header logo
العِزلة الحَقيقية مفتَاح السَلامَ الدَاخِلي

الكنيسة

مقدمة: لن نقوم بمعالجة موضوع الكنيسة بطريقة عقائدية إن صح التعبير، تتطلب تحليل مختلف وجوهها. لهذا السبب لن نتحدث مثلاً عن تعبير بولس الرسول بأن الكنيسة هي «جسد المسيح» كما أننا لن نتحدث عن العلاقة بين الكنيسة والتجسد، ولا عن الطابع السري، بمعنى الأسرار، للكنيسة.       

        سوف نتوقف على بعض النقاط التي يمكن اعتبارها حسّاسة، كالعلاقة التاريخية بين الكنيسة ومؤسسها. فنحن نرى الكنيسة كما هي، جاهزة إن صح التعبير كما لو أنها خرجت كما هي من إرادة المسيح، مع الميزات التي نعرفها عنها والتي أعطتها الكنيسة لذاتها بسبب الظروف التاريخية. ولكي تجيب الكنيسة على حاجات ولدت بسبب التاريخ، أصبحت مركزية لدرجة قد نفقد فيها أو نهمل الدور البنّاء للكنائس الخاصّة. سوف نتحدث أيضاً عن العلاقة بين الكنيسة والمجتمع.

        الهدف من ذلك هو الإدراك بأن الكنيسة هي في النهاية مؤسسة حيّة حيويّة: بإمكانها أن تأخذ أشكالاً مبتكرة حتى ولو قامت بذلك استناداً إلى تقليدها حيث تجد نماذج التغيير والتحوّل المسبقة. ومع ذلك فكنيسة ما بعد المجمع الفاتيكاني الثاني أقل أحادية في التنظيم، أقل سلطوية، وأكثر انفتاحاً على نداءات العلمانيين، هذه الكنيسة قادرة على أن تولد فينا القلق بخصوص نقطتين. 

        أولاً بخصوص المكانة والعمل المميّز لكل من الكهنة والعلمانيين، ثانياً بخصوص مفهوم الطاعة التي علينا أن نؤديها أو نعيشها لها كهنة وعلمانيين. فهل نستطيع العبور من زمن الحرمان إلى زمن الشراكة؟   

 

 

 

من المسيح إلى الكنيسة

 

        السؤال المطروح علينا هو هل المسيح أسس فعلياً الكنيسة؟ لا شك بأننا نعرف جميعاً كلمة المسيح الموجهة لبطرس: «أنت الصخرة وعلى هذه الصخرة أبني كنيستي». ولكن هذا النص كُتب بعد زمن طويل من مغادرة يسوع العالم، بينما حضور الكنيسة كان يفرض ذاته على الإنجيلي أو كاتب الإنجيل. كلمة كنيسة لا نجدها سوى ثلاث مرّات في الأناجيل. بينما توجد بكثرة في كل من كتاب أعمال الرسل والرسائل. فكتّاب العهد الجديد خصصوا هذه الكلمة، إن صح التعبير، لزمن ما بعد المسيح، كما لو أنه لم يكن من الممكن التكلم عن الكنيسة طالما كان حاضراً. من هنا تنبع بعض التساؤلات: ما الذي حدث في السنوات التي تفصل بين عمل يسوع التاريخي وبين تأسيس الجماعات المسيحية الأولى قبل نهاية القرن الأول؟ ما هي القوى الموجودة وراء هذه الحوادث؟ ما هو نوع العلاقة بين عمل يسوع التاريخي وولادة الكنيسة؟ أخيراً ما هي أو من هي الكنيسة؟ هل هي من صنع يسوع أم نتيجة، إلى حد ما، غير مرتقبة للظروف؟

        سنحاول أن نبين المعطيات الأكثر وثوقاً أو تأكيداً، ثم نحاول أن نفهم ما حدث فعلاً.

 

1- معطيات الواقع

 

        المُعطى الأساسي الذي لا يقبل الجدل هو المقطع يسوع – الكنيسة. لا يمكننا أن ننكر بأن ظهور الجماعات المسيحية الأولى يتبع عمل وموت وقيامة يسوع. والسؤال هو من أي نوع هذه الاستمرارية؟ فالخطر أن ننسى البعد والاختلافات الموجودة بين يسوع وتلك الجماعات.

        نمط الحياة: يسوع وتلاميذه متنقلون، ليس لديهم، على ما يبدو، من منزل ثابت. المنزل الوحيد الذي يلتقون فيه لوحدهم والذي يذكره الإنجيل هو منزل حماة بطرس في كفرناحوم. موائد الطعام التي يتحدث عنها الإنجيل أغلبها دعوات. وجواب يسوع للرجل الذي يطلب إتباعه يعبّر عن هذا الواقع: «إِنَّ لِلثَّعالِبِ أَوجِرَة ولِطُيورِ السَّماءِ أَوكاراً، وأَمَّا ابنُ الإِنسان فلَيسَ لَه ما يَضَعُ علَيهِ رَأسَه ». وبالمناسبة الكلمة المميزة للانتساب إلى يسوع هي فعل اتبع، أو اتبعني. يسوع إنسان متنقل يجوب الطرقات، من منطقة إلى أخرى، يتوقف حيث يتم استقباله، يتابع طريقه إن لم يلمحه أحد.

        هذا النمط من الوجود لم يكن ثانوياً؛ ففي عالم يأخذ الدين فيه مكاناً وأهمية كبيرين، استضافة «رجال الله» كانت جزأً من العادات والتقاليد. هذا ما تفترضه الأناجيل من خلال التعليمات التي يعطيها يسوع للتلاميذ قبل أن يرسلهم للرسالة «لا تَحمِلوا لِلطَّريقِ شَيئاً، لا عصاً ولا مِزوَداً ولا خُبزاً ولا مالاً، ولا يَكُنْ لأَحَدٍ مِنكُم قَميصان وأَيَّ بَيتٍ دَخَلتُم، فأَقيموا فيه ومِنه ارحَلوا. وأَمَّا الَّذينَ لا يَقبَلونَكم، فاخرُجوا مِن مَدينَتِهِم، وانفُضوا الغُبارَ عن أَقدامِكم شَهادَةً علَيهم» (لو 9، 1-5). إنها تشهد بدون شك للذكريات التي كانت لا تزال حيّة وللعادات التي كانت لا تزال تُمارس خلال سنين بعد ذهاب يسوع.

        الوجه الذي تقدمه لنا الوثائق عن الجماعات المسيحية الأولى مختلف كثيراً، فرسائل بولس للعالم اليوناني بين العام 50 – 65 وكتاب أعمال الرسل الذي يصف لنا لاحقاً هذه الجماعات، كلاهما يقولان لنا بأنها كانت جماعات ثابتة في المدن، تجتمع في البيوت حيث يلتقي المسيحيون فيما بينهم باجتماعات دورية، وصلوات مشتركة، وطقوس لها بنية واضحة كالعماد والإفخارستيا. وإن كانت الوظائف داخل هذه الجماعات لم تكن تعرف بعد الثبات الذي نعرفه الآن، كانت قد بدأت بعض الخدمات والرسالات المتنوعة تأخذ شكلها.

 

        مجموعات من الأقليّة: لا شيء يفاجئ في هذه التغيرات، بما أن انتساب اليهود لشخص يسوع لم يكن يتم بكثرة، فكان من المحتم أن يكون التلاميذ أقليّة، يلتقون فيما بينهم ليشكلوا مجموعات منسجمة، تميل إلى العزلة والتشديد على اختلافاتها بالنسبة لليهود. هذا الميل للانغلاق كان يُعوّض بالانتشار السريع للمسيحية في المدن الكبرى ومرافئ البحر الأبيض المتوسط. في المحيط الوثني، كان الإيمان المسيحي يُعاش في المدن ضمن مجموعات من الأقليّة، بحسب إيقاع (ريتم) أو مجرى الحياة. هنا نحن بعيدون جداً عن حرية يسوع وتحركاته، بعيدين عن التوقعات والانتظارات التي كان يحثها، أو يولّدها حضوره. وكما يقول أحد اللاهوتيين Loisy : «بشّر يسوع بالملكوت فالكنيسة هي التي أتت».

        كل هذه الاختلافات، اختلاف نمط الحياة واختلاف الأفق، واضحة جداً ولا يمكننا أن نعبر أمامها كعابري سبيل. وبما أن هذه الاختلافات تعود للظروف المحلية، فنمو عدد التلاميذ وتنوع أماكن وجودهم، قد يجعلنا لا نرى فيها سوى مجرد تأقلم مع الأوضاع الجديدة للخبرة الجوهرية الأولى: الإيمان بالله الحقيقي من خلال شخص يسوع. ولكن هذه الخبرة نفسها تطرح مشكلة.

 

        يسوع المُنظَر إليه، ويسوع المُعلن: إذا كان يسوع، بحسب شهادات الأناجيل، يكشف للناس عن سر إلوهيته، فسر شخصه لن يُكشف إلاَّ في ساعة موته وقيامته. طالما كان يسير بين الناس، فالألقاب التي قبلها أو طالب بها: المسيح، ابن الإنسان، ابن الله، هذه الألقاب تبقى غامضة ومحمّلة بأحلام شعبه وأوهام الإنسان. ما هو فريد لديه ولا يمكن تقليده، ما يجعله قريباً جداً وفي نفس الوقت لا يمكن الوصول له ، حميميته الشفافة مع الله، كلّها تظهر في كل عمل يقوم به، لكن لا يمكن تثبيته إلاَّ في اللحظة التي يسلّم فيها الروح بين يدي الآب الذي يستقبله في مجده.

        حتى اللحظة التي يظهر فيها للتلاميذ، متحولاً بنور القيامة وحرية الله، ومع ذلك فهو هو نفسه، قريب جداً وطبيعي جداً، يبقى معرضاً لنظر الناس: من هو؟ ماذا يفعل؟ ماذا يريد؟ الأكثر أمانة يتبعونه لكنهم لا يستطيعون الامتناع عن طرح السؤال: إلى أين تذهب؟ هل سترمم ملكوت داود؟

        كل شيء يتغير عندما يفهم التلاميذ القيامة. حتى الظهورات لاتكفي: إنهم بحاجة لنور وقوة الروح القدس. فالتلاميذ الذين بقوا مندهشين من الماضي، من قبل الشخص الذي لم يعد بينهم، يلتفتون فجأة باتجاه القدس. إنها العنصرة، وبالتالي علاقة جديدة مع يسوع. الآن يتكلمون باسمه، يشرحون الحوادث، يعطون المعنى، ويستخلصون النتائج: «لقد قتلتم المسيح وسامحكم؛ وأقامه الله وأعطاكم إياه مخلصاً».

        هاتان اللحظتان نراهما في الكتاب المقدس. الأناجيل تعطينا الخبرة الأولى، والكتابات الرسولية (كتاب أعمال الرسل، الرسائل) تعطينا الثانية. إنها متناسقة ومنسجمة، تلتقي فيما بينها، لكن لا تتطابق. يمكننا ويحق لنا أن نتساءل: الخبرة الثانية، خبرة القائم من بين الأموات، أثرت على طريقة قراءة وفهم الأولى ولكن هل شوهتها؟ قبل الإجابة على هذا السؤال علينا التوقف على اختلاف آخر مهم.

        يسوع المرئي ويسوع غير المرئي: هنا الاختلاف أكيد. تلاميذ يسوع الملتزمون معه، بعض الفضوليين هم الذين اختبروا يسوع على طرق الجليل، رافقوا خطواته، سمعوه يتكلم ورأوه يستجيب لتساؤلات الناس وتوسلات المرضى، رأوا ردود أفعاله أمام معارضيه وأعدائه. هذه الخبرة فريدة جداً وليس ما يعادلها بعد القيامة، وقد شعر بهذا الأمر بولس مما دفعه لتبرير اعتباره أحد الرسل « أَلَستُ حُرًّا؟ أَلَستُ رَسولاً؟ أَوَ ما رَأَيتُ يسوعَ رَبَّنا؟ أَلَستُم صَنيعَتي في الرَّبّ؟ » (1 قور 9، 1). هنا نلمس وجود حد لا يمكن تجاوزه أو اختراقه ولا يزال يفرض ذاته على الكنيسة؟ فالكنيسة لا تزال تتمسك بالتمييز بين الرسل وشهود العيان، المؤسسين الأوائل وخلفائهم، مما يعني وجود شيء من النقص أو العجز الذي لا يمكن سده، والتأكيدات الأكثر شدّة حول استمرارية الهوية بين يسوع والكنيسة تهدف إلى سد هذا النقص.

- الواقع: كنيسة المسيح

 

       لن نعود إلى الملاحظات والنتائج التي تكلمنا عنها، لكن علينا أن نفهم جيداً ما هو معناها. يمكننا أن نجد فيها ضعف جذري أو ولادي إن صح التعبير، بمعنى أن الكنيسة لن تكون يوماً سوى تجمع لمن يتأرجحون بين الإيمان واللاإيمان، بين الكرم والحب وثقل الأنانية. دون أن ننكر المكان الفريد الذي تحتله في تاريخ البشرية، علينا أن نحافظ على الكنيسة في مكانها: خاطئة، معرّضة للخطأ، بشرية.

        هذا المنظور المُختزل يبدو على أنه ليس منظور الشهود الأوائل، الجيل الذي عرف زمن يسوع وزمن الكنيسة الأولى. هذه الخبرة المزدوجة هي أساس العهد الجديد، أساس الوحدة العميقة التي تربط الإنجيل برسالة الرسل.

 

        مؤلّف القديس لوقا: كتابان من العهد الجديد يُظهران لنا هذه الوحدة بطريقة ساطعة، كتابيّ لوقا، صديق بولس، الإنجيل وأعمال الرسل، كُتبا لكي تتم قراءتهما بشكل متسلسل لكونهما يرويان لنا قصة واحدة. الواقع الذي يرويه لوقا لا ينحصر به، فنحن نرى العديد من النقاط المشتركة مع العهد الجديد، لكن هذا الواقع يأخذ كلَّ قوته لدى لوقا: وحدة الكتابين اللذين لا يمكن فصلهما عن بعض، ممّا يعني أنهما يعبّران عن وحدة عمل الله، أي كنيسة ابنه يسوع المسيح.

 

        اسم يسوع المسيح: اسم يسوع المسيح يشكّل لازمة تتكرر كثيراً في كتاب أعمال الرسل سواء لإعلان كلمة الله، أم لشفاء المرضى، أو للعمل بدون انقطاع أو لبذل الحياة، كل ما يطبع وجود الرسل، كل ما يشكّل الطابع الخاص للمسيحيين، باختصار كل ما تقوم به الكنيسة هو من عمل اسم المسيح. بنظر إنسان اليوم، قد تبدو هذه اللغة من مجال السحر. فالمعنى المعاكس يكون كلي.

        عندما يعلن بطرس أو بولس أمام الجموع أو أمام المحاكم اسم يسوع فهم لا يفكرون أبداً باستدعاء قوة سرية خفية، إنهم يقولون بكل بساطة ما يتحملون ويعيشون.

        ما يعيشونه من خلال أعمالهم وكلامهم، في ضعفهم وشجاعتهم، هو من عمل يسوع نفسه. ليست قوة مماثلة لقوته، أو عمل مشابه إلى حد ما لعمله، إنما قوة وعمل يسوع نفسه في العالم. من بين الأمثلة التي تبين لنا بشكل صارخ هذا اليقين يمكننا ذكر موقف بطرس ويوحنا أمام عظيم الكهنة والرؤساء والشيوخ: «فلمَّا كانَ الغَدُ اجتَمَعَ في أُورَشَليمَ رُؤَساؤُهم والشُّيوخُ والكَتَبَة، وكانَ في المَجلِسِ حَنَّانُ عَظيمُ الكَهَنَةِ وقَيافا ويوحَنَّا الإِسكَندَر وجَميعُ الَّذينَ كانوا مِن سُلالَةِ عُظَماءِ الكَهَنَة. ثُمَّ أَقاموهما في الوَسَطِ وسَأَلوهما:  بِأَيِّ قُوَّةٍ أَو بِأَيَّ اسمٍ فَعَلتُما ذلك؟ فقالَ لَهم بُطرُس وقَدِ امتَلأَ مِنَ الرُّوحِ القُدس: يا رُؤَساءَ الشَّعْبِ ويا أَيُّها الشُّيوخ، إِذا كُنَّا نُستَجوَبُ اليَومَ عنِ الإِحسانِ إِلى عَليلٍ لِيُعرَفَ بِماذا نالَ الخَلاص ، فَاعلَموا جَميعًا وَلْيَعلَمْ شَعْبُ إِسرائيلَ كُلُّه أَنَّه بِاسمِ يسوعَ المَسيحِ النَّاصِريِّ الَّذي صَلَبتُموه أَنتُم فأَقامَه اللهُ مِن بَينِ الأَموات، بِهذا الاِسمِ يَقِفُ أَمامَكم ذاك الرَّجُلُ مُعافًى».

        الشخصيات المذكورة معروفة جيداً: حَنَّانُ عَظيمُ الكَهَنَةِ وقَيافا وهم حاضرون في حدث آلام المسيح. بطرس موجود أمام الناس الذين سبق أن سلّموا يسوع للموت. في هذه الليلة بينما كان يسوع يعترف برسالته الإلهية، كان بطرس ينكره. كيف يمكنه أن ينسى ذلك، وهو الآن في مواجهة المحكمة ذاتها ومُعرّض للموت عينه؟ في المكان الذي انهار فيه بطرس منذ فترة قريبة، ها هو الآن يأخذ مكان يسوع ويجيب باسمه متأكداً بأن الوعد الذي أعطاه إياه معلمه ليس كلاماً فارغاً: « وعندَما تُساقونَ إِلى المَجامِعِ والحُكَّامِ وأَصحابِ السُّلطَةِ، فلا يُهِمَّنَّكُم كَيفَ تُدافِعونَ عن أَنفُسِكم أَو ماذا تَقولون، لأَنَّ الرُّوحَ القُدُسَ يُعَلِّمُكم في تِلك السَّاعةِ ما يَجِبُ أَن تَقولوا » (لو 12، 11- 12).

 

        يسوع غير المرئي والحاضر: خبرة بطرس قطعية ونفهم بأن يسوع أسس كنيسته على هذا الرجل. خبرته هي تماماً خبرة الكنيسة أثناء ولادتها. ما عاشه التلاميذ مع يسوع، ما قام به أمامهم، في الوقت الذي كانوا فيه مجرد مشاهدين، ما كان الوحيد القادر على القيام به، الآن هم قادرون عليه، بقوته هو.

        أكثر من ذلك، ما كان يقوم به يسوع فيهم بنوره وبكلمته، بحرارته وبحضوره، بقوة شخصيته، ما كان يخلقه فيهم بكل صبر من شجاعة وتعلق بشخصيته ومن إيمان بالله، ما كان يُنضجه ببطء بعلاقته معهم، ها هم الآن يختبرونه ناضجاً، خصباً، متيناً، في الوقت الذي هو غائب من بينهم. فكل شيء يأتيهم منه وبالتالي لا شيء تغيّر: لا يزالون هم نفسهم، كرماء وهشين، بينما يسوع على العكس قام من الموت يحيا في مجد الآب، لا يمكن الوصول إليه، يبدو متحولاً بشكل جذري، ويعيش في عالم جديد. في الواقع القيامة لم تغير شيئاً فيه، إنمّا تُظهر على العكس كل ما هو عليه. إنها تنشر في أرجاء المعمورة العمل الذي كان يقوم به ضمن حدود شعب صغير ومن خلال حياة إنسان. فيسوع الذي يتكلم من خلال بطرس المُستجوَب من قبل عظماء الكهنة هو نفسه يسوع الذي كان يدعو سمعان لكي يترك سفينته ويتبعه. يسوع الذي يتكلم من خلال الكنيسة هو نفسه الذي كان يعلن في الجليل التطويبات.

 

        بطرس وبولس: بطرس ورفقاؤه لا يشكلون سوى نواة صغيرة جداً ضمن البشرية. إذا كانت خبرتهم هي التي تشكل الكنيسة، فهذا يعني أنه كان عليها أن تموت معهم: هم وحدهم استطاعوا التأكد من وحدة الهوية بين يسوع الناصري ويسوع الذي يتكلم من خلالهم. لكن بطرس لم يبقى وحيداً، فالله حثَّ بقربه رسولاً آخر، خبرة مختلفة: بولس الرسول. والله وحدّ بطرس وبولس في الدعوة نفسها، في الرسالة الإنجيلية ذاتها.

        بولس لم يعرف يسوع التاريخي، أثناء حياته الأرضية، حتى ولو التقى به في إحدى شوارع القدس، حتى ولو سمعه يتكلم، بقي يسوع غريباً بالنسبة له. لا نجد أي أثر في رسالاته لذكرى عاشها معه. بولس لا يعرف التقليد الإنجيلي إلاَّ بدرجة ثانية إن صح التعبير. بخصوص العشاء الأخير والقيامة فهو مرتبط، تابع لما استقبله من خلال انتسابه إلى الكنيسة «سلّمت إليكم قبل كل شيء ما تسلمته أنا أيضاً». لقد تم عماده ككل الأجيال المسيحية قبله وبعده. لكن تم القبض عليه من قبل المسيح، والذي قبض عليه هو نفسه الذي بذل حياته من أجله، يسوع المصلوب. بولس كبطرس لا يمكنه أن يفصل في يسوع بين الإنسان الميت وسيد المجد. حياته الحاضرة، حياته كرسول في الكنيسة، هي حياة المسيح الذي أحبّه وبذل نفسه من أجله. من هنا تتم العملية المعاكسة إن صح التعبير، أي إن حياة بولس تكمن في أن تلتحق على مشنقته بيسوع المصلوب: « لأَنِّي بِالشَّريعةِ مُتُّ عنِ الشَّريعةِ لأَحْيا لله، وقد صُلِبتُ مع المسيح فما أَنا أَحْيا بَعدَ ذلِك، بلِ المسيحُ يَحْيا فِيَّ. وإِذا كُنتُ أَحْيا الآنَ حَياةً بَشَرِيَّة، فإِنِّي أَحْياها في الإِيمانِ بِابنِ اللهِ الَّذي أَحبَّني وجادَ بِنَفْسِه مِن أًَجْلي. فلا أُبطِلُ نِعمَةَ اللّه. فإِذا كانَ البِرُّ يُنالُ بِالشَّريعة، فالمَسيحُ إِذًا قد ماتَ سُدًى» (غلا 2، 19 -21).

        خبرة كل من بطرس وبولس تلتقيان وتتطابقان. بدخولهما في عالم مجهول (العالم اليوناني والعالم الروماني) وبعيشهما لظروف جديدة كلية، مرغمون أن يجدوا حلولاً جديدة ويعطوا لأنفسهم هوية لكي يوجدوا، شكّل التلاميذ جسداً واحداً. منذ البداية، كنيسة اليوم والكنيسة الأولى تأسست على الوعي بأنها ولدت في العالم من قبل يسوع الذي بذل نفسه وتحيا كل يوم من حضور معلمها.

 

 

        بعض التساؤلات المساعدة:

 

1- «يسوع نعم، الكنيسة لا!» أي موقف، أي تصرف من حولنا يذكرّنا بذلك؟ ما هو سببها؟ تصرفات الكنيسة؟ أي منها؟ انتظارات نتوقعها منها؟ أي انتظارات؟ كيف يمكن لهذه المحاضرة أن تغيّر هذا المفهوم؟ في بعض الأحيان نحلم بكنيسة سوبر إنسانية. ألا يعود ذلك لمفهوم خاطئ عن الوحي المسيحي؟ كيف يكشف الله عن نفسه في العهد القديم؟ كيف يستمر عمل المسيح اليوم؟ كيف يمر الوحي، مهما كانت الظروف، من خلال الإنسان؟

2- المسيحيون يريدون أحياناً أن تكون الكنيسة قد خرجت مباشرة وبشكل جاهز من عمل وكلمة يسوع. ما الذي يتعارض مع هذا الوهم من خلال المحاضرة وفي العهد الجديد؟

        بأي معنى يمكننا القول بأن يسوع أسس الكنيسة؟ هل هو المؤسس  كالذين أسسوا الرهبانيات؟ أم هو الأساس وحجر الزاوية؟ مؤسس بقيامته ولكن كيف؟ أي نتيجة يمكننا الوصول إليها من خلال هذا التمييز مثلاً بخصوص التنظيم داخل الكنيسة (الكهنوت، الأسرار الخ.)

        وإذا كان البعد، الهوة بين يسوع والكنيسة ليس بعيب ولا بضعف، بل غنى؟ لنبحث عن نصوص في العهد الجديد التي تضعنا على هذا الطريق بشكل خاص في إنجيل يوحنا. ما المدهش فيما تقوله؟ أليس الموضوع هو الإيمان بالروح القدس؟  

3- في الليتورجيا تُعلن النصوص على أنها كلمة الله. فما هو السبب؟ هل هي كلمات يسوع؟ ليس بالضرورة. إذن ما الفرق بين كلمات يسوع وكلمات الله؟ وما هو دور الكنيسة في إعداد هذه النصوص؟

        هناك من يقول «المسيح يحارب هذه الكنيسة». كثر من يتحدثون عن أخطاء في الكنيسة قد تكون خطيرة. يمكننا أن نجد بعض النصوص في العهد الجديد تنتقد هذا النوع من التصرفات أو بعض الأشخاص في الكنيسة. بعضها قاس جداً. ومع ذلك فهي كُتبت بعد ولادة الكنيسة بين العام 70 – 100 ولم نكن نستطيع معرفتها لو لم تكتبها الكنيسة ذاتها وتنقلها لنا. ما ذا يعني ذلك بخصوص الكنيسة وعلاقتها بالإنجيل؟

4- ما هو مكان ولادة الكنيسة  في خبرة الفصح لدى الرسل؟ هل هو شريعة للإيمان المسيحي؟ لننظر إلى روايات القيامة وما يتبعها وبداية كتاب أعمال الرسل.

5- إذا كان علينا القبول بأن الكنيسة كانت أمينة ليسوع بابتعادها عمّا قاله وفعله (رسالة، الذين تتوجه إليهم، نمط الحياة، العماد، العمل الرسولي الخ)، أي ضوء يسلط هذا الأمر على كنيسة اليوم؟

 

جديد الموقع
أسئلة وأجوبة
يعطيك العافية ابونا انا اسمي حسين عندي متل سؤال عم دور عأجوبة وكمل بحوثي من خلالو وهوو اصل الروح الها جنس؟ (السؤال) هوو الروح هل لها جنس او اذا مالها جنس كيف الطريقة او هل خيرت انها تختار جسد ذكوري او انثوي.. هل تم تخيير الروح.. هل تم توزيعها بارادة عليا.

الروح مبدأيا هو روح الله وبالتالي لا جنس له. الروح مرتبط بالإنسان بمعنى أن الروح هو من يعبر على ما يميز الإنسان عن باقي الخليقة. بمعنى آخر عندما خلق الله الإنسان خلقه جسد ووضع فيه من روحه.

هل من فرق بين إنسان طيب القلب وإنسان يمتلك المحبة وهل من رابط بينهما

القلب الطيب دليل مهم على المحبة. ما من أحد يمتلك المحبة إنما العكس صحيح أي المحبة هي التي تمتلكه