header logo
مُسَامَحَة العدوِّ أسهَل مِن مُسَامَحَة الصَديق

الوحدة الكنسية وهم أم واقع؟

«لا أَدْعو لَهم وَحدَهم بل أَدْعو أَيضاً لِلَّذينَ يُؤمِنونَ بي عن كلامِهم فَلْيكونوا بِأَجمَعِهم واحِداً: كَما أَنَّكَ فِيَّ، يا أَبَتِ، وأَنا فيك فَلْيكونوا هُم أَيضاً فينا لِيُؤمِنَ العالَمُ بِأَنَّكَ أَنتَ أَرسَلتَني. وَأنا وَهَبتُ لَهم ما وَهَبْتَ لي مِنَ المَجْد لِيَكونوا واحِداً كما نَحنُ واحِد: أَنا فيهِم وأَنتَ فِيَّ لِيَبلُغوا كَمالَ الوَحدَة ويَعرِفَ العالَمُ أَنَّكَ أَنتَ أَرسَلتَني وأَنَّكَ أَحبَبتَهم كَما أَحبَبتَني (....) عَرَّفتُهم بِاسمِكَ وسأُعَرِّفُهم بِه لِتَكونَ فيهمِ المَحبَّةُ الَّتي أَحبَبتَني إِيَّاها وأَكونَ أَنا فيهِم»

نص الإنجيل الذي قرأناه هو جزء ممّا نسميه صلاة يسوع الكهنوتية. لا يمكننا فهم هذه الصلاة بعمقها إلاّ إذا وضعناها ضمن إطارها العام والذي هو عيد الغفران لدى شعب العهد القديم.

في هذا العيد، يقوم عظيم الكهنة بالكفّارة أولاً عن ذاته، ثم عن بقية الكهنة وأخيراً عن الشعب كله. الهدف هو إعطاء الشعب، بعد كل انتهاكات وتجاوزات السنة، الوعي لمصالحته مع الله.

صلاة يسوع هذه، لها بنية عيد الكفارة أو المغفرة. في هذه الليلة، يتوجه يسوع لأبيه في اللحظة التي سيبذل فيها ذاته. يصلي لنفسه، لتلاميذه ولجميع الذين سيؤمنون به، وأخيراً من أجل الكنيسة في كل الأزمنة: «لا أَدْعو لَهم وَحدَهم بل أَدْعو أَيضاً لِلَّذينَ يُؤمِنونَ بي عن كلامِهم».

بصلاته لأجل ذاته يطلب أن يُمجّد، أن يُرفع في هذه الساعة، ساعته. في الواقع، إنه أكثر من مجرد طلب، إنه إعلان ملء استعداده للدخول، بحرية وبلا حدود، في مخطط الله الآب الذي يتحقق ببذل ذاته، من خلال موته وقيامته.

هذه الساعة تبدأ بخيانة يهوذا وتبلغ ذروتها بصعود القائم من بين الأموات إلى الآب. في العشاء الأخير، عندما يغادر يهوذا العلية، يقول يسوع: «الآنَ مُجِّدَ ابنُ الإِنسان ومُجِّدَ اللهُ فيه». فليس من باب الصدفة أن يبدأ صلاته الكهنوتية: «يا أَبتِ، قد أَتَتِ السَّاعة: مَجِّدِ ابنَكَ لِيُمَجِّدَكَ ابنُكَ».

فالمجد الذي يطلبه يسوع لذاته، هو دخوله في الطاعة الكاملة للآب، طاعة تقوده لبنوته التامة: «فمَجِّدْني الآنَ عِندَكَ يا أَبتِ بِما كانَ لي مِنَ المَجدِ عِندَكَ قَبلَ أَن يَكونَ العالَم». هذا الاستعداد وهذا الطلب يشكلان العمل الأول من كهنوت يسوع الجديد، والذي يكمن في العطاء الكلي لذاته على الصليب.

فعلى الصليب ـــ عمل الحب الأسمى ـــ مُجِّد يسوع، لأن الحب هو المجد الحقيقي، المجد الإلهي. اللحظة الثانية لصلاة يسوع هي شفاعته لتلاميذه الذين كانوا معه: «أَظهَرتُ اسمَكَ لِلنَّاسِ الَّذينَ وَهَبتَهُم لي مِن بَينِ العالَم. كانوا لَكَ فَوهبتَهُم لي وقَد حَفِظوا كَلِمَتَكَ».

إظهار اسم الله للبشر يعني تحقيق حضور جديد للآب في البشرية. هذا الإظهار هو واقعي في يسوع، لأن الله فينا، ولكون يسوع واحد منا، فهذا الحضور قد تحقق.

في مركز صلاة الشفاعة والمغفرة لتلاميذه، هناك طلب التكريس: «لَيسوا مَنَ العالَم كَمَا أَنِّي لَستُ مِنَ العالَم. كَرِّسْهُم بالحَقّ إِنَّ كلِمَتَكَ حَقّ. كَمَا أَرسَلَتني إِلى العالَم فكَذلِكَ أَنا أَرسَلتُهم إِلى العالَم وأُكَرِّسُ نَفْسي مِن أَجلِهمِ لِيَكونوا هم أَيضاً مُكَرَّسينَ بِالحَقّ.».

كلمة التكريس حرفياً، لا تطبَّق إلاّ على الله. فالتكريس يعني تحويل شخص أو شيء، فصله ووضعه جانباً، ليكون ملكاً لله. فأن يكون الإنسان مفصولاً، أن يكون ملكاً الله، هذا يعني الإرسال، الرسالة. فالإنسان المُكرَّس، لكونه مُعطى لله، فهو موجود من أجل الآخرين، إنه مُعطى للآخرين.

والتكريس هو بهدف رسالة من أجلها يضع المكرس ذاته تحت تصرف الله بالكامل. في مساء الفصح، لدى ظهور القائم من بين الأموات للتلاميذ، يقول لهم: «السَّلامُ علَيكم! كما أَرسَلَني الآب أُرسِلُكم أَنا أَيضاً».

والعمل الثالث لهذه الصلاة يكمن في شمولية النظر إلى نهاية الأزمنة. لذلك يتوجه الآن يسوع إلى الآب ليتشفع من أجل جميع من سيؤمنون به بفضل الرسالة التي دشنها التلاميذ ولا تزال مستمرة عبر التاريخ: «لا أَدْعو لَهم وَحدَهم بل أَدْعو أَيضاً لِلَّذينَ يُؤمِنونَ بي عن كلامِهم».

لكن الطلب المركزي في صلاة يسوع، يبقى صلاة الوحدة المستقبلية لمن سيؤمنون به. هذه الوحدة تأتي حصرياً من الوحدة الإلهية وتأتي من الآب إلينا من خلال الابن في الروح القدس. هذه الوحدة هي بكثافة وعمق وحدته مع الآب. هذه الوحدة ليست وحدة الاندماجية. فالاندماجية قاتلة، إنما وحدة مؤسسة على الحبّ، وحدة تتحقق من خلال الاختلاف على مثال وحدة الثالوث.

هذه الوحدة عليها أن تمس كل مجالات الحياة: الوطن، العائلة والصداقة.

الوطن: أي تحدي لبناء وحدة حقيقية من خلال الاحترام وقبول الاختلاف، اختلاف الثقافات المكونة له واللغات.

العائلة: أي تحدي هائل ورائع في الوقت نفسه للكوبل بأن يحقق وحدة عميقة حيث كل ما يصيب الواحد يصيب الآخر، حيث هموم الآخر تأخذ مكان الهموم الذاتية في احترام لسر الشخص في فرادته التي لا تتغير. وكلنا نعلم تفاقم المشاكل الزوجية والعائلية حيث تفككت العائلة بسبب الهجرة وغيرها.

الصداقة: أي تحدي هائل أخيراً أن نعيش الصداقة والأخوّة كمدرسة للوحدة التي تهدف لتنمية الآخر في ما أعطاه الروح من مميز. أي سر في أن نكون جميعاً مخلوقين على صورة الله وفريدين في أنٍ معاً.

إنه يصلي «فَلْيكونوا بِأَجمَعِهم واحِداً: كَما أَنَّكَ فِيَّ، يا أَبَتِ، وأَنا فيك فَلْيكونوا هُم أَيضاً فينا لِيُؤمِنَ العالَمُ بِأَنَّكَ أَنتَ أَرسَلتَني». من جهة، وحدة المسيحيين هي واقع سري، حاضرة في قلوب المؤمنين.

ولكن في الوقت نفسه، عليها أن تظهر في التاريخ بوضوح كامل، لكي يؤمن العالم. تظهر في الأماكن التي تحدثنا عنها منذ لحظة. وبما أن وحدة تلاميذ المستقبل هي الوحدة مع يسوع، فهي أيضاً نبع ومصدر فعالية الرسالة المسيحية في العالم. 

هكذا، ما يعيشه يسوع مع الآب، هو النموذج الذي يريد أن نعيشه في علاقاتنا مع بعضنا البعض: بين الدول، بين الأزواج والأخوة. اتحاد عميق واحترام هائل للآخر. فالوحدة يجب ألاَّ تخيفنا بل يجب أن تُعاش كطريقة لتنمية الآخر، تنمية الخصوصية الفريدة لكل إنسان.

الله فريد لكنه ليس وحيداً؛ الله ملك لكنه ليس ظالماً. إنه يريد الوحدة لكنه لا يريد التوحيد، لا يريد وحدة تلغي غنانا. فالله لا يكون فريداً عندما يختزل كل شيء بالأمر الواحد، بإلغاء الفرديات، بل عندما يكون كل واحد هو ذاته وقد أصبح فريداً.

هكذا تتم نبوءة زكريا التي تقول: «ويَكونُ الرَّبُّ مَلِكاً على الأَرضِ كُلِّها، وفي ذلك اليَوم، يَكونُ رَبٌّ واحِدٌ واسمُه واحِد» (زك 14، 9). صلاة يسوع تلتحق بصلاة زكريا التي تأخذ القصد الأولي لله: إنسانية واحدة، ربّ واحد وواحد يكون اسمه.

 آنذاك يصبح الله الكل في الكل كما يقول بولس الرسول دون أن يتوقف أحد أن يكون فريداً وله مكانه في المدينة المقدسة.

وبالتالي، يمكننا القول أنه في صلاة يسوع الكهنوتية، تتحقق الكنسية المرجوة. أثناء العشاء الأخير، يؤسس يسوع الكنيسة. فالكنيسة هي جماعة التلاميذ التي، بالإيمان بيسوع المسيح كمرسل من الآب، تستقبل وحدتها وهي مشاركة في رسالة يسوع لخلاص العالم بقيادتها له للاعتراف بالله.

يصلي يسوع ليكون تلاميذه واحداً. فالكنيسة، قوية بهذه الوحدة، يمكنها أن تتقدم في العالم دون أن تكون من العالم وتحيا رسالتها المؤتمنة عليها لكي يؤمن العالم بالابن وبالآب الذي أرسله.

هكذا تصبح الكنيسة المكان حيث تستمر وتمتد رسالة المسيح والتي تكمن في إخراج العالم والإنسان من الخطيئة، ليعود هذا العالم، مجدداً، عالم الله. هكذا تصبح الكنيسة فعلياً جسد المسيح، حضوره الفعّال في العالم.

ولكن إذا صلّى يسوع من أجل وحدة التلاميذ ووحدة البشرية، فهذا يعني أنه مدرك تماماً لصعوبة الأمر لكونه يعرف ما في باطن الإنسان، يعرف حقيقة الإنسان، ضعفه وقوته، غناه وفقره. ومع كل ذلك فهو يثق بالإنسان كما هو واضح في مثل الابن الضال. والملفت للانتباه أنه يصلّي من أجل الوحدة ولا يطلبها منَّا لكونه يعلم عجزنا عن تحقيقها وبالتالي علينا استقبالها من الله.

اسمحوا لي أن ألفت الانتباه إلى هذه الناحية (العجز) التي، في الكثير من الأحيان، تجعلنا نشعر بأن الإيمان المسيحي صعب وصعب جداً. عندما نتأمل في مثل الزارع أو نستشهد به، فغالباً لنقول أنه علينا أن نعطي ثماراً. وننسى بأن الثمار تأتي من البذرة، كلمة الله ونحن مجرد أرض قد تكون مستقبلة أو رافضة.

إذا كان الأمر بهذه الصعوبة، إذا كنَّا عاجزين على تحقيقها، فالسؤال ما الذي يمنعنا من تحقيق الوحدة ليس فقط بيننا إنما مع الآخرين المختلفين عنّا؟ وما هو سبب عجزنا على تحقيقها؟ عندما نتعمق في مفهوم وأهمية الحياة الروحية، نكتشف بأن أحد أهدافها أو نتائجها هي وحدة الشخص الإنساني، وحدة أو توحيد رغباته.

فالشخص الإنساني هو كائن منقسم غير موحد ولا يمكن توحيده. ومكان الانقسام هذا هو مكان تحقيق إنسانيته وبالتالي ألوهيته من خلال قبوله لاستحالة تلبية رغبته العميقة بالشكل الكامل. وهذا ما نسميه بالنقص، العلامة المميزة للإنسان.

 بلغتنا الإنسانية نقول بأن هذا الانقسام يظهر من خلال وجود الوعي واللاوعي، من خلال الرفض المتبادل بين الرجل والمرأة، من خلال الصراع بين الفرد والمجتمع، والسلسلة تطول وتطول.

لا شك أن أفضل من عبّر عن هذا الانقسام هو القديس بولس الرسول عندما يقول: «الخير الذي أريده لا أفعله والشر الذي لا أريده فإياه أفعل» (رو 7، 19). كما أنه يعبّر عن الموضوع نفسه بطريقة أخرى عندما يتحدث عن التعارض بين ثمار الجسد وثمر الروح في رسالته إلى أهل غلاطية.

والملفت للنظر هو تعدد ثمار الجسد، أما الروح فله ثمر واحد وهو الإيمان والإيمان يقود إلى وحدة الشخص الإنساني. إذن الإنسان مدعو قبل كل شيء لتحقيق وحدته، أي أن يسكن ذاته ليكون قوله فعل، على مثال المسيح، وهذا ما يُسمى بلغة علم الألسنيات الكلام الفعّال: «إني أعمدك باسم الآب والابن والروح القدس»، هذا كلام ــــ فعل.

لتحقيق ذلك، على الإنسان أن يصغي إلى ذاته ليسكن ذاته وبالتالي يوحد رغباته، يحقق وحدته. هذا الإصغاء يتم أيضاً من خلال التأمل في الإنجيل حيث يستقبل المتأمل الروح القدس أساس هذه الوحدة كما هو واضح في يوم العنصرة حيث كان الناس الغرباء يفهمون بلغتهم، ما يقوله التلاميذ.

أخيراً، أقول إن تحقيق وحدة الكنيسة يبدأ بالذات، بتحقيق وحدتي الشخصية، بتوحيد رغباتي ليكون كلامي فعل فتُترجم رغبتي بالوحدة بالفعل لا بالقول. وبالتالي صلاتنا من أجل الوحدة مدعوة لتكون صلاة استقبال لهذه الوحدة من الله، استسلام للروح القدس لكي يحقق من خلالنا هذه الوحدة المرجوة.

جديد الموقع
أسئلة وأجوبة
يعطيك العافية ابونا انا اسمي حسين عندي متل سؤال عم دور عأجوبة وكمل بحوثي من خلالو وهوو اصل الروح الها جنس؟ (السؤال) هوو الروح هل لها جنس او اذا مالها جنس كيف الطريقة او هل خيرت انها تختار جسد ذكوري او انثوي.. هل تم تخيير الروح.. هل تم توزيعها بارادة عليا.

الروح مبدأيا هو روح الله وبالتالي لا جنس له. الروح مرتبط بالإنسان بمعنى أن الروح هو من يعبر على ما يميز الإنسان عن باقي الخليقة. بمعنى آخر عندما خلق الله الإنسان خلقه جسد ووضع فيه من روحه.

هل من فرق بين إنسان طيب القلب وإنسان يمتلك المحبة وهل من رابط بينهما

القلب الطيب دليل مهم على المحبة. ما من أحد يمتلك المحبة إنما العكس صحيح أي المحبة هي التي تمتلكه