسيحين هو أيضاً حاسم. الوحي المسيحي يأتي أيضاً للمساعدة. فالتضامن ضروري، لكن الشرعية الصافية وحدها لا تكفي: «باسم العدالة المزعومة (مثلاً تاريخية أو لطبقة)، نلغي أحياناً القريب، نقتل، نحرم من الحرية، نزيل الحقوق الإنسانية الأكثر أساسية. خبرة الماضي وزمننا يُظهرون لنا بأن العدالة لا تكفي لوحدها، وحتى بإمكانها أن تقود إلى نفي ذاتها وخرابها الشخصي، إن لم نسمح لهذه القوة الأكثر عمقاً التي هي الحبّ بأن تصوغ الحياة الإنسانية في مختلف أبعادها» (3).

إهانة كرامة الشخص الإنساني: إهانة لله

 

        بالنظر إلى الخليقة ترتبط عبادة لله والانتماء إليه باحترام الإنسان، «صورة الله»، الذي أنشأه شريكاً له، مشارك في مسؤولية حياته الشخصية، وحياة الآخرين والوقائع الكونية والبيئية. فاحترام حرية ضمير كل إنسان التي تفترض في الدرجة الأولى احترام الحرية الدينية وفي الوقت نفسه رفض كل عنف، هي جزء من هذا المفهوم. يبدو لي بالنتيجة أن طبيعة الواقع الديني بشكل عام والواقع المسيحي والكاثوليكي بشكل خاص، يطرح ثلاث متطلبات أساسية وأولية بالنسبة للعلاقة الواقعية بين الإيمان والقانون.

    أولاً، المتطلب الأنثروبولوجي، أي مفهوم الإنسان الذي يطالب باحترام كرامة كل شخص إنساني. من جهة، الإهانة الموجهة لكرامة الإنسان، حتى ولو كانت مدفوعة من حسّ ديني أُسيء فهمه هي إهانة لله. ومن جهة أُخرى، الإكرام الموجه لله عليه أن يتجسد في احترام الإنسان المخلوق على صورته كمثاله. وبالتأكيد، يجب ألاّ يُختزل احترام الإنسان، إلى مجرد احترام ضميره، بل أيضاً وأولاً كاحترام لحياته منذ اللحظة الأولى لوجوده باعتباره أساس كافة الخيرات البشرية.

        المتطلب الثاني يعود إلى نظرية المعرفة: على الإيمان إلاَّ يُعارض البحث العلمي والعقلاني، بل عليه أن يشير إلى معنى هذا البحث، في إطار أهداف الإنسان واحترام كرامته.

        المتطلب الثالث هو مبدأ القبول بالنظام الديمقراطي. بالنسبة لكل كائن إنساني، حق الحرية ــــــ المسؤولية يجب أن يكون مضموناً، في جو من الحوار والقناعة، وإمكانية عدم الاتفاق عليها أن تكون مؤمنة عندما يمس الموضوع بعض القيم الأخلاقية الأساسية. يجب أيضاً التوضيح هنا بأنه، بالنسبة للدولة، النظام الديمقراطي هو الذي يتطلب واجب الدفاع عن حياة كل إنسان وتوفير الشروط اللازمة لنمو كل شخص بالعدالة والتضامن.

 

5 - الفقير محبوب من الله 

 

     «وسأَلَه أَحَدُ الوُجَهاء: «أَيُّها المُعَلِّمُ الصَّالِح، ماذا أَعمَلُ لِأَرِثَ الحَياةَ الأَبَدِيَّة؟»  فقالَ لَه يسوع: «لِمَ تَدعوني صالِحاً؟ لا صالِحَ إِلَّا اللهُ وَحدَه. أَنتَ تَعرِفُ الوَصايا: لا تَزْنِ، لا تَقتُلْ، لا تَسرِقْ، لا تَشهَدْ بِالزُّور، أَكرِمْ أَباكَ وأُمَّكَ» فقال: «هذا كُلُّه حَفِظتُه مُنذُ صِباي! »  فلَمَّا سَمِعَ يَسوعُ ذلِكَ قالَ له: واحِدَةٌ تَنقُصُكَ بَعدُ: بعْ جَميعَ ما تَملِك ووَزِّعْه على الفُقَراء، فَيكونَ لكَ كَنزٌ في السَّموات، وتَعالَ فَاتبَعْني» فلمَّا سَمِعَ ذلك اغتَمَّ لِأَنَّه كانَ غَنِيّاً جِدّاً.  فلَمَّا رأَى يسوعُ ما كانَ مِنهُ قال: «ما أَعسَرَ دُخولَ مَلَكوتِ اللهِ على ذَوِي المال. فَلِأَن يَدخُلَ الجَمَلُ في ثَقْبِ الإِبرَة أَيسَرُ مِن أَن يَدخُلَ الغَنِيُّ مَلَكوتَ الله» فقالَ السَّامِعون: «فمَن يَقدِرُ أَن يَخلُص؟ »  فقال: «ما يُعجِزُ النَّاسَ فإِنَّ اللهَ عَليهِ قَدير» (لو 18، 18 ـ 27).

 

مأساة ودعوة للرجاء.

بعد أن قدّم لهذا الشاب الدعوة المشتركة (التقيد بالوصايا)، يدعوه يسوع لدعوة خاصّة: الفقر كي يتبعه. مأساة: غناه يقيده. غناه الأرضي أثر فيه عن كثب. فكنز السماء يلمسه من بعيد.

 

«الفقير، وجه لله».

 

تمييز علامات الأزمنة، يعني الاعتراف بأن الفقير عامل حقيقي في المجتمع.

 

إن النظرة الموجهة للفقر تطورت عبر القرون. في نهاية القرون الوسطى، ظهور المال كوسيلة لقياس الغنى يؤدي إلى تمييز «بالمعنى السلبي» الفقير في المجتمع. تدريجياً، أصبح الفقراء هم غالباُ، أُناس مزعجين. والذي يعطي هو فوق الذي يستقبل والمحبّة تُعبِّر عن ذاتها جوهرياً بتسلط الغني على الفقير. القديس أغسطينس سبق أن كشف بطريقة فاضحة دوافعنا العميقة: «بتأدية خدمة إلى بائس، ربما ترغب في الترفع تجاهه، وتريد أن يُصبح أسير فضلك، هو الذي كان أصل عملك للخير. لقد كان في الحاجة وأعطيته جزءً من مالك: لأنك تُعطي، يبدو لك أسمى من الذي تُعطيه».

ومع ذلك، في هذا الإطار، لا يمكننا أن ننسى العديد من المسيحيين الذين بحثوا عن الشهادة لمحبة الله: القديس فانسان دو بول « St Vincent de Paul»، القديس يوحناــــــ باتيست دو لا سال « St JeanـBaptiste de la Sales»، القديس شار بوروميه « St Charles Borromée»، القديس أنطوان دو بادو « St Antoine Padoue»، القديس مارتان دو بورّيس « St Martin de Porrès»، والعديد من الرهبانيات.

 والسعي للبحث الشخصي ما وراء المظاهر، العمل مع الفقراء وليس على الفقراء، الاعتراف بهم كفعالين حقيقيين في المجتمع، يظهر اليوم كمُعطى أساسي لحلق جديد للنسيج الاجتماعي. وكما يقول جان ـــــــ ماري بلوكس «الوحي المسيحي لا يتم من الأعلى بل من الأسفل؛ ليس بالقدرة بل بالضعف المتشارك به؛ ليس بالتسلط بل بالخدمة».

 

             العمل «مع الفقراء» وليس «على الفقراء»

 

في مثل السامري (لو 10)، ساعد هذا الأخير المجروح لأنه قد «أخذته الشفقة» أو «تأثر حباً» ... تصرف كل من الكاهن واللاوي، الذين رأوا الجريح وعبروا يطرح علينا السؤال: ما الذي منعهم من أن يشعروا بالشفقة كالسامري؟

هذا يقودنا للتفكير حول ما يجب تسميته مثبطات الرحمة؛ سلسلة بكاملها من الأدلة المتكررة خلال التاريخ تحملنا على ألاَّ نساعد الفقراء أو عندئذ بطريقة محدودة جداً ومراقبة. قبل القرن التاسع عشر، نادرين هم الذين بينوا أن الفقر قد يكون له أسباب أخرى غير فردية.... علينا أيضاً أن ننوه لنقد للرحمة يرفض موقف الاستعلاء الذي ينزع عن الفقير استقلاليته وكرامته.

الشفقة الحقيقية تبدأ بالوضوح، وبشكل خاص بالاعتراف بوجود حلقة فارغة للبؤس.... في البؤس، لا يمكن أن نكون «فقير طيب». الشفقة الحقيقية تتطلب المجيء لمساعدة البائسين، بمرافقتهم كما هم ومساندتهم بالرجاء لكي يصبحوا طرفاً معنيّاً. تعبير يمكنه أن يصفهم جيداً: ليس «العمل من أجل»، بل «العمل مع» ...

كما سبق وقلنا، الذين يعيشون في البؤس لا يمكنهم أن يُسمعوا صوتهم. فهم إذن بحاجة لمفسرين ومدافعين... لنتذكر يونان: هذا الفقير الذي فقد كل شيء وأراد أصدقائه إقناعه بأنه هو المسؤول عن بؤسه. وهذه هي صرحة أيوب: «مَن لي بِأَن تُكتَبَ أقوالي ومَن لي بِأَن تُحفَرَ في سِفْرٍ. بإِزْميلٍ مِن حَديدٍ» (أي 19، 23 ـ 24). في الواقع، متى يأتي من سيأتي لدافع عن قضيته؟ فالذي يدافع عن أيوب، مع إقحام الله في هذا الدفاع، هو بالتحديد مؤلف السفر... هكذا، بفعل هذا الجواب، لم تُنسى هذه الصرخة، ولا يمكن أن تُنسى، التي هي صرخة كل إنسان بائس.

كذلك، كل الذين هو في البؤس بحاجة لمن يُسمع صرختهم.. يحمل قضيتهم لضمير الجميع ويدافع عنها في الحوارات العامة. فإذا كان يسوع استطاع القول بأن الفقراء هم بينكم ومعكم دائماً (متى 26، 11)، فليس بهدف دفعنا للاستسلام، إنما ليذكرنا بأنه علينا دائماً أن نبدأ من جديد هذه المهمة لمساعدة الفقراء على الخروج من الهوامش حيث يريد المجتمع أن يدفعهم إليها. ولكن من أجل ذلك، علينا أيضاً أن نحافظ على الضمائر بحالة يقظة، وأن ندفع إلى الأمام الشعور بالإلحاح وتثبيت التصميم الجماعي.

فالصرخة التي تأتي من حالات البؤس تطرح علينا سؤال، إنها تضعنا أمام تحدي تحويل الرحمة إلى تخيل الممكن.

برنار روردوف ««Bernard Rordorf»، أستاذ شرف في كلية اللاهوت في جنيف. يوم عمل حول التسوّل – تسوّل، الغرامة أو الشفقة. 2 آذار 2012 

جديد الموقع
أسئلة وأجوبة
يعطيك العافية ابونا انا اسمي حسين عندي متل سؤال عم دور عأجوبة وكمل بحوثي من خلالو وهوو اصل الروح الها جنس؟ (السؤال) هوو الروح هل لها جنس او اذا مالها جنس كيف الطريقة او هل خيرت انها تختار جسد ذكوري او انثوي.. هل تم تخيير الروح.. هل تم توزيعها بارادة عليا.

الروح مبدأيا هو روح الله وبالتالي لا جنس له. الروح مرتبط بالإنسان بمعنى أن الروح هو من يعبر على ما يميز الإنسان عن باقي الخليقة. بمعنى آخر عندما خلق الله الإنسان خلقه جسد ووضع فيه من روحه.

هل من فرق بين إنسان طيب القلب وإنسان يمتلك المحبة وهل من رابط بينهما

القلب الطيب دليل مهم على المحبة. ما من أحد يمتلك المحبة إنما العكس صحيح أي المحبة هي التي تمتلكه