header logo
يُمكِننا الحُصول عَلى أيِّ شَيء إذا كُنّا مُستَعدِّين لِمُساعَدة الآخرينَ للحُصولِ عَلى ما يُريدونَه

الإنسان والإيمان

 

        للتحدث عن الإيمان لابد من التحدث عن الإنسان. في قانون إيمان الرسل وقانون الإيمان الشرقي أو البيزنطي نقول أؤمن ولا نقول نؤمن. في كلا الحوال عندما نقول أؤمن أو نؤمن نلاحظ بأن كلمة الله نستعملها بكثرة لدرجة أننا ننسى الإنسان. والسؤال هل يمكن التحدث عن الله خارجاً عن الإنسان وبالعكس. فالترابط بين الله والإنسان

قوي ممّا لا يسمح بطرح سؤال الله دون أن نطرح سؤال الإنسان وبالعكس. فبمجرد أن نطرح سؤال الإنسان نطرح سؤال أصوله ومنشأه وبالتالي سؤال الله سواء لتأكيد وجوده أم لنفيه.

        فالخطر إذن هو نسيان موضوع أو سؤال الإنسان. ففي الفصل الثاني من سفر التكوين نقرأ: «انموا واكثروا وملأوا وتسلطوا...». إذن منذ البداية سؤال الإنسان مطروح والله خلقه وسلّمه الكون وبما فيه. من هو الإنسان وعن أي إنسان نتكلم؟

        الإنسان هو كائن شخصي: أي أنه يتكلم باسمه «أنا». أنا أتكلم باسمي الشخصي وما من أحد يتكلم باسمي أنا، ولهذا السبب بدأنا ب أؤمن. أنا من أتكلم، من يتخذ القرارات الخ. بهذا المعنى نقول بأن الإنسان هو كائن شخصي وهذا ما يميزه عن بقية الكائنات الحية. الإنسان قادر أن يخطط للمستقبل ويقرأ ماضيه، وأن يحلل واقعه الخ. بالإضافة إلى أنه يتميز أيضاً بموقفه وتعامله مع الموت. إنه يطرح موضوع الموت، حتى ولو لم يكن يفكر بموته الشخصي إلاَّ في حالات نادرة أو خطرة. وكلنا نعلم بالحجم الذي يأخذه الموت في حياتنا.

        الإنسان هو كائن مسؤول عن ذاته وعن العالم، يخطط لمستقبله، هو من ينجح أو يفشل ويتحمل نتيجة قراراته وفي الوقت نفسه مسكون بقلق، قلق الوجود أو قلق الموت كما يسمونه الفلاسفة. هذا القلق طبيعي ومشترك بين جميع البشر ويميز الإنسان عن بقية الكائنات الحية الأخرى. إنه القلق أمام الموت، أمام محدوديتي، أمام عدم سيطرتي على ذاتي بشكل كامل. ميزة أخرى مهمة للإنسان هي اللغة. لغة التجريد. مثلاً النظريات التي ندرسها تنطلق من أشياء بسيطة في الحياة (الخاص) باتجاه النظريات والتعميم. أي أن الإنسان قادر للوصول إلى التعميم انطلاقاً من أشياء بسيطة وتافهة إلى حد ما. وهذا يعود جزئياً لكون الإنسان أكبر من أن نقوله بكلمات بسيطة. الإنسان كائن معقد.

        اعتدنا أن نقول بأن الإنسان خلق على صورة الله كمثاله، ولكن هل تساءلنا ماذا تعني هذه الآية؟ الإنسان مدعو ليكون سيد وهذه ميزة أخرى للإنسان. الإنسان يحاول أن يكون سيد الكون وهذه المحاولة هي سبب صراع دائم بين الإنسان والطبيعة، وبينه وبين الكون. مثلاً اليوم تعيش البشرية قلق ارتفاع حرارة الكون والعلماء قلقون كثيراً من هذه الظاهرة.

        والإنسان يحاول أيضاً تنظيم المجتمع من أجل تأمين الحقوق للناس ولكي يعمل الجميع من أجل الخير العام. هذا الأخير له دور مهم جداً، لكن من هم الذين يعملون اليوم من أجل الخير العام. لا بل أكثر هل عبارة الخير العام لا تزال موجودة في قواميسنا أم انتهت؟

        الإنسان يتميز بالوعي، وعي نفسي ووعي أخلاقي. وعي الإنسان النفسي يصحبه وعي أخلاقي مرتبط بالمسؤولية أو بالشعور بالمسؤولية. لأن الإنسان يميز إلى حد كبير بين الخير والشر. فنحن نبني علاقاتنا مع الآخرين، نفكر بكل ما يدور حولنا، ونريد ونسعى لكي نتحكم بوجودنا. كل فرد هو إذن فاعل شخصي، كما أنه فاعل له حقوقه وواجباته. مقابل هذا الكلام هناك اعتراضات مهمة.

        الاعتراضات:

بالمقابل العديد من العلوم الطبيعية والإنسانية تسعى لتبين لنا بأن الإنسان بعيد جداً من أن يكون حراً بكل معنى الكلمة وخاصة من أن يكون سيداً لذاته وللكون، بالرغم من كل التطور العلمي والتكنولوجي الذي يعيشه اليوم. العلوم الإنسانية تقول لنا أننا اليوم نفكك الإنسان ونعيد تركيبه إن صح التعبير ولكننا نصل إلى النتيجة بأن الإنسان يصطدم بمحدودية كبيرة، والتحليل النفسي يقول بأن أغلب تصرفاتنا وردود أفعالنا يتحكم بها اللاوعي، وبالتالي أين هي حرية الإنسان؟ اعتدنا أن نقول بأن الله خلقنا أحراراً ، والعلوم الإنسانية تقول لنا عكس ذلك. والسؤال الذي نطرحه باستمرار هو هل نحن مخيرين أم مسيرين؟ هل تحت بالفعل أحراراً؟ هل الكنيسة تؤمن بالقضاء والقدر؟ أغلبية المسيحيين يطرحون على أنفسهم هذه الأسئلة.

يمكننا أن نجيب على هذه الاعتراضات بطريقتين. الأولى تقول بأن الإنسان ولاشك كائن محدود. محدود من قبل المجتمع والتربية الخ. ممّا يجعل حرية الإنسان محدودة. الطريقة الثانية العلوم الإنسانية تقول لنا من هو الإنسان، لكن لا يمكنها قوله بشكل كلي لأن الإنسان أكبر منها بكثير ولا يمكنها الإحاطة به بشكل كامل. دون أن ننسى بأن الإنسان يسير باتجاه إنسانيته، لم يصبح بعد إنسان فكيف للعلوم الإنسانية أن تقول ما لم يوجد أو يتحقق بعد؟ ولهذا السبب لا نملك جواباً نهائياً على سؤال من هو الإنسان.

هذه العلوم تعلمنا الكثير عن الإنسان لكنها تنسى في أغلب الأحيان أنه يبقى هو الفاعل حتى في عملية الفك والتركيب. إنه يعي بأنه هو من يتساءل حول وجوده ومعنى هذا الوجود. هذا هو الإنسان وهذا ما يميزه  بأنه شخص. فالإنسان إذن هو من يحلل ذاته، موضوع ذاته وبالتالي يعيش إلى حد ما نوع من الازدواجية بين الذاتي والموضوعي.

        حوار داخلي والذاتية الإنسانية: في كل إنسان شيء من الازدواجية، لا ازدواجية الشخصية، إنما ازدواجية بمعنى أنه في الإنسان هناك حوار داخلي، أفكار مستمرة تدور في أعماقنا حتى ولو لم نكن واعين لها. الإنسان يعيش على محورين إن صح التعبير: محور موضوعي من السهل تحديده (مختلف العلاقات التي نعيشها يومياً) والذي يمكن تلخيصه بكل ما يفكر به الإنسان ويقوله علناُ شفهياً كان أم كتابياً. وهذا الأمر يقوله للآخرين كما يقوله لذاته أيضاً. كما لو أنه آخر بالنسبة لذاته. أما المحور الذاتي فليس من السهل تعريفه والتعبير عنه لأننا لا نستطيع أن نراه وجهاً لوجه إن صح التعبير. إنه يعمل فينا بشكل لاواع ويدفع بنا إلى الأمام. كالذي يريد أن يرى ظهره بدون مرآة. مثلاُ الطفل الذي يلعب ويشعر بأن أمه لم تعد بالقرب منه. أو عندما أعمل وأكون مأخوذ كلية بعملي، هذا لا يلغي وعي لذاتي بأنني أنا من يقوم بهذا العمل (الكمبيوتر، قيادة السيارة الخ).

        هذا البعد الذاتي هو في النهاية، الأساس. ندركه دون أن ندركه في الوقت نفسه. إنه الأهم لأنه هو المحرك لكل ما يقوم به الإنسان. إنه يتجاوز البعد الموضوعي ويدفع به دائماً إلى ما هو أبعد. بهذا المعنى يمكننا القول بأن الإنسان هو كائن غير راض ولا يمكنه أن يرضى يوماً ما. إنه مكان رغباتنا الحقيقية، مكان شغفنا، مكان إبداعنا وخلقنا، وقراراتنا. هذه الازدواجية هي التي تسمح لنا بالتفكير. ولكن لا يمكننا فصل المحوين عن بعض. هناك من يعيش أقرب إلى الموضوعي وهناك من يعيش أقرب إلى الذاتي.

        محور منفتح على اللانهاية: هذا المحور الذاتي مسكون برغبة قوية لا يمكن أن تكتفي، رغبة في الذهاب دائماً إلى ما هو أبعد، لملكية أكبر، لكي يكون أكثر. بهذا المعنى يمكننا القول بأن الإنسان هو من مجال الأكثر (مهما اختلفت الدعايات التلفزيونية فكلها تشترك بكلمة الأكثر: أكثر بياضاً، أكثر جمالاً، أكثر نعومة الخ). هنا نرى تداخل الحاجة مع الرغبة. فالرغبة دائما أبعد ولا يمكن تلبيتها بشكل كلي والإنسان هو من مجال الرغبة وليس من مجال الحاجة كما يحاول العالم أو المجتمع الاستهلاكي أن يقنعنا اليوم. فالرغبة لدى الإنسان تتميز إذن باللانهاية، بمعنى أنها لا تتوقف، وإن توقفت مات الإنسان. رغبتنا ليست فقط رغبة في أن نملك الأكثر، إنما وبشكل خاص أن نكون الأكثر. أن نحقق رغباتنا وأن نعمق رغبتنا الأساسية هذا ما يجعلنا ننمو بشكل عام وخاصة في السعادة. فالرغبة في الحياة، في المعرفة، في الحب هي التي تدفعنا باتجاه المستقبل وتجعلنا نتساءل دون توقف.

        أن نتساءل، هذا ما يميز الإنسان، هذه هي تساؤلات الطفل البريئة ظاهرياً ولكنها تخبئ ورائها عمق كبير. فالإنسان يتميز أيضاً بأنه يسأل لدرجة أنه يطرح سؤال السؤال.

        رغبة لا حدود لها، أو رغبة في اللانهاية، في المطلق؟ الإنسان مكون أو مسكون بتناقضات مهمة: محدود ولكنه مسكون برغبة لا تعرف الحدود. محدود ولكنه ضمن هذه الحدود لديه إمكانيات وطاقات لا حدود لها. فالإنسان يتألم من هذه الحدود كما أنه يتألم من عجزه عن تجاوزها بشكل كلي. من هنا تأتي الصرخة، صرخة الفرح في كل مرة يقدم لنا فيها العلم خطوة جديدة  باتجاه هذا التجاوز. فهل يمكننا القول بأن هذه الرغبة التي لا تعرف الحدود أو النهاية هي الرغبة في المطلق؟ لا! لأنها تختلف الواحدة عن الأخرى. والانتقال من الواحدة إلى الأخرى هو من مجال وعمل الحرية الإنسانية.

        هناك اللامحدود أو اللانهاية له ولكنه لا يؤدي بنا إلى شيء: مثلاُ الدجاجة والبيضة من الأول أو الأقدم؟ وهذا بالنتيجة لا يرضي الإنسان. وهناك اللامحدود، موضوع رغبتنا والذي يتعلق بطريقة أو بأخرى بموضوع المطلق. ولكن لا نتسرع ونسمي هذا المطلق الله. هناك من يسميه بأسماء مختلفة عن المؤمنين. ولكن إنسجام الرغبة اللامحدودة يتطلب بأن تكون رغبة في المطلق غير اللامحدود، وإلاَّ تنتهي الرغبة باللامعنى. أكرر وأقول بأن الانتقال من الواحدة إلى الأخرى هو من عمل الحرية الإنسانية، أي هو قرار حر. بهذا المعنى يقول المفكر الفرنسي باسكال بأن «الإنسان يتجاوز الإنسان». والعلم يقول أن الإنسان لم يستعمل حتى اليوم أكثر من 30 – 40% من إمكانياته.

        هذا هو الإنسان وهذه الخبرة لا مفر منه لأنها جزء من تكوين الإنسان، إنما قد لا نعي هذا الأمر ونعبر من جانبه دون أن نشعر به، لكنه موجود وغالباً ما نعيشه بشكل لاواع أو أنه أمر بديهي. وهذا أمر سيء للغاية؛ وهذه هي مشكلتنا هنا. نعيش الأمور دون أن نبذل جهداً للتفكير حولها والتساؤل بخصوصها.

        هنا يأتي دورنا، هنا تتدخل مسؤوليتنا وحريتنا. الإنسان كائن حر مهما كانت مساحة هذه الحرية محدودة كما تبينها لنا العلوم الإنسانية بمختلف أنواعها. فالحرية تسكننا، إنها أصلية إن صح التعبير، جزء من تكويننا ولكن تقع علينا مسؤولية توسيع مساحتها وتنميتها. هذا ما يجعل من الإنسان إلى حد ما سر لذاته، وفي الوقت نفسه يمكننا القول بأن الاعتراف بحريتنا هو بحد ذاته عمل حرية. فحريتنا تتعلق بالموقف الذي نأخذه منها.

        في الإنسان مستويين للحرية: ما يسمى إمكانية الاختيار والتي نمارسها بشكل شبه يومي وبشكل واع تماماً. وانطلاقاً ومن خلال هذه الاختيارات التي نمارسها ونعيشها يرتسم ما يمكننا تسميته بالخط العام لحياتنا والذي يوجهها ويعطيها معناها إلى حد ما. شيئاً فشيئاً انطلاقاً من هذه الاختيارات البسيطة، في النهاية نختار أنفسنا. وهنا المستوى الآخر والأهم للحرية. هذا المستوى يكمن في أن نختار أنفسنا كما قلنا، أي أن نصنع أنفسنا، أن نحقق ذاتنا، أن نقرر مصيرنا إن صح التعبير. دون شك هذين المستويين مرتبطين ببعضهما البعض ولا يمكننا فصلهما. هذين المستويين علينا أن نربطهما بالقطبين الذين تحدثنا عنهما: الذاتي والموضوعي. فإذا كنا أحرار، فهذا يعني أننا مسؤولون ومسؤولون عن ذاتنا وعن تحقيقها. حياتنا كالورقة البيضاء وعلينا نحن أن نكتب عليها أن نمليها.

        خبرة أساسية:  هذه الخبرة هي في النهاية خبرة أساسية. لأننا لا يمكننا الهروب منها. ولأنه لا يمكننا استنتاجها من مصدر آخر.

        جواب ضروري: نعم أو لا: هنا نجد أنفسنا أمام واقع غريب وخفي لأن لا سلطة لنا عليه أبداً. هذا هو واقعنا ولا يسعنا أن نتفاعل معه إلاّ من خلال قرار حر وجواب حر: نعم أم لا! لهذا الواقع. فإما نثق بأن حياتنا لها معنى وأن هذه الديناميكية الداخلية الذاتية والخفية سوف تؤدي بنا في نهاية المطاف، إلى المعنى. لأن هذه الديناميكية كما حاولنا أن نبين لا يمكننا التسلط عليها، فهي تعمل فينا بالرغم منا وفي أعماقنا. وبالتالي نثق بها.

        وإما لا! أي نرفض وجود المعنى ونعتبر أن هذا الأمر هو بكل بساطة تعقيد حباً بالتعقيد ووجع رأس بدون طعم وبالتالي نكتفي بما نعيشه يوماً بيوم. ولكننا ملزمون إن صح التعبير بأن نأخذ موقفاً أمام هذا الأمر، هذا الواقع. وكما يقول الفيلسوف الفرنسي «جان بول سارتر» :«إنه محكوم علينا بأن نكون أحراراً». ولكن هذا الاختيار لا يتم دائماً بشكل واع وبقرار واع وبلحظة معينة. هذا الجواب نعطيه خلال حياتنا كلها، من خلال كل ما نعيشه من نشاطات وأعمال وعلاقات إنسانية. بالإضافة إلى أن هذا الجواب قد يحمل في طياته تناقضات وجودية عديدة: جواب يعلن اللامعنى المطلق، ولكن من جهة أخرى يعمل ويعيش انطلاقاً من قيم تمثل المطلق.  

        من يعطي المعنى؟ أولاً الإنسان هو من يعطي المعنى لما يعيشه أو بالعكس. لكن في النهاية الإيمان، الله هو الذي يعطي المعنى. «فالإيمان يعطي معنى لما ليس له معنى، ويضيف معنى أعمق لما له معنى كما» يقول فرنسوا فاريون في كتابه فرح الحياة بهجة الإيمان

جديد الموقع
أسئلة وأجوبة
أُصبتُ بحالة فصام منذ أربع سنين واليوم تحسنتُ وزالت الأوهام لكنّ مستواي الدراسي قد تراجع وأصبحت أعاني من الدراسة وأخاف أن أستنفذ سنواتي الجامعية وألا أتخرّج.

مع الأسف العلاج الوحيد هو دوائي ضروري مراجعة الطبيب بهذا الخصوص.

مكتوب بسفر الخروج فاني اجتاز في ارض مصر هذه الليلة و اضرب كل بكر في ارض مصر من الناس و البهائم و اصنع أحكاما بكل الهه المصريين أنا الرب ..وهذا يعني أن الله قاتل وهذا يتناقض مع تعاليم الإنجيل..ونحن بالكنيسة بعد القراءة نقول كلام الرب..يعني الكنيسة تؤمن أن

لا يمكن قراءة أي نص في العالم وبشكل خاص الكتاب المقدس قراءة حرفية فهي تقودنا دائماً إلى طريق مسدود. وبالتالي علينا الذهاب إلى ما رواء الكلمات، إلى الرسالة التي يريد النص إيصالها لنا. بالمقابل، شعب العهد القديم، مثلنا نحن، تصور الله على صورته كمثاله بينما