header logo
هناك من يحاول أن يحتفظ بنا بقبور مكلّسة. أتمنى أن نكون قادرين أن ندع القائم من بين الأموات أن يحولها كقبره قبور فارغة

الإنجيل والثقافة

1 - ماهي رسالة الإنجيل الايمانية بوجه عام للناس؟

2 - كيف بنيت العلاقة بين الإنجيل والثقافة في الماضي وفي الحاضر؟ وهل يحتاج الإنجيل لثقافة ما ليعبر عن رسالته؟

3 - أين هو موقع الانسان بين الإنجيل والثقافة؟

للإجابة على هذه التساؤلات لابد لنا في البداية من تحديد مفهومين أساسيين بالنسبة لموضوعنا ألا وهما: الثقافة والإنجيل .
ماهي الثقافة : كلمة الثقافة فيها الكثير من الالتباس ومن الصعب أن نعطي إجابة واضحة وجذرية. لقد خضعت كلمة الثقافة إلى تطورات عدّة ومختلفة. ففي التيار الفكري الإنساني « تم تطبيق فكرة الثقافة أو الحضارة على كل ما يمكن تنميته. والرومان طبقوا فكرة الثقافة على كلّ من الحقول والروح والدين والله. والفيلسوف اليوناني القديم سيسرون «عرّف الفلسفة على أنها ثقافة الروح». وكان يعتبر بأن الفلسفة تكمن في تنمية الانسان أو تربيته على الطقوس الدينية والآلهة. وتطور فكرة الثقافة تمحور حول ثلاثة اتجاهات:

1- علاقة حضارة الله بحضارة الإنسان

2- علاقة الثقافة بالطبيعة

3- استعمال الفنون والأدب لإتمام البشرية بمعنى الكمال الفردي والحب المتبادل.

وإذا نظرنا في القواميس فإنها تقول لنا ما يلي :

المنجد: الثقافة هي التمكّن في العلوم والفن والآداب.
القاموس الفرنسي «Petit Larousse»: الثقافة هي المعرفة بأشكالها المتعددة، هي أيضا مجموعة البنى الاجتماعية والدينية الخ. وهي أيضا التظاهرات الفكرية التي تميز مجتمع ما عن غيره.

نلاحظ إذن أن كلمة ثقافة لها أوجه عديدة ومعان مختلفة كما أنها ترتبط ارتباطا وثيقا بالحضارة؛ وكما رأينا اليونان ربطوا الثقافة بالاتجاهات الثلاث التي ذكرناها آنفا. فالسفسطائيون أقاموا مقارنة بين الطبيعة والحضارة بمعنى أن هناك الإنسان الطبيعي أي الإنسان الذي لم تمسه الحضارة والإنسان الحضاري. لا تريد هذه المقارنة القول بأن الثاني أفضل من الأول، إنما الهدف هو السعي لفهم فكرة الثقافة وتأثيرها على الإنسان ودورها في حياته.

منذ اثنتي عشر سنة ظهر نص بابوي من روما عن أحد الكرادلة حول كل ما يخص العلوم الطبيعية بشكل عام وعلم الجينات بشكل خاصّ. هذا النص يدين الطرق الاصطناعية التي تُمَارس من أجل انجاب الأطفال بين أشخاص غير متزوجين والمتزوجين أيضاً. خلفية هذا النص تعود للنظرة إلى الطبيعة على أنها مقدسة وبالتالي لا يحق لنا أن نمس بها. ووسائل الإعلام لعبت على هذا الوتر الحساس وكان السؤال المطروح آنذاك هو : هل هناك طبيعة مقدسة أم أن الطبيعة هي إلى حد ما وليدة الحضارة؟ أي أن الإنسان هو الذي يتسلط على الطبيعة؟ وما هو التفاعل بين الحضارة والطبيعة؟ وفيما بعد حدث تغيير بسيط في الموقف الكنسي بخصوص المتزوجين .

بهذا المعنى نقول بأن الإنسان هو الى حد كبير جداً من نتاج الحضارة. بمعنى آخر الحضارة هي التي تؤنسن الإنسان الذي بدوره يؤنسن الطبيعة. فكل ما هو إنساني هو حضاري. فالثقافة أو الحضارة تعني في النهاية كل ما يعيشه الإنسان، كل ما يحدد شخصيته، تفكيره، إنها الطريقة في التفكير، في النظر الى الأمور، كل المفاهيم الاجتماعية وغيرها. لنأخذ مثلا قواعد التهذيب كلها من نتاج الحضارة البشرية، وهذه القيم أو القواعد خاضعة بالطبع للتغيير بحسب تطور البيئة المعنية.

إذا كان هذا هو مفهوم الثقافة، فما هو مفهومنا للإنجيل؟ قبل الاجابة على هذا السؤال علينا أولا أن نتساءل عن مفهوم الوحي المسيحي. فكلمة الوحي خضعت بدورها إلى تطورات في المفاهيم. كما أنَّ الإنجيل أيضا له أوجه عديدة. اعتدنا أن نقول بأن الإنجيل هو كتاب يروي لنا أقوال وأفعال المسيح. وكتّاب الإنجيل هم كتاب مُلهَمين، وقد كتبوا ما أوحي لهم به.

ولكن في الحقيقة الأمر ليس بهذه السهولة. فالكل يعلم اليوم بأن الإنجيل ليس فقط أقوال وأعمال المسيح، بل هو أيضا خبرة الكنيسة أو الجماعات المسيحية الأولى وبهذا المعنى الإنجيل استعمل الحضارة أو الثقافة التي ولد فيها ليعبّر عن ذاته من خلالها. وكتابته باللغة اليونانية ليست بدون نتائج عليه بالإضافة الى أن كتابة الإنجيل أتت من التقليد الشفهي المنقول وعملية الكتابة هذه هي بحد ذاتها تأويل وتأوين. (فالتأويل هو عملية تحليل للنص، فهم النص بحد ذاته، بينما عملية التأوين هي عملية الربط بين ما يقوله لنا النص وحياتنا اليومية الآن أي أنها تربط النص وتفهمه بالنسبة للزمان والمكان الذي تتم فيه هذه العملية).

فالوحي المسيحي لا يجعل من كاتبه مجرد آلة سلبية، إنما للكاتب دور مهم للغاية لأنه يكتب انطلاقا من ذاته من شخصيته من حضارته وبأسلوبه الشخصي الخ.... وكل عملية تأويل أو تأوين هي عملية حضارية بمعنى أنها تتم من خلال الحضارة التي تستعملها للتعبير عن ذاتها .

ففي المجامع الكنسية الأولى، خاصة عندما تم تحديد صيغة قانون الإيمان تأثرت الكنيسة وعبّرت عن إيمانها من خلال اللغة اليونانية، وبالتالي تأثرت من خلالها بالتفكير الفلسفي القديم. فمثلا كلمة اقنوم أتت من الفلسفة اليونانية القديمة. والفكرة القائلة بأن الإنسان مكون من جسد فان وروح خالدة أتت أيضا من المصدر ذاته، بينما الكتاب المقدس والفكر السامي غريب تماماً عن هذا المفهوم للإنسان، بالنسبة له الإنسان وحدة واحدة متماسكة لا تنفصل ولا تتجزأ: الإنسان يولد، يعيش، يموت ويقوم. وهذا التفكير الفلسفي اليوناني القديم لاتزال آثاره موجودة في التفكير الديني المسيحي وخاصة في شرقنا. هذه الأمثلة، بإمكاننا سرد العديد منها، تبين لنا مدى أهمية وحساسية هذا الموضوع .

إذاً عملية تدوين الكتاب المقدس هي بحد ذاتها تأويل وتأوين معا. لذلك علينا أن نعي جيدا بأن ما نسميه بالوحي المسيحي وهو الذي يشكل جزأ مهما من الإنجيل، لا يجعل من الكاتب مجرد آلة سلبية كما أنه لا يمكننا اليوم القبول بسلطة مطلقة لما نسميه بالوحي، لأنها تتعارض مع مكانة العقل واستقلاليته. والحقيقة تثبت ذاتها أو تؤكد ذاتها انطلاقا من الذي يستقبلها.

إذن هناك تفاعل بين الاثنين أو على الأقل هناك عملية إيمان في استقبال هذا الوحي أو هذه الحقيقة. فالوحي المسيحي ليس وحيا منزلا والكاتب له دور مهم جدا، لدرجة أننا لا نستطيع الفصل أو التمييز بين ما هو آت من الوحي الصافي (إن كان موجوداً) وبين خبرة المسيحيين الأوائل، وبين ما هو آت من الكاتب نفسه. فكاتب الإنجيل، عندما يكتب مهما كان ملهما لا تُلغى شخصيته، ماضيه، أسلوبه وحضارته.

فالوحي المسيحي يمر من خلال وساطات : الانبياء، حوادث التاريخ، والوساطة بحد ذاتها هي يسوع المسيح .
كما أنه لا يمكننا اليوم القبول بالوحي على أنه عبارة عن معرفة كاملة ونهائية عن الله .

ومهما قلنا بأن الوحي انتهى مع موت آخر رسول للمسيح، يبقى الوحي مفتوحا ولسنا نقصد بكلمة مفتوح أن هناك إضافات. فكلنا يعلم أن كشف الله عن ذاته انتهى مع موت وقيامة يسوع المسيح، وإنما عندما نقول بأن الوحي ليس عبارة عن معرفة كاملة نهائية ومطلقة عن الله، فهذا يعني بأن الوحي أو ما هو موحى به خاضع لعمليتي التأويل والتأوين. فنحن لم ندرك حتى الآن ولم نستوعب بشكل كامل ما يقوله الإنجيل. وكما يقول المسيح في إنجيل يوحنا: «لايزال عندي أشياء كثيرة أقولها لكم ولكنكم لا تطيقون الآن حملها، فمتى جاء هو، أي روح الحق أرشدكم إلى الحق كله» (يو 16، 13). وهنا يأتي دور الجماعة، دور الكنيسة. وما يميز الإيمان المسيحي هو دون شك وجود الكنيسة ودورها المهم جدا. فالكنيسة هي أيضاً وساطة مهمة لاستمرارية الوحي المسيحي.

إذن الوحي المسيحي يبقى مفتوحا لأنه خاضع لعمليتي التأويل والتأوين كما سبق وقلت، و هذا يطرح بالطبع مشكلة الالهام.

فكيف يمكننا التوفيق بين تعالي الله ( الله يبقى متعال حتى ولو تجسد بيننا) والطابع الإنساني للكتب المقدسة بصفتها حاملة للحقيقة الموحى بها؟ هذا يجعلنا نعي أكثر بأن لاوجود لحقيقة نص ما، وعلينا فقط أن نفك «لغزها» لكي نفهمها، بل في الحقيقة علينا القول بأن هناك معان بقدر ما هنالك من قرّاء. فالمشكلة الدائمة في العلاقة بين ما هو من الله وما هو من الإنسان في الوحي المسيحي تُطرَح على النحو التالي: كيف يمكننا التوفيق بين المعنى المُعطى لنا من قبل الله (الله أوحى بالمعنى لهذا الكاتب)، والاعتراف بالإنسان على أنه المكان الذي يتم فيه هذا المعنى؟ والمثلث الذي يوضح العلاقة بين الله والإنسان والآخر مهم جدا ولا يمكننا فصلهم أضلاعه عن بعض. فالإنسان هو المكان الذي يتم فيه المعنى، وفي نفس الوقت هذا المعنى هو إلى حد ما مُعطى لنا من قبل الله فكيف يتم التوفيق بين الاثنين؟

كيف تم الوحي في السابق، كيف يمكن أن نفهمه اليوم أو كيف يمكن أن يكون الوحي ممكنا في عصرنا؟ لا يكمن الوحي، كما قلنا، في الكشف عن حقائق تمس الله والإنسان، إنما الوحي يمس قبل كل شيء حدث تاريخي: يسوع المسيح. ماذا يعني هذا الحدث التاريخي؟ كيف يمكنه أن يمسّنا نحن أبناء القرن الواحد والعشرين؟ هل هو مجرد حدث تم منذ حوالي 2000 سنة؟ هل يمكننا أن نأخذه بشكل صاف كما تم آنذاك؟ أعتقد أن هذا الأمر مستحيل .

في التيار اللاهوتي البروتستانتي كتب اللاهوتي الألماني بولتمان «Rudolf Bultann» كتابا يدعو فيه للعودة إلى شخص يسوع التاريخي كما هو، أي مجرّد من كل الإضافات سواء أتت من الأناجيل أم من مصدر آخر. ولكن هذا المشروع لم يعط أية نتيجة. لأنه من المستحيل أن ننزع عن شخصية يسوع ما أضيف إليها. بالطبع هذا لا يعني أننا أضفنا شيئا إلى الله، بل المقصود هو كيفية فهم شخصية يسوع من خلال الإنجيليين الذين دونوا الأناجيل المقدسة. وعندما نقول بأن الكتاب مقدس لا نقصد القول بأنه منزل، بل أنه لا يمكننا الفصل بين ما هو إلهي وما هو إنساني، بمعنى آخر يمكننا القول بأن الكتاب المقدس هو كتاب إلهي وإنساني معاً وهذا يرسلنا إلى ما يشكل العمود الفقري لإيماننا المسيحي: سر التجسد .

في الحقيقة لا يمكننا أن نفهم جيدا العلاقة بين الإنجيل والثقافة بشكل جيد إلا على ضوء سر التجسد وانطلاقا من سر التجسد. ففي هذا السر تمت الوحدة (بشكل مسبق وفي شخص واحد) بين الألوهة والأنسنة. هذه الوحدة مهمة لأنها مدعوة لأن تتحقق في البشرية جمعاء على حد قول بولس الرسول : «ويصبح الله الكل في الكل». إذن ماذا يعني هذا الحدث التاريخي (يسوع المسيح) لنا اليوم ؟

إنّ ما يميز المسيحية وما يجعلها أحيانا «حجر عثرة» في رأي الآخرين هو أنها من جهة تجعل الله قريب جدا من الإنسان «الكلمة صار جسداً وسكن بيننا» وفي نفس الوقت تربط خلاص البشر بحدث فردي: يسوع المسيح. كما أنها تربط علاقة الإنسان بالمطلق بدين تاريخي. في الحقيقة ما يميز المسيحية هي أنها تاريخية. والسؤال كيف يمكن ربط امكانية الوصول الى المطلق بحوادث تاريخية، بوحي مكتوب في نصوص مميزة، مرتبطة بكنسية خاصة خاضعة للظروف والعوامل الاجتماعية والحضارية؟

في رأيي كل الأديان الأخرى هي أديان خارجة عن التاريخ. بمعنى أن ليس للتاريخ أي تأثير أو تفاعل معها، لاوجود لأية علاقة متبادلة، علاقة ذهاب وإياب بين الاثنين، التاريخ والإيمان، أو التاريخ والدين. هذه العلاقة لا نجدها إلاَّ في المسيحية. وهذا ما تسميه المسيحية بتاريخ الخلاص. أي أن تاريخ الله وتاريخ الإنسان أصبحا واحداً. فالكتاب المقدس هو كتاب يروي لنا تاريخ علاقة الله بالإنسان (تاريخ الخلاص). ومن يقول تاريخ، يقول إلزاما تطور، علاقة بين الإنسان والحضارة، بين الدين والحضارة، بين الكتب المقدسة والحضارة .

من المستحيل نقل الإيمان المسيحي بشكل صاف تماما. لاوجود للإيمان المسيحي بشكله الخام. لاوجود للإيمان المسيحي بشكل «عاري» إن صح التعبير. فكل حضارة تشكل اللباس الخارجي للإيمان. كل حضارة تلبس نواة الإيمان بلباسها. وهذا السؤال كان شائكا في بداية الإرساليات المسيحية. فعندما وصل المبشرون الأوائل إلى الصين مثلا طرح هذا الموضوع تساؤلات عدة كما أنه سبب العديد من الخلافات بين المرسلين أو ضمن الكنيسة. فهناك من كان يعتقد بأنه يجب نقل الإنجيل كما هو إلى أية حضارة كانت، كما لو أن الإنجيل كتب خارجا عن الحضارة وبالتالي خارجا عن التاريخ. وهناك من كان يعتقد أنه لا يمكن نقل الإنجيل إلى الصين مثلاً إلاَّ من خلال الحضارة الصينية وإلى أفريقيا إلاَّ من خلال الحضارة الأفريقية الخ. وهذا ما يسمى بعملية الانثقاف أي الدخول في حضارة وثقافة الآخر، في الحضارة التي اليها نود إيصال كلمة الله، البشرى السارّة. كما أن المسيح ذاته دخل «انثقف» في الحضارة الإنسانية في حضارة إنسانية محددة ومرتبطة بالمكان والزمان الذي عاش فيهما يسوع وتبني هذه الحضارة .

الإنجيل كلمة الله تجسَّد في بشر، «صار شبيها بينا في كل شيء ماعدا الخطيئة». كذلك الأمر نقول بأن الإنجيل بحاجة إلى الثقافة، إلى الحضارة لكي يعبّر عن ذاته من خلالها. فاستعمال اللغة لنقل الإنجيل يعني تأثير حضارة هذه اللغة على نقله للآخرين «لا يمكن فصل اللغة عن الحضارة حيث الأولى تعكس وتعبّر عن الثانية». لا يمكن للإيمان المسيحي، للإنجيل إن يعبِّر عن ذاته خارجا عن الحضارة. كلنا نعرف النتائج السلبية التي خلفتها الإرساليات عندما فرضت على من بشرتهم أن يفكروا بتفكيرها وأن يتبنوا لغتها ويعبّروا عن إيمانهم بطريقتها. بينما على المبشر اليوم قبل كل شيء أن يتبنى ويدخل في ثقافة وحضارة من يريد تبشيرهم والعمل معهم.

إذاً يمكننا القول بأن الوحي المسيحي انتهى في بعده الأولي مع موت آخر رسول للمسيح، أي مع نهاية عهد الشهادة . ولكن في نفس الوقت تأويل وتأوين هذا الوحي في وعي البشرية يبقى عملية لا تنتهي. بهذا المعنى يجب أن نتكلم عن حضور مستمر لكلمة الله في التاريخ.

علينا إذن التمييز بين التأويل المستمر للوحي المسيحي في الكنيسة والحضور المميز لله في حوادث التاريخ :

لا يمكن لحوادث تاريخ الخلاص أن يكشفوا لنا معناهم النهائي إلا في نهاية التاريخ. وبالتالي عملية فهم هذه الحوادث عملية مستمرة. لا يمكن على الإطلاق الإدعاء يوما بأن هذه العملية انتهت. ولهذا السبب لا تملك الكنيسة من تفسير ثابت ونهائي للكتب المقدسة. والتفاسير الموجودة تبقى مؤقتة لأننا في كل مرة مدعوون لأن نجدد تأويلنا للكتب المقدسة. وهذا الأمر ينطبق بالطبع على شخصية يسوع المسيح بالذات بالرغم من أنه يشكل استباق لنهاية الأزمنة. فوحي الله تم في شخص يسوع المسيح والله كشف لنا عن ذاته بشكل نهائي في شخص يسوع المسيح. إنما وحي الله في يسوع لا يعطينا اليوم المعنى أو المعرفة النهائية عن الله لأنه لا يمكننا أن نفهم يسوع أو نفهم الله أو الكتب المقدسة إلا في نهاية التاريخ.

وكما يقول اللاهوتي الألماني مولتمان : بالرغم من أن يسوع المسيح هو اتمام مواعيد الله، هناك مستقبل يسوع المسيح، بمعنى أن التاريخ هو المكان الذي يتم فيه التحقيق المتدرج للإمكانيات المستقبلية الموجودة في قيامة المسيح. فلم نفهم بعد فهماً تاماً شخصية يسوع المسيح ولا العلاقة بين الله والإنسان ولا تاريخ الخلاص بشكل عام. لهذا السبب نقول أنه بإمكاننا التحدث عن وحي مستمر أي وحي لا ينتهي أبدا من تأويل وتأوين كل ما يحتوي سر المسيح يسوع وهذا سواء على صعيد الوجود المسيحي (أي الحياة المسيحية اليومية) أم على صعيد لغة الايمان (أي على صعيد تعبيري للإيمان).

والتعبير عن الإيمان خاضع للتجدد. فلا يمكننا اليوم التعبير عن إيماننا المسيحي كما عبّر عنه الرسل الأوائل. بمعنى آخر، ليس من لغة مطلقة للتعبير عن الإيمان بما فيها لغة العهد الجديد. فكلمة الله تتجاوز دائما الوسيلة أو الوساطة التي من خلالها تعبّر عن ذاتها. وبهذا المعنى يمكن القول بأن كلمة الله تبشر اللغة، أو تبشر الحضارة أو الثقافة. ولكن في نفس الوقت هناك عملية تأثير متبادلة بين الاثنين. فالإعلان المسيحي للبشرى هو كعلم اللاهوت، تأويل وتأوين بمعنى أنه تأويل للمعنى الآني للحدث يسوع المسيح وذلك انطلاقا من مختلف لغات الايمان التي حثَّها هذا الحدث دون أن نعطي صفة المطلق لأية لغة كانت.

في النهاية نقول بأن كلمة الله هي جواب على تساؤلات الإنسان. وبما أن تساؤلات الإنسان لا تنتهي وفي تجدد مستمر بحسب المكان والزمان ، فهذا يعني أن الوحي الإلهي (وحي الله في التاريخ) هو أيضا عملية دائما جديدة، ودائما مستقبلية. فالوحي لا يشكل فقط حدث ماضي. إنه مستقبل أيضا ومهمة التبشير هي مهمة إعلان كلمة الله، والشهادة لكلمة الله تكمن في جعل هذه الأخيرة تتكلم انطلاقا من تساؤلات الإنسان الجديدة . ودور الإنسان يكمن في كونه يحاول أن يُأقلم كلمة الله مع تساؤلات الإنسان، أن يجعل كلمة الله تجاوب وتعبّر عن ذاتها انطلاقا من تساؤلات الإنسان وليس بشكل خارجي عنه و مجرّد. وبالتالي على الإنسان دائما أن يجد لغة جديدة، هذه اللغة تنطلق من التساؤلات الجديدة التي يطرحها الإنسان على ذاته بشكل مستمر.

بهذا المعنى علينا أن نفهم بأن دور العقائد والكتب المقدسة أن تشكل شهادة للإنجيل. فالعقيدة والتقليد الشفهي المنقول هما من أساس الإنجيل، إنها تشكل الشهادة للإنجيل دون أن تتطابق مع الإنجيل ولا يمكنها أن تشرح لنا مرة واحدة الإنجيل و حقيقته. هذا الإنجيل يبقى مستقبل مجهول، أو على الأقل مستقبل لم يُعلن عنه بعد، لم يعلن عن تفاصيله أو محتواه بعد .

الكتاب المقدس والكنيسة يقولون لنا بأن الله لايزال يكلمنا من خلال حوادث التاريخ الإنساني. وهذا يشكّل بالنسبة لنا الوحي المستمر. الوحي هو مستقبل غير معلن عنه لأن هناك مستقبل لله إن صح التعبير كما يقول مولتمان. بالطبع هذا لا يعني أن الله سيتغير وسيتطور، إنما مفهومنا له. وتأولينا للوحي وللكتاب المقدس له مستقبل أيضا. لكن هذا المستقبل له علاقة بالله. لأن هذا المستقبل يمس صميم علاقتنا بالله ومفهومنا لعلاقة الله بالإنسان.

وإذا اخذنا بعين الاعتبار جديا سر التجسد: الله الذي صار انسانا، بإمكاننا آنذاك القول بأن مستقبل الله ومستقبل الإنسان لا ينفصلان ابدا. كما أن هذا يعني أن تجسد الله في البشرية هو في صيرورة لا تنتهي.

ولهذا السبب أقول وأكرر أنه لا يمكننا أن نفهم العلاقة بين الإنجيل والحضارة إلاَّ على ضوء التجسد؛ شرط أن نفهم أن التجسد هو من صميم الله وليس عبارة عن عملية تاريخية تمت في حقبة معينة من التاريخ. فعملية التجسد بحد ذاتها انتهت مع المسيح وبنفس الوقت هي مستمرة . لأننا مدعوون لأن نعيش هذه الوحدة بيننا وبين الله في شخص كل واحد منّا وفي شخصية الجماعة المسيحية التي هي الكنيسة . طالما مستقبل البشرية لم ينتهي، علينا القول بأن مستقبل الله الذي صار انسانا يبقى مفتوحا. دون شك المسيح هو الوحي النهائي لله. ولكن معرفتنا للمسيح كوحي للآب لاتزال مؤقتة وغير كاملة. ولا يمكننا بلوغ المعرفة الكلية والمطلقة عن الله والتاريخ إلا في نهاية التاريخ .

إذن يكشف الله عن ذاته من خلال التاريخ. ولكن علينا أن لا نتسارع في قراءة الاحداث التاريخية خوفاً من الاسقاطات التي قد نقع فيها. فالإنجيل بحاجة إلى الحضارة أو الثقافة ليعبر عن ذاته، لكنه لا يتطابق معها، بل يتجاوزها محاولا تبشيرها، أي إعطائها البعد الإنساني والإلهي الحقيقيين. وعندما نتعامل مع الكتاب المقدس أو مع الوحي على أنهما منزلان فإننا بذلك نحذف، من حيث لا ندري، سر التجسد وأهميته في إيماننا. فأساس سر التجسد وجوهره مبنيان على هذه العلاقة بين كلمة الله والثقافة أو الحضارة. فالمسيح كلمة الله عبّر عن ذاته من خلال الحضارة التي ولد وعاش فيها وأخذ على عاتقه رجاء وآمال وتطلعات شعبه وذهب بها إلى النهاية، أعطاها معناها النهائي والحقيقي: «ما جئت لأنقض بل لأتمم» .

فموقع الإنسان بين الحضارة والإنجيل مهم جداً لأن الإنسان هو المكان الذي تتم فيه هذه العلاقة بين الإنجيل والثقافة. فلاوجود للحضارة خارجاً عن الإنسان وبالتالي لاوجود للإنجيل خارجاً عن الحضارة .

جديد الموقع
أسئلة وأجوبة
أُصبتُ بحالة فصام منذ أربع سنين واليوم تحسنتُ وزالت الأوهام لكنّ مستواي الدراسي قد تراجع وأصبحت أعاني من الدراسة وأخاف أن أستنفذ سنواتي الجامعية وألا أتخرّج.

مع الأسف العلاج الوحيد هو دوائي ضروري مراجعة الطبيب بهذا الخصوص.

مكتوب بسفر الخروج فاني اجتاز في ارض مصر هذه الليلة و اضرب كل بكر في ارض مصر من الناس و البهائم و اصنع أحكاما بكل الهه المصريين أنا الرب ..وهذا يعني أن الله قاتل وهذا يتناقض مع تعاليم الإنجيل..ونحن بالكنيسة بعد القراءة نقول كلام الرب..يعني الكنيسة تؤمن أن

لا يمكن قراءة أي نص في العالم وبشكل خاص الكتاب المقدس قراءة حرفية فهي تقودنا دائماً إلى طريق مسدود. وبالتالي علينا الذهاب إلى ما رواء الكلمات، إلى الرسالة التي يريد النص إيصالها لنا. بالمقابل، شعب العهد القديم، مثلنا نحن، تصور الله على صورته كمثاله بينما