header logo
مُسَامَحَة العدوِّ أسهَل مِن مُسَامَحَة الصَديق

الميلاد والكنيسة

الميلاد والكنيسة

 

اعتدنا منذ زمن بعيد، في زمن التهيئة للميلاد، أن نركز على أهمية ولادة الطفل يسوع في قلوبنا لكي يغيرنا ويجعل منّا أكثر إيماناً، أكثر على صورته كمثاله. وكتعبير عن هذا الأمر تقوم مختلف الجمعيات المسيحية والأنشطة الكنسية بالاهتمام بالأشخاص العزولين وبالفقراء سواء بزيارة مأوي العجزة أو بتوزيع بعض لوازم العيد للفقراء والمحتاجين.

دون التحدث عن الحجم الكبير الذي تأخذه المظاهر الخارجية: شجرة الميلاد، المغارة، الخ. ونقرأ في هذه الفترة أن الكنيسة المعينة أو المجموعة المحددة صنعت أكبر مغارة أو أكبر شجرة مع تدشين لها باحتفال رسمي وشعبي إن صح التعبير.

كل هذه الأمور لا بأس بها لكنها تطرح علينا سؤال مهم للغاية وكلنا نتساءله دون القيام بأي تصرف مختلف: هل هذا هو جوهر عيد الميلاد بالنسبة لنا نحن المسيحيين؟ قبل التحدث عن جوهر الميلاد، علينا الانتباه إلى أمر مهم جداً وهو أن الإيمان المسيحي هو أساساً إيمان جماعي، أي يُعاش على صعيد الجماعة، دون أن ينفي الإيمان الفردي.

والمسيح يقول لنا «كلّما اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمي فأنا أكون بينهم». كما أن أول أمر قام به المسيح في حياته العلنية هو اختيار التلاميذ لعيشوا معه ويرافقوه ويتبعوه. بمعنى آخر أول أمر قام به هو تأسيس جماعة لتكون جماعة مسيحية تعيش منه ومعه ولكي، بعد القيامة تتابع رسالته في العالم.

فالمسيحي لا يمكنه أن يعيش إيمانه بعيداً عن الجماعة. وتلميذي عمّاوس عندما التقوا مع القائم من بين الأموات ذهبوا مباشرة ليعلنوا الخبر للجماعة، لكي تعطيهم تأييدها لما حدث. قد يكون السؤال الذي تحاورتم به في الحلقات فاجأكم ولكن هل يمكننا أن نفصل الميلاد عن الكنيسة؟

ليس من العبث أن الكنيسة تُدعى جسد المسيح السري. فإذا كانت الكنيسة جسد، فككل جسد هي في نمو وكل نمو هو، بطريقة أو بأُخرى ولادة جديدة. ونحن عندما نلتقي بإنسان لم نراه منذ زمن طويل نقول عنه كم تغير، بالكاد عرفته. فالكنيسة هي جسد المسيح السري، والكنيسة هي أيضاً جماعة المؤمنين.

والجماعة تختلف عن المجموعة. المجموعة هي عبارة عن مجموعة من الأشخاص يلتقون حول مشروع معين: مجموعة من الأطباء يلتقون لتنفيذ مشروع مستشفى، أو مجموعة من المهندسين يلتقون حول مشروع هندسي معين، وبالتالي يمكننا القول بأن المجموعة تنتهي مع نهاية المشروع، تموت لأنه لم يعد هناك من مبرر لوجودها.

هذا لا يمنع من تكوين صداقات أو علاقات حميمة بين بعض أشخاص المجموعة، وهذه الصداقة قد تدوم حتى بعد نهاية المشروع؛ لكن خارج عن المجموعة وجود الأشخاص هو وجود شخصي بحت لا علاقة له بالمجموعة. وما عاشوه أثناء العمل المشترك يتحول إلى مجرد ذكرى قد تكون جميلة أو لا.

بينما موضوع الجماعة، وجود الجماعة فهو أمر مختلف تماماً. ما يميز الجماعة، ما يجعلنا نسمي هذه المجموعة من الأشخاص جماعة هو وجود روح الجماعة. هذا يعني أن كل فرد من هذه الجماعة هو جزء منها، يحملها معه أينما وجد، حتى ولو هو حالياً ولسبب ما بعيداً عن بقية أفرادها، يبقى واحداً منها، لأن روح هذه الجماعة أصبحت جزءاً لا يتجزأ منه.

فالمسيحي ينتمي لروحانية الإنجيل وهو مسيحي حتى وإن وجد وحيداً على جزيرة منفية. لأن تصرفاته، علاقاته كل ما يقوم به ينطلق من روح الإيمان المسيحي الذي ينتسب وينتمي إليه. إنه يعيش إيمانه المسيحي انطلاقاً ومن خلال الكنيسة.

فروح الجماعة هو الذي يجعلني أنتمي إليها وأكون جزءاً لا يتجزأ منها. فالجماعة، كالأفراد لها الأنا الخاصة بها والتي ليست مجموع أنا الأفراد. لها اللاوعي الخاص بها، وأخيراً وليس آخراً لها هدف تسير نحوه وهو تحقيق الجماعة.

فالجماعة تُصنع كل يوم فهي ليست جامدة، ثابتة وهذا ما رأيناه عندما تكلمت عن الفراغ والمسافة بين القيامة والكنيسة. حيث رأينا بأن التلاميذ لم يكونوا يكرروا ببغائياً ما قاله وعمله المسيح. وكما يقول أحد اللاهوتيين: بشر يسوع بالملكوت، فالكنيسة هي التي أتت.

الظروف التي عاشها يسوع تختلف كثيراً عن ظروف التلاميذ بعد القيامة. ودخول التلاميذ في عالم مجهول، العالم اليوناني والعالم الوثني، عيشهم في ظروف جديدة كلية، مرغمين أن يجدوا حلولاً جديدة ويعطوا لأنفسهم هوية لكي يوجدوا، شكل التلاميذ جسداً واحداً.

ونحن اليوم. ألسنا في عالم جديد يعيش مخاض ولادة عسيرة ويطرح علينا العديد من التساؤلات والتحديات التي علينا الإجابة عليها؟ فكنيسة اليوم، كالكنيسة الأولى، تعي بأنها ولدت في العالم من قبل يسوع الذي بذل نفسه لأجلها وتحيا كل يوم من حضور معلمها.

كل ما كان يقوم به الرسل، كان القائم من بين الأموات هو الذي يقوم به من خلالهم، من خلالهم كجماعة. ما عاشه التلاميذ مع يسوع، ما قام به أمامهم، ما كان هو الحيد القادر على القيام به، الآن هم قادرون عليه.

كل ما هيء يسوع له أثناء حياته الأرضية، أصبح الآن ناضجاً، خصباً متينا فيهم مع أنه أصبح غائباً عنهم. كل شيء يأتيهم منه ولا شيء تغير: لا يزالون هم أنفسهم، كرماء لكنهم هشين. وبالتالي علينا كمراكز التربية المسيحية ــــــ وهي بمثابة كنائس صغيرة ــــ أن نعي بأننا مدعوين لكي ندع القائم من بين الأموات يعمل فينا ومن خلالنا كمراكز أي كجماعة وبالتالي ككنيسة.

ليتحقق هذا الأمر، علينا، على مثال التلاميذ والكنيسة الأولى أن نختبر حضور الله فينا وبيننا وذلك من خلال قراءتنا للقاءاتنا التربوية متسائلين دائماً أين كان الله في هذا أو ذاك اللقاء؟ وعلى الجواب أن يأتي من خلال أمور بسيطة جداً وليس من خلال أمور خارقة عجائبية.

مثلاً قد يكون من خلال جواب ملفت للانتباه من خلال طفل أو شاب مشارك في اللقاء، أو من خلال تصرف مسامحة أو مغفرة، أو قبول الأطفال والشباب لاختلافات بعضهم. ممّا يعني أنه علينا كجماعة مربين أن نتدرب على قراءة علامات الأزمنة لننقلها لمن نتعامل معهم.

 لا ننسى أننا نحن الكنيسة ــ جماعة المؤمنين.  وبالتالي في كل مرّة نسعى فيها لنكون جماعة، لنخلق ونصنع الجماعة ـــ لأن الجماعة تُصنع باستمرار لأنها ليست جامدة، ونحاول كجماعة الإجابة على التحديات والتساؤلات التي يواجهنا فيها مجتمع اليوم نكون في صدد تحقيق ولادة جديدة للكنيسة وعيش الميلاد على أنه ميلاد للكنيسة.

وبما أن المسيح يولد دائماً فينا، إذا سمحنا له بذلك، فهذه العملية عليها أن تكون مستمرة ولا تتوقف مباشرة بعد نهاية الاحتفالات الميلادية. فكل مركز مدعو ليكون جماعة مسيحية، أي كنيسة حيّة حيثما يوجد. بالمقابل، لكي يستطيع القائم من بين الأموات أن يعمل فينا ومن خلالنا، لا بد من أن نكون جماعة صلاة، جماعة تصلي.

وجودنا كجماعة تصلي هو أفضل شهادة يمكن أن نؤديها أمام من نتعامل معهم في مراكزنا لا بل أكثر من ذلك، وجودنا كجماعة يشكل شهادة أهم بكثير من كل ما نقدمه لهم خلال السنة. وصلاتنا عليها أن تكون على مثال صلاة الجماعة المسيحية الأولى التي عندما كانت في خطر أمام السلطات المعادية لم تصلي لكي يحميها الله من هذا الخطر، إنما ليساعدها على أن تستمر في نشر كلمته.

«فلمّا أُطلق سراحهما (بطرس ويوحنا) رجعا إلى أصحابهما واخبراهم بكلّ ما قال لهما عظماء الكهنة والشيوخ. وعند سماعهم ذلك، رفعوا أصواتهم إلى الله بقلب واحد فقالوا: يا سيّد، أنت صنعت السماء والأرض والبحر وكلَّ شيء فيها. أنت قُلتَ على لسان أبينا داود عبدك بوحي من الروح القدس: لماذا ضجّت الأمم، وإلى الباطل سعت الشعوب؟ ملوك الأرض قاموا، وعلى الربّ ومسيحه تحالف الرؤساء جميعاً.

تحالف حقَّا في هذه المدينة هيرودس وبنطيوس بيلاطس والوثنيون وشعوب إسرائيل على عبك القدوس يسوع الذي مسحته. فأجروا ما خطّته يدك من ذي قبل وقضت مشيئتك بحدوثه، فانظر الآن ياربّ إلى تهديداتهم، وهب لعبيدك أن يُعلنوا كلمتك بكلّ جرأة باسطاً يدك ليجري الشفاء والأعاجيب باسم عبدك القدوس يسوع. وبعد أن وصلوا زُلزِلَ المكان الذي اجتمعوا فيه. وامتلأوا جميعاً من الروح القدس فأخذوا يُعلنون كلمة الله بجرأة». (أع 4، 23- 31).

فالصلاة التي قرأناها لا تهدف إلى اعتبار الشر المرتكب ضد التلاميذ بسبب إيمانهم، بل الشر الذي ضحيته هي الكلمة، مُكبّلة، مفروض عليها الصمت بالقوة، مخنوقة بالتهديد. فالصلاة هنا تبدو أنها الوسيلة الأساسية للتعبير في الجماعة، طريقتها الخاصة والمميّزة في مواجهة الظروف الصعبة.

فبالنتيجة، عندما تكون الجماعة في لحظة مؤلمة حيث عليها الدفاع عن حياتها تتحد لتصلي، هذا يعني أنها تقوم بالخطوة الأولى لتثبيت ذاتها واستعادة هويتها ما وراء وقبل كل أشكال العمل الأخرى.

ما الذي يسمح بتحقيق الجماعة؟ الذي يصنع الجماعة هو أولاً انتمائي لها أي أن أتبنى روح الجماعة والسعي لعيش مسيحيتي انطلاقاً من روح هذه الجماعة، بمعنى آخر أن أحاول أن أعيش مسيحيتي مع جماعتي ومع من أعمل معهم أطفالاً كانوا أم شبان.

هذا يعني أيضاً أن أعطي من ذاتي لهذه الجماعة، أي أن لا أخاف أن أُشارك بخبراتي أياً كانت سلبية أم إيجابية: ليس المهم أن تكون خبرتي مميزة ورائعة وووو المهم أن أُشارك بها وبهذه الطريقة أُعطي من ذاتي وأٌفيد الآخرين منها؛ فالخبرة السلبية هي بنفس فائدة الخبرة الإيجابية.

أُعطي من ذاتي بمشاركتي الآخرين بفرحي وحزني وآلامي وسعادتي أيضاً. باختصار أُشارك بحياتي وعندما يتشارك كل منّا بحياته نخلق الجماعة وخاصة نجعلها جماعة حيّة وهذا ما يحمينا من الوقوع بالروتين والملل.

وبقدر ما أٌعطي من ذاتي بقدر ما أكون حجراً حياً في هذه الجماعة وأعمل على بنائها وتحقيقها، لأنه لا وجود لجماعة جاهزة، مفصلة مسبقاً، إنما على أعضائها من خلال مشاركاتهم وحواراتهم أن يصنعوا باستمرار الجماعة. سؤال آخر مهم: هل أعيش الجماعة من أجلي أو أنا من أجل الجماعة؟ أعمال الرسل يقول: «وكانَ جَماعَةُ الَّذينَ آمَنوا قَلبًا واحِدًا ونَفْساً واحِدة، لا يَقولُ أَحدٌ مِنهم إِنَّه يَملِكُ شَيئًا مِن أَموالِه، بل كانَ كُلُّ شَيءٍ مُشتَرَكًا بَينَهم».

فالمال الذي علينا المشاركة به هو، إن صح التعبير، ذاتنا، خبراتنا، حياتنا.

هكذا نعمل على ولادة الكنيسة على مثال الكنيسة الأولى حيث ما نقوم به، القائم من بين الأموات هو الذي يقوم به من خلالنا. والمسيح يقول لنا في إنجيل يوحنا: «الحَقَّ الحَقَّ أَقولُ لَكم: مَن آمَنَ بي يَعمَلُ هو أَيضاً الأَعمالَ الَّتي أَعمَلُها أَنا بل يَعمَلُ أَعظَمَ مِنها لأَنِّي ذاهِبٌ إِلى الآب».

أخيراً أقول، إذا كانت القيامة هي التي تشرح الولادة وتعطيها معناها، والكنيسة تقول بأن القائم من بين الأموات قام من خلال الكنيسة، جماعة المؤمنين، فكم بالأحرى على الكنيسة أن تولد معه لتعيش قيامتها وتكون كنيسة تتجه باتجاه الكنيسة المرجوة: واحدة، جامعة، مقدسة ورسولية. 

جديد الموقع
أسئلة وأجوبة
يعطيك العافية ابونا انا اسمي حسين عندي متل سؤال عم دور عأجوبة وكمل بحوثي من خلالو وهوو اصل الروح الها جنس؟ (السؤال) هوو الروح هل لها جنس او اذا مالها جنس كيف الطريقة او هل خيرت انها تختار جسد ذكوري او انثوي.. هل تم تخيير الروح.. هل تم توزيعها بارادة عليا.

الروح مبدأيا هو روح الله وبالتالي لا جنس له. الروح مرتبط بالإنسان بمعنى أن الروح هو من يعبر على ما يميز الإنسان عن باقي الخليقة. بمعنى آخر عندما خلق الله الإنسان خلقه جسد ووضع فيه من روحه.

هل من فرق بين إنسان طيب القلب وإنسان يمتلك المحبة وهل من رابط بينهما

القلب الطيب دليل مهم على المحبة. ما من أحد يمتلك المحبة إنما العكس صحيح أي المحبة هي التي تمتلكه