header logo
لا يُمكِنُ الثِقَة بِشَخصٍ لا يَثِقُ بِأحد

أين كان الله أثناء التسونامي؟

       من هو الله؟ كل كارثة تحمل معها الكثير من الشكوك: ألم يكن الله قادر على منع حدوثها؟ كيف يمكن الاستمرار بالإيمان بحضور فعّال لله الذي نقول عنه بأنه «حبّ» وقادر على كل شيء؟ دعونا نسأل الكتاب المقدس في مواجهتنا لهذا السؤال.

       «الله لم يصنع الموت؛ لا يُسرّ بهلاك الأحياء؛ فإنه خلق كل شيء

لكي يكون». بهذه الطريقة يعبّر سفر الحكمة «1، 13 - 14»، والعهد الجديد يعطي لهذا الحدس كلّ معناه. فالمسيح الذي فيه يكشف الله عن نفسه، يقدم ذاته كشافي، عدو لما يسيء للإنسان، شافياً كل مرض وكل إعاقة. وبولس الرسول يقول الأمر عينه بكلمات أُخرى: يسوع رُفع فوق كل رئاسة وسلطان وقوة تعاكسنا «وآخر عدوّ يبيده هو الموت» (1 قور 15، 24 - 25).

حتى أن بولس يستطيع أن يرتل في نهاية الفصل 15: «قد ابتلع النصر الموت، فأين يا موت نصرك؟ وأين يا موت شوكتك؟». سوف أتكلم عن هذا الانتصار على الموت. ولنأخذ الآن بعين الاعتبار هذا اليقين الذي يوجه كل صورة نكونها عن الله: لا علاقة لله في آلامنا وموتنا. إنه بريء من كل ما يسيء إلينا؛ ليس فقط بريء، بل عدو لشقائنا كما تبين لنا أعمال المسيح نفسها.

       فلماذا إذن الرجوع عن هذه القناعة، التي سبق أن شُرحت مراراً وتكراراً في مختلف المجالات المسيحية؟ لأن الحوادث التي تواكب حياتنا يمكنها أن تُعكّر يقيننا وتدعونا لتجديد أفكارنا. فهكذا أمام كارثة «تسونامي» التي ضربت الجنوب الشرقي الأسيوي في 26 كانون الأول من عام 2004 يظهر السؤال: كيف يمكن أن نؤمن بحضور فعّال لله الذي نقول عنه أنه حبّ وقادر على كلّ شيء؟

مصائبنا وكوارثنا ليست بعقاب ولا بامتحان.

       السؤال ليس بجديد: إنه يلازم عدد كبير من المزامير؛ نراه طوال سفر أيوب؛ ويأخذ تعابير جديدة في سفر الجامعة. ومع ذلك فالكتاب لا يلخص أبداً إلى القول بأن: «لا وجود إذن لله»، يبقى الكتاب المقدس أمام السؤال، أمام السر؛ وخلاصة أيوب هي دعوة إلى عدم البحث عن الفهم. على العكس كان يجب انتظار المسيح من أجل ذلك؛ والجواب الذي سيعطيه بعطائه لذاته صعب القبول بأنه دخل في تفكيرنا.

       لماذا الألم والموت؟ سوف أكتفي بتوضحين تقليديين: الألم هو عقاب والألم هو امتحان. هذا الموقف له علاقة بطريقة ما مع الكتاب المقدس، ممّا يبين بأن أسفار العهد القديم تشكل نوعاً من المراحل مؤقته، على مسيرة طويلة باتجاه الحقيقة، طريق يأخذ بعين الاعتبار ويجعلنا نتجاوز كل أوهامنا بخصوص من نسميه الله. وكما هو مفترض، الكلمة الأخيرة لن تعطى إلاَّ في النهاية، عندما يكون «الحمل المذبوح» (المسيح في فصحه) هو الوحيد القادر على أن يكسر أختام الكتاب السبعة لكي يكشف المعنى (رؤ 5).

       إنسان الكتاب المقدس فكَّر أولاً بأن مصائبه وشقائه هم عقاب على أخطائه، من أجل عدالة إلهية تتطلب أن يتم رضاها. سفر أيوب يتمرد أمام هذه اللغة التقليدية القاسية: إنه إنسان بار، بريء (أيوب)، يعرف مصير الخاطئين. فهذا الألم ليس بعقاب؛ وبخصوص هذا الموضوع يعطي الله لأيوب الحق (42، 7). ومع ذلك يبقى السر على حاله. على هذا الملف، يمكننا إضافة نص لوقا 13، 1 – 5 ، حيث يشرح يسوع بأن الجليليين الذين قتلهم بيلاطس لم يكونوا أكثر خطيئة من الآخرين، وأن من حطّمهم سقوط برج سلوان لم يكونوا أكثر خطيئة من سكان أورشليم.

       هذا النص مهم، لأننا نجد فيه شقاء ومصائب أتوا من حرية الإنسان (قرار بيلاطس) أو من الظروف الغير متوقعة (سقوط البرج)، مخيمات الموت و المد العالي. في إنجيل يوحنا 9، 1 – 3 حيث عمى المولود أعمى لا علاقة له بخطيئة ارتكبها لا هو ولا أهله. إذن لا وجود لانتقام إلهي. إذا كان الأمر كذلك فهل تكون مصائبنا وشقاؤنا امتحان من الله؟ هذا الموضوع نراه حتى في العهد الجديد. يجعلنا الله نتألم ليرى مصداقية إيماننا، ليعرف ما هو مخبأ في أعماقنا. باختصار، يمكننا التوقف على أمرين. أولاً، إذا كان هناك من امتحان، فهو لا يصل إلى درجة الموت؛ إنه تربوي وعليه أن  يعزّز النمو. ثم، ما يمتحن الإنسان هو العطاء المُستقبل أكثر منه الشقاء. فمثلاً المنّ في سفر الخروج الفصل 16، مُقدم «كخبز الامتحان». يمكننا القول بأن كل ما يحصل لنا يمتحننا، يسمح لنا بأن نزن إيماننا، ورجاءنا، وحبنا، ولكن هذا لا يعني أبداً أن هذه الامتحانات هي من الله. هذه التوضيحات التي تستند على صورتنا الخيالية  عن الله التي تدعلنا نقول بأن كل ما يحدث في حياتنا هو من الله، الله الذي يصنع التاريخ. لن أعود على انتقاد هذه الفكرة الطفولية عن «العناية». يبقى السؤال هنا أيضاً على حاله: من أين تأتي الشرور التي نعاني منها؟

       عالم من الصراعات: الكتاب المقدس يقيم غالباً علاقة ضيقة بين الشقاء، الكوارث والمصائب وبين الخطيئة. فهل سنعود الآن مجدداً إلى أسطورة العقاب؟ ليس بالضرورة، بالرغم من أن نصوصنا تقترب أحياناً من هذا المفهوم الغير محتمل. لكي نفهم العلاقة بين الشقاء والخطيئة، علينا أن نقرأ الفصول الثلاثة من سفر التكوين. ما يخرج من يدي الله هو عالم مسالم. كل الناس نباتيين: لا حاجة لهم للقتل لكي يستمروا في الحياة (الفصل الأول). الحيوانات تخضع للإنسان بما أنه هو من يسميها. الطبيعة خيّرة؛ وتعطي ثمارها بدون مشكلة. ثم تأتي الخطيئة، المُقدمّة على أنها شك، حذر أمام القدرة التي خلقتنا. وبالتالي ندخل في عالم الصراع. دون الدخول بالتفاصيل يمكننا أن نلاحظ بأن البشرية المخلوقة من الله هي كالله، واحدة. وحدة الحبّ: إنها تأتي من الانتساب المتبادل للرجل والمرأة. وعندما يستقر الحذر، تتفكك الوحدة، والإنسان يتمزق: «عظم من عظمي ولحم من لحمي» تصبح «المرأة التي جعلتها معي»، هذه العبارة تتهم كل من المرأة والله، الواحد بقدر الثاني. صراع الرجل والمرأة يقود إلى تسلط الرجل على المرأة، تسلط لا يقصي الرغبة إنما كاتب السفر يلاحظه في المجتمع الذي يعيش فيه وينسبه إلى الخطيئة (3، 16). إلى صراع الرجل والمرأة، يُضاف صراع الإنسان والطبيعة: تصبح الأرض صحراء تنتج شوكاً وحسكاً؛ والعمل يصبح شاقاً وتنتهي الأرض بأن تستعيد من الإنسان حياته.

       في الفصل الرابع ينبعث الصراع، صراع بين الإنسان والإنسان. قاين وهابيل يدشنون سلسلة كل أشكال العنف الأخوي الذي يلازم الكتاب المقدس. حتى هذه اللحظة الوجه الأخير للعداوة بين اليهودي والوثني، التي لا تجد لها من حل إلاَّ في المسيح «سلامنا»، عندما يصبح المتخاصمين شعباً واحداً. وبولس يقول: ليس هناك يهودي ولا يوناني؛ لا رجل ولا امرأة. وفي رسالته إلى أهل رومة « 8، 19 – 22»، يقول بأن الخليقة جمعاء تئن من آلام المخاض منتظرة ساعة المصالحة.

       حتى هذه اللحظة، لا يمكننا الاتكال على عطف كامل لا من قبل البشر، ولا من قبل الطبيعة. نكرر ونقول بأن هذا «الطلاق» بين البشر ومحيطهم ليس، بنظر الكتاب المقدس، بعقاب إلهي. إنه ثمر سام لعدم التوافق الأساسي بين حريتنا وحقيقتنا.

       والله في كل ذلك؟ إنه دائماً القوة الخلاقة التي تسكننا، لكنه لا يستطيع الوصول بدون موافقتنا. كل شيء مبني على منطق العهد، ومن خلالنا يمكن للقوة الإلهية أن تعمل. الله لا يريد ولا يسمح بالكوارث التي تصيبنا. إنها تحدث في أنٍ معاً ضده وضدنا. على الصليب ندرك أنه ليس القاتل إنما ضحية شرنا. أين كان الله عندما حدثت ظاهرة التسونامي في الجنوب الشرقي من أسيا؟ بدون شك، في ضحايا الزلزال. يبقى السؤال لماذا؟ لماذا عدم ثقة البشر تسمم العالم بمجمله مع نوع من المفعول الرجعي الذي يجعلها تحمل ثمارها حتى قبل ظهور الإنسان؟ نجيب بأن الخليقة بأجمعها، منذ العنصر الأول، هي مشروع بشرية. ليكن، ولكن لماذا؟ ولماذا الشر؟

       العقيدة القديمة للخطيئة الأصلية لا يمكن قبولها. فالفصل 3 من سفر التكوين لا يروي لنا مغامرات «أهلنا الأوائل» ولكن، في اللغة الأسطورية، هناك رفض موجود في كل البشر وكل الأزمنة. إنه الإنسان القديم الذي يتكلم عنه بولس، الإنسان الذي منه ننطلق لتحقيق البشرية الحقيقية. يمكننا قراءة 1 قور 15، 44 -49. في طريقنا باتجاه الإنسان الجديد، إنسان الخليقة المُتممة، كل آلامنا تصبح آلام مخاص ولادة.

       في الحقيقة، ما من أحد استطاع أن يجيب بطريقة مرضية على مشكلة الألم. قد نكون هنا أمام شجرة معرفة الخير والشر، شجرة ثمرها متعذر وممنوع. والمسيح لا يعطينا أي شرح لها. بالطبع في رسالته إلى أهل رومة 5، 13 – 19 يربط الشر بخطيئة آدم، ولكن في الآية 14 يقول لنا بولس بأن آدم ليس سوى صورة، رمز لمن سيأتي، المسيح. إذا كانت نصوصنا لا تقول لنا من أين يأتي شقاؤنا ومصائبنا، فهي تكشف لنا بأنها تمس الله أولاً وأنه يأتي ليشاركنا المصير الذي اعتقدنا مطولاً أن من نصيب الخطأة.

       نعلم أننا لسنا وحدنا، وحيدين على طرقاتنا، التي غالباً ما تكون مؤلمة، والتي تفرضها علينا الحياة. «الله معنا»، حتى على صلباننا، هذه هي الرسالة. هذا التعبير يحيط بإنجيل متى (1، 23 و 28، 20). على كل حال الله لا يكتفي بأن يكون معنا في الأسواء، إنه يلتحق بنا فيها ليخرجنا منها. ينزل إلى جهنماتنا ليفتح لنا معبراً نحو الحياة. بحيث أن «الله معنا» يتم ويتحقق في «نحن مع الله».

 

 

جديد الموقع
أسئلة وأجوبة
كيفة يسمى sوnمغناطيسي

عذرا لم أفهم السؤال

في انجيل متى مكتوب ان النسوة امسكت قدمي يسوعوإِذا يسوعُ قد جاءَ لِلِقائِهما، فقالَ لهما: «السَّلامُ علَيكُما!» فتَقَدَّمَتا وأَمسَكَتا قَدَمَيه ساجِدَتَينِ له.اما في انجيل يوحنا منعها يسوع من ان تمسكه فقالَ لها يسوع: «لا تُمسِكيني، إِنِّي لم أَصعَدْ
  • هذا يعني أن كل إنجيلي يريد التركيز على نقطة معينة. بالنسبة لمتى إنه هو المصلوب وقد قام. بالنسبة ليوحنا القائم من بين الموات لم يعد خاضع للزمان والمكان فلا يمكن الامساك به