header logo
الحَقيقةَ مُسَتقِلّة عَن الأعمال

هل أراد الله التعددية الدينيّة؟

إنه لتنوع مزعج. في عالم حيث التبادل بين البشر يتضاعف، يجد المسيحيون أنفسهم في مواجهة مع تعددية دينية، ومعتقدات تزعزع استقرارهم. فهل هذه التعددية هي جزء من مخطط الله؟ هل تضع مصداقية الطريق المسيحي موضع تساؤل؟
لماذا تعددية الأديان؟ السؤال ليس بتافه، خصوصاً عندما نعرف المواجهات والاشتباكات المتبادلة التي عرفتها الأديان خلال التاريخ. وكل يوم نرى المشاكل المطروحة بسبب التواجد المشترك

لهذه الأديان المختلفة في البلد نفسه والتي لديها طقوس وأعياد وممارسات مختلفة وحتى القيم الأساسية أيضاً.
المسيحي مقتنع بأن الله يريد خلاص الجميع ومؤمن بأن المسيح وكنيسته يقدمون الطريق الصحيح لخلاص البشرية، وبالتالي لا يمكنه إلاَّ أن يتساءل حول معنى وجود أعداد مختلفة من الأديان الغير مسيحية. نحن لا نتحدث هنا عن الانقسام بين المسيحيين، الذي يشكل مشكلة مختلفة، حتى ولو كان لها علاقة مع الأولى. ما المعنى إذن من وجود هذه التعددية الدينية؟ كيف يجب علينا اعتبار الأديان الغير مسيحية؟ الموضوع ليس مجرد موقف أخوي أو محبة علينا تبنيه أمام كل الأديان، وأمام كل كائن بشري. الموضوع هو التفكير حول معنى وقيمة هذه الأديان.
الله يأتي ليبحث عن الإنسان: لننطلق من معطية أساسية. الإنسان مسكون برغبة بالمطلق لا مفرّ منها. الرغبة في المطلق، هي الرغبة في كل شيء ومنذ البدء، في حياة كاملة وسعيدة كليّة. والأديان تحت أشكال مختلفة كثيراً، هي تعبير الإنسان الذي يبحث عن الله.
ولكن الإيمان المسيحي يقول لنا أولاّ وقبل كل شيء بأن الله لا يكتفي بأن يترك الإنسان يبحث عنه. إنه، منذ بداية العالم، يبحث عن الإنسان: « آدم أين أنت؟»، يقول الله، بعد سقوط الإنسان في الخطيئة (تك 3، 9). ويأتي ليبحث عنّا حتى صليب ابنه.
الله يريد أن يعطي ذاته للإنسان ويشركه في حياته الشخصية. وهذا ما يُسمّى بالوحي. الله يكشف عن ذاته للإنسان بطريقتين: أولاً من خلال جمال الكون، ثم بتدخله في تاريخنا. ولكن، في الحالتين، الشهادة الخارجية تلتحق «بسر» الشهادة الداخلية لوعينا الذي عليه أن يجيب ويتحد بهذه الشهادة الخارجية.
المزامير تحتفل بالوحي الكوني: « السَّمَواتُ تُحدِّثُ بِمَجْدِ الله والجَلَدُ يُخبِرُ بِمَا صَنَعَت يَداه.النَّهارُ لِلنَّهارِ يُعلِنُ أَمرَه واللَّيلُ لِلَّيل يُذيعُ خبَرَه» (مز 19، 2 - 3). العلماء اليوم وجدوا مجدداً المعنى: أحياناً، يقعون في تجربة تسمية الله في نهاية «تلسكوبهم». هذا الوحي شامل: إنه مُعطى لكل البشر. إنه أساس العديد من الديانات، خاصة الديانات الوثنية أو الديانات القديمة للهنود الحمر. هذه الديانات، المختلفة بقدر اختلاف البشر، تتلاقى في الاعتراف بوجود غيرية أو قدرة إله كوني. فمن المسموح القول بأنه، من خلال كشف عظمته في الكون، الله يبحث عن الإنسان، حتى ولو أنه يقوم بذلك بطريقة لا تزال مغلّفة.
الوحي في التاريخ: الطريقة الثانية التي يستعملها الله ليكشف عن ذاته ويعطيها للإنسان هي تدخله في تاريخنا. فالكلمة ستكون أكثر غنى بكثير من الطريقة السابقة. ولكن، علينا الانتباه: الوحي التاريخي لا يمكنه أن يكون مباشرة شامل كالوحي الكوني. فإذا كان الله يريد أن يحترم تاريخنا، لا يمكنه أن يتوجه مباشرة للجميع، بما أن البشر منتشرين في المكان والزمان. لا يمكنه القيام بذلك إلاَّ بتوجهه لبعض البشر الخاصّين الذين سيسجلون تدريجياً كلمته في تاريخهم. فالله لا يمكنه التحدث إلى البشر إلاَّ بطريقة إنسانية. فلكي تصل كلمته إلينا بصفتها حقيقة إلهية، عليها أن تجعل من ذاتها كلمة إنسانية بالحقيقة «على العام أن يصبح أولاً خاص؛ أو العام لا يضل إلى الخاص إلاَّ عن طريق الخاص».
في ثقافة حقبة تاريخية وشعب محدد: كيف يمكن لهذا الأمر أن يتم؟ نراه لدى الأنبياء. هؤلاء الناس اختبروا في أعماقهم، وفي تجاوز وعيهم، خبرة حضور الله ونقل رسالة كتبوها لاحقاً بكلمات إنسانية. هكذا كان الأنبياء قادرين أن يختموا إعلاناتهم بتعبير قوي «هكذا تكلّم ربّ القوات»، في نهاية خطاب هو خطابهم كليّة. فذروة الوحي التاريخي، ذروة هذا اللقاء بين إلهام إلهي وكلمة إنسانية، توجد في يسوع الإنسان الذي تكلّم لغة البشر، هو كلمة الآب الأبدية، الذي صار جسداً، أي مؤلف لكلمات إنسانية. فالوعي الإلهي والإنساني ليسوع كان المكان بامتياز للوحي التاريخي لله إلى البشر. هذا يشرح لنا اختيار شعب العهد القديم. فهو ليس باختيار عشوائي لشعب على حساب الآخرين، إنه اختيار شعب من أجل الآخرين. اختيار تربوي يعبر من البعض من أجل فائدة أو مصلحة الجميع، بنفس الطريقة نفهم احتيار الرسل ومن بعدهم بولس الخ. هذا الشعب كان موضوع تربية إلهية طهّرت ببطء معناها الديني لمختلف أشكال خبثه، وكشفت له إله التوحيد النقي بشكل خاصّ، وكبّره على الصعيد الأخلاقي وهيأه ليسمح له بولادة ابن الله. كذلك، إذا أراد الله أن يصبح شخصاً إنسانياً بين البشر، عليه أن يأخذ على عاتقه كليّة الوضع الإنساني، أي أن يقبل بأن ينغمر في التسلسل الطويل للأجيال وأن يتضامن مع ثقافة عصر وشعب خاصّين (انظر سلالة يسوع في متى 1، 1 - 17). كلمته تنتقل من إنسان لآخر، انطلاقاً من شهادة الرسل، بحسب القوانين الطبيعية للاتصالات الإنسانية. هذا هو معنى رسالة الكنيسة: أن تُعلن وتحمل لكل الناس وحي خلاص يأتي من الله وهو للجميع.
الخلاص مُقدّم للجميع: ولكن ماذا نقول عن الخلاص للجميع، من لا يعرفون المسيحية والذين عاشوا قبل مجيء يسوع أو يعيشوا متبعين أديان أخرى؟ هل هم خارج مخطط الله؟ ماذا يمكننا أن نفكر بالقول الفاضح برأينا: «خارج الكنيسة لاوجود للخلاص»؟ المجمع الفاتيكاني الثاني، في دستوره حول الأديان الغير مسيحية، دشّنَ موقفاً جديداً كليّة بخصوصهم، ساعياً ليحمل حكماً إيجابيا على كل القيم الإنسانية والدينية التي تعلنها، معترفاً في الوقت نفسه بحدودها. فحوار الأديان أصبح جوهرياً في حياة الكنيسة، نظراً للعولمة المتنامية، خصوصاً مع اليهودية، الإسلام، والبوذية والأديان الأخرى في أسيا. هذا الحوار لا يزال أمامنا، لأنه لا يطرح علينا فقط السؤال: «لماذا كنيسة واحدة من أجل جميع البشر؟»، إنما أيضاً «مسيح واحد ووسيط واحد بين الله والبشر؟».
يمكننا القول بأن كل إنسان، أيّاً كانت علاقته التاريخية مع يسوع المسيح، قبل مجيئه أو بعده، ومهما كانت معرفته أو جهله عن الكنيسة والرسالة المسيحية، يبقى أمام عرض الخلاص الذي أتى يسوع ليعلنه علناً للبشرية التي ينتمي إليها وبالتالي يتوجه إليه.
إن كان هناك عرض للخلاص، فهناك أيضاً على الأقلّ جزئياً وحي. كل إنسان مدعو ليحيا جواب إيمان أمام هذا الجزء من الوحي المقدم له، أكان في عمق وعيه، أو بوساطة دينه، إذا كان حامل لبعض العناصر الحقيقية من الوحي. هذا يعني أن مختلف الأديان ممكن أن تُدعى «طرق» نحو الخلاص، حتى ولو كان الطريق الوحيد والنهائي للخلاص هو الطريق الذي اتخذه الله بإرساله لنا يسوع المسيح، هو «الطريق والحق والحياة» (يو 14، 6).
موعد مع حبّ القريب: يمكننا قول ذلك على ضوء الوحي المُستقبل من يسوع، لأن «الله يريد خلاص جميع الناس وأن يبلغوا إلى معرفة الحق» (1 تيم 2، 4). ولكن جميعهم مخلّصون بعطاء المسيح، حتى ولو أننا لا نرى العلاقة المرئية بين هذه الأديان والمسيحية. وكما أن المسيحيين مُخلّصون ومُبرّرون بنعمة المسيح نظراً لإيمانهم، كذلك أيضاً الغير مسيحيين مخلّصون أيضاً بالنعمة عينها ونظراً لإيمانهم الضمني في المسيح الذي يعبّرون عنه بطريقة حياتهم. يمكننا القول بأن إنسان ما يحب قريبه كنفسه، أهلاً لتضحيات كبيرة من أجل الآخرين، قد اعترف ضمنياً بالمسيح الذي يقول لنا: « الحَقَّ أَقولُ لَكم: كُلَّما صَنعتُم شَيئاً مِن ذلك لِواحِدٍ مِن إِخوتي هؤُلاءِ الصِّغار، فلي قد صَنَعتُموه » (متى 25، 40). هذه التأكيدات لا تعفي شيئاً من الواجب الكبير للكنيسة لكي تقوم بكل ما يعود لسلطتها لتعلن المسيح إلى كل البشر.

جديد الموقع
أسئلة وأجوبة
كيفة يسمى sوnمغناطيسي

عذرا لم أفهم السؤال

في انجيل متى مكتوب ان النسوة امسكت قدمي يسوعوإِذا يسوعُ قد جاءَ لِلِقائِهما، فقالَ لهما: «السَّلامُ علَيكُما!» فتَقَدَّمَتا وأَمسَكَتا قَدَمَيه ساجِدَتَينِ له.اما في انجيل يوحنا منعها يسوع من ان تمسكه فقالَ لها يسوع: «لا تُمسِكيني، إِنِّي لم أَصعَدْ
  • هذا يعني أن كل إنجيلي يريد التركيز على نقطة معينة. بالنسبة لمتى إنه هو المصلوب وقد قام. بالنسبة ليوحنا القائم من بين الموات لم يعد خاضع للزمان والمكان فلا يمكن الامساك به