header logo
هناك من يحاول أن يحتفظ بنا بقبور مكلّسة. أتمنى أن نكون قادرين أن ندع القائم من بين الأموات أن يحولها كقبره قبور فارغة

الإفخارستيا مائدة الحياة

«كذكرى العشاء الأخير، الافخارستيا

تشمل في معناها كل تاريخ البشرية
الماضي والحاضر والمستقبل«

لا شك أن التطرق لموضوع كهذا يتطلب الكثير من الشجاعة. في كل الأحوال السؤال هو التالي : ما هي الافخارستيا؟ ما هو رهان ومعاني الافخارستيا؟ دون شك لا يمكننا التحدث عن الافخارستيا دون أن نعيدها إلى العشاء الأخير للمسيح كما رواه لنا الإنجيليّن الأربعة ورسالتيّ بولس إلى أهل قورنتس. ولكن نص غسل الأرجل (يو 13) و«خطاب» يسوع حول خبز الحياة (يو 6) هم بنفس الأهمية لكي نفهم فهماً أفضل ماهية الافخارستيا وخاصة إذا أردنا أن نقوم بعملية تأوين لها. بالإضافة إلى أن العشاء الأخير الذي رواه لنا الإنجيليّن على أنه عشاء فصحي، هذا العشاء يشكل جزءً من تاريخ علينا أن نأخذه بعين الاعتبار. كما أنها تشكل العمل الأول لمستقبل محمّل بالمعاني.

1- ما قبل المسيح، الافخارستيا والعالم والبشر: عندما يستعمل المسيح الخبز والخمر ليعبّر عن عطائه لحياته، لا يأخذ أي شيء كان. فالخبز والخمر موجودين قبل يسوع. لهم معنى مسبق قبل العمل الفصحي. فالمسيحي سيأخذ هذا المعنى الأولي والبدائي لكي يحمّله معنى جديداً ولكن ضمن الخط عينه : اعطاء الحياة.

من المؤكد أنه في المحيط الذي عاش فيه يسوع، كما هو الحال في أيامنا الخبز يعني الحياة. «ربح لقمة العيش». الخمر هو رمز وعلامة العيد، والفرح، ولما لا السكر. يقال عن الأنبياء أنهم «سكارى الروح». الخبز والخمر، القمح والعنب يعبّرون عن عطايا الطبيعة، وعن الشمس والماء. إنهم يعبرون إذن عن علاقة الإنسان بالطبيعة بصفتها جيدة. هذا ما نراه في عهد الله مع نوح، عهد مع كل جسد، ومع كل ما هو حي.

ولكن هذا المعنى المباشر لا وجود له لوحده: فالخبز والخمر ليسا مجرد موضوع قطاف؛ إنهم بحاجة، لكي يوجدوا كما هم؛ لعمل الإنسان، وعلى عدّة مستويات: المستوى الزراعي، والمستوى التقني اللازم لكي نعبر بالقمح إلى الخبز. فالخبز والخمر يعبرون إذن، ليس فقط عن عطاء الطبيعة، إنما أيضاً عن عمل الحضارة فيها.

للخبز والخمر إذن معنى إنساني، ولكن هذا المعنى الإنساني موسّع ويشمل المعنى الاجتماعي والسياسي. سياسي لأن الإنسان يناضل ليمتلك الأرض الخصبة، وتقام الاتفاقات لتوزيعها. اجتماعي، لأنه إذا كان الإنسان يناضل ويقاتل في بعض الأحيان للحصول عليه (علامة عن كل أنواع الأكل)، فالإنسان يجتمع أيضاً ليتقاسم الخبز. الخبز والخمر، بمعناهم السامي، يحققون المائدة من خلال المشاركة. والمائدة في بعض الحالات الخاصة، هي حدث اجتماعي. والمشاركة في المائدة تعني علامة عهد، علامة اتفاق ووفاق. ففي الكتاب المقدس مثلاً لا نأكل مع أي كان، بالإضافة إلى أن الاتفاقات توقع في أغلب الأحيان أثناء المائدة. ونحن نرى ذلك ونلمسه في أيامنا هذه.

فتاريخ التقنية، وتاريخ الصراعات، كتاريخ توقيع معاهدات الصلح، يُعبَّر عنهم من خلال الموائد المشتركة. فالطبيعة والحضارة والتاريخ يلتقون هنا.

الافخارستيا وعالم الكتاب المقدس: عندما يستعمل يسوع الخبز والخمر في العشاء الأخير، فإنه يقوم بذلك كوارث للتقليد الكتابي. ومن المؤكد أن الكتاب المقدس يأخذ على عاتقه كل ما قلناه حتى الآن عن الخبز والخمر؛ كما نعلم أهمية وكثافة حضور الغذاء في الكتاب المقدس. ومع ذلك فالكتاب المقدس يضيف إلى تلك المعاني المحض إنسانية بعض اللمسات الجذرية: أولاً علاقة الخبز والخمر مع أرض الميعاد. ضمان عهد الله مع نوح، وبالتالي مع كل إنسان، لخيرات الأرض، التي يستقبلها شعب العهد القديم في هذه الأرض التي ستعطي 7 محاصيل في السنة (رمز فيض عطاء الله). فمنظار الخبز والخمر في هذه الأرض على عكس الأرض الملعونة في الفصل 3 من سفر التكوين، يُدخِل بعداً أخيرياً لموضوع الشبع أو الاكتفاء.

بالواقع أرض الميعاد ستصبح وجه، تعبير عما ننتظره دائماً من «السماء الجديدة والأرض الجديدة» والتي تعبّر عن «خليقة جديدة». ولكن للوصول إلى تلك الأرض لا بد من العبور من الصحراء، دون مياه ولا خبز ولا خمر، رمز للوجود الإنساني بصفته تحت الحرمان. وهنا سيمُتَحن الشعب: في هل سيستمر بإيمانه بالله، بأن الله معه هذه الصحراء؟ التجارب الكبرى في الكتاب المقدس تمس الغذاء، وكاتب سفر التكوين نقل تلك الخبرة ليقدم لنا التجربة الأولى والأساسية على أنها تتمحور حول الأكل أو عدم الأكل. في مركز التجربة في الصحراء نرى المنّ ذاك الخبز السماوي المعطى مجاناً من قبل الله. في كل مرة يذكر العهد الجديد الخبز، تكون الخلفية هي المنّ. وهذا ما يلمّح إليه بقوة يوحنا الإنجيلي في الفصل 6 حول خبز الحياة. بعبوره الفصحي لصحراء الموت، يواجه يسوع التجربة الكبرى القديمة وعليه أن يعترف بأن الله معه حتى في هذه اللحظة.

2- أثناء العشاء الأخير: أثناء العشاء الأخير يتم العبور. هذا الخبز وهذه الخمرة، دون أن يفقدوا شيئاً من معناهم الأولي، سوف يحملون معنى جديداً. بفعل الكلمات التي لفظها يسوع عليهم، دون أن ننسى بأنها كلمات خلاَّقة – يعبّرون الآن عن جسد ودم المسيح. وإيمان الكنيسة يقول بأن هذا المعنى فعّال، أي أن الخبز والخمر يصبحون فعلياً وواقعياً جسد ودم المسيح. ولكن ليس بأي طريقة كانت: الجسد المقسوم والدم المراق. فإذا كان الخبز يصبح جسداً والخمر دماً، بالمقابل يصبح الجسد خبزاً والدم خمراً. باختصار المسيح يعطي ذاته غذاءً.
 

الجسد المهشّم والدم المراق، علامة العنف القاتل للناس الذين يتغذون على حساب حياة الآخرين. هذا الجسد وذاك الدم يتحولان إلى غذاء «مسالم». هكذا تم تجاوز العنف البشري. ففي الاحتفال بهذا الفصح الذي هو إتمام لفصح العهد القديم، بدلاً من أن نرى الحمل المذبوح، نرى الخبز والخمر، تقدمة ملكيصادق. فطعام ما قبل الآلام هو في الواقع طعام ما بعد القيامة. هذا الطعام هو انتصار الله على أفعال الإنسان القاتلة. ثمر خطيئتنا والذي يقودنا إلى الموت، يُعطى لنا كغذاء للحياة، هذا يكشف لنا حقيقة هامة جداً: خطيئة الإنسان جُردت من سلاحها. لا بل أكثر من ذلك: الله هو الغذاء الحقيقي الوحيد للإنسان. وفي سفر التكوين الفصل 2 نرى الإنسان وقد أصبح "نفساً حية" بفعل روح الله المحي.

فالافخارستيا تضيف شيئاً آخر: الله يغذينا من الجسد الذي سلبناه إياه بسلبنا جسد الإنسان. هذا الجسد الذي استولينا عليه كما أراد آدم أن يستولي على ثمر الشجرة لكي يأخذ مكان الله. ومكان الله الآن هو الصليب الذي نصبناه له. مقابل تحذير الله في سفر التكوين : «من يأكل منها يموت» هناك قول معاكس في إنجيل يوحنا :«من يأكل منه يحيا». ثمر الخطيئة، بفعل الغفران أصبح ثمر حياة. هكذا عملية القتل الموجهة ضد الحياة والعدل والحب ظهرت على أنها فاشلة. لأن المسيح قام من بين الأموات وجسده القائم تحول إلى غذاء للحياة وللقيامة. لأننا نحن أيضاً متنا: قتلُنا للحياة قَتَلنا. فالخطيئة قاتلة على صعيدين: تقتل من تمارس عليه كما تقتل من يمارسها.

3- ما بعد العشاء الأخير: عمل المسيح في عشاءه الأخير له معنى مستقبلي: موته وقيامته سيتدخلون. بهذا المعنى العشاء الأخير هو استباق. عندما نقول افخارستيا نقول عمل شكر، تمجيد الله على عجائبه التي أتمها. على أي شيء سنشكر يسوع في الوقت الذي يدخل في الليل القاتل؟ بالطبع على الخلاص الذي أتمّه، على تحرر الإنسان، باختصار على القيامة، قيامته وقيامتنا. هذا يتسجل في الطقس عينه حيث المسيح بحسب تقليد العشاء الفصحي، يرفع الكؤوس ولكن واحدة منها قال عنها أنها كأس دمه. والرسالة إلى العبرانيين تقول أن الإيمان هو ضمان ما ننتظره وأن موسى بالإيمان احتفل بالفصح الأول (عب 11،1 و 28)، شاكراً الله على تحرر مستقبلي آت. في الواقع الإيمان يجعلنا نمتلك ما ننتظره: المستقبل كما لو أنه قد تم. الإيمان ينقلنا إلى النهاية. بهذا المعنى نقول أنه عندما نحتفل بالإفخارستيا نشكر الله على قيامتنا المشمولة بقيامة المسيح.

هذا المعنى الأول والمستقبلي لخبز وخمر العشاء الأخير يستمر بمعنى ثان يعتبر قمة السر. ما هي هذه الحياة الجديدة التي يعطينا إياها جسد ودم القائم من بين الأموات؟ إنها حياة الإنسان الجديد. إنسان القيامة. هذا الإنسان وضع تحت قدميه كل أعدائه، تنويه لما يسميه الكتاب المقدس بالعدو: روح التملك، والتسلط، والإرادة في استعباد الآخرين، والميل للجلوس على العرش ليرانا الجميع. في الواقع المسيح جعل الآخرين ينظرون إليه: لقد عرض ذاته للجميع، ولكن كموضوع للسخرية والاحتقار، كل إرادة في التسلط والانتقام قُتِلوا إن صح التعبير على الصليب. والمكان أصبح حراً للحب. مكان روح التسلط الذي يجعل الإنسان ينقسم على بعضه حلّ الحب الذي يوحد. هذا هو المعنى الأسمى للإفخارستيا، والذي كان المسيحيون الأوائل يسمونه مائدة الحب.

هكذا نرى أن الثمر الأخير للإفخارستيا، تأوين الفصح هو جمع البشر في جسد واحد. جسد يسوع المسيح الإنسان الجديد. جسد أعضاؤه تتناغم بدلاً من أن تتعارض. الإنسان الجديد، إنسان النهاية هو بالفعل على صورة الله كمثاله، جسد متعدد «pluriel». فالإفخارستيا تحقق شعباً، الكنيسة والتي بدورها علامة: علامة للإنسانية المصالحة. علينا أن لا ننسى بأن صورة الله ليس بولس ولا بطرس ولا يعقوب، إنما الإنسانية جمعاء مرتبطة ببعضها لكي تؤلف الإنسان. الإنسان الواحد على صورة الله الواحد. هذه هي ثمرة الإفخارستيا، الواقع الذي يحققه السر.

4 – الافخارستيا وحياتنا اليومية: كل الأسرار تتوجه ولو جزئياً إلى الجسد، إلى الوقائع الحسية. وخاصة الإفخارستيا لكونها تنطلق من الخبز والخمر، «ثمر عمل الإنسان والطبيعة». ما وراء ذلك يمكننا التحدث عن تمجيد الجسد والدم، أولاً جسد ودم المسيح، ثم أجسادنا ودمائنا. هل من الممكن أن يكون الأمر بشكل آخر ونحن نعلم أن الإيمان المسيحي يرتكز ليس على الخلود، إنما على قيامة الأجساد؟

ولكن الموضوع لا يلمس فقط حياة البشر، إنما وجودهم أيضاً أي تاريخهم كما سبق وقلنا. هنا علينا أن ندرك بأن السر لا يقول لنا فقط معنى ما نعيش، أي مسيرتنا باتجاه الإنسانية المصالحة. إنه سر عملي يجعلنا نتقدم خطوة في هذا الاتجاه وبطرق مختلفة.
أولاً يدعونا ويقودنا لتبني الموقف الفصحي، عطاء الحياة، من خلال كل ما علينا أن نقوم به أو نتحمله. بصفته مشاركة في الطعام أو الغذاء، يدعونا لتصحيح كل التشوهات التي تمس طريقتنا في المشاركة مع الآخرين، طريقتنا في تحقيق المجتمع. علينا أن نعيد النظر في تنظيم عملنا، استعبادنا المتبادل، الاستبداد في غنى الطبيعة، وذلك على ضوء المشاركة وصورة المسيح الخادم.
ولكن هناك أكثر من ذلك، لأن الافخارستيا ليست فقط دعوة لتحويلنا والمشاركة في تحويل العالم. في الإيمان نعلم أن السر يعطينا القوة لتحقيق ذلك. وهذا ما نسميه بالنعمة. هذا الأمر غير ممكن لو لم يكن السر عمل الجماعة المؤمنة هو في نفس الوقت عمل الله. عمل خلاّق يجعلنا أهلاً لتوجيه حياتنا، مع كل العاملين والحاضرين فيها، بحسب العمل الفصحي.

هذا يعني أنه لا يمكننا أن نفصل الافخارستيا عن حياتنا اليومية، كما هو الحال بالنسبة للإيمان. بل بالعكس السر يقول ويحقق تأوين حضور فعال لله في حياتنا. هذا يعني أيضاً أن للسر انعكاس أخلاقي.
5 – الافخارستيا والأخلاق: الكلمة الأخيرة للكشف الفصحي هو أن عمق وأساس الأمور يكمن في كون الله الله هو الحب. فبناء العالم على الحب يعود لحريتنا. « فليكن فيما بينكم الشعور الذي هو أيضاً في المسيح يسوع» (فل 2، 5). كالمعتاد الله مصدر كل شيء، يقوم ويحقق كل شيء ولكن هذا لا يمكن أن يتم إلاَّ من خلال حريتنا. حقيقتنا لا تكمن فقط في الإيمان ولكن في العمل. فالسر لكونه يوحدنا مع الله الذي يعطي ذاته، سيدخل في أعماق حياتنا ليوحي تصرفاتنا المختلفة.

لهذا السبب وبهذا المعنى لا بد للقدّاس أن ينتهي بالإرسال. فالقداس يستمر في حياتنا اليومية. إنه استمرار حياتنا الإيمانية.

جديد الموقع
أسئلة وأجوبة
أُصبتُ بحالة فصام منذ أربع سنين واليوم تحسنتُ وزالت الأوهام لكنّ مستواي الدراسي قد تراجع وأصبحت أعاني من الدراسة وأخاف أن أستنفذ سنواتي الجامعية وألا أتخرّج.

مع الأسف العلاج الوحيد هو دوائي ضروري مراجعة الطبيب بهذا الخصوص.

مكتوب بسفر الخروج فاني اجتاز في ارض مصر هذه الليلة و اضرب كل بكر في ارض مصر من الناس و البهائم و اصنع أحكاما بكل الهه المصريين أنا الرب ..وهذا يعني أن الله قاتل وهذا يتناقض مع تعاليم الإنجيل..ونحن بالكنيسة بعد القراءة نقول كلام الرب..يعني الكنيسة تؤمن أن

لا يمكن قراءة أي نص في العالم وبشكل خاص الكتاب المقدس قراءة حرفية فهي تقودنا دائماً إلى طريق مسدود. وبالتالي علينا الذهاب إلى ما رواء الكلمات، إلى الرسالة التي يريد النص إيصالها لنا. بالمقابل، شعب العهد القديم، مثلنا نحن، تصور الله على صورته كمثاله بينما