header logo
هناك من يحاول أن يحتفظ بنا بقبور مكلّسة. أتمنى أن نكون قادرين أن ندع القائم من بين الأموات أن يحولها كقبره قبور فارغة

التحليل النفسي والاعتراف

هل حلّ التحليل النفسي مكان الاعتراف؟ سؤال يسأله الكثير من المسيحيين اليوم عندما يقارنون بين الاثنين معتقدين بأن العامل المشترك والأساسي هو البوح بما هو في داخل الإنسان. لاشك أن هذا العامل مشترك بينهما لكن هذا لا يكفي للاستنتاج بأن التحليل حلّ مكان سر الاعتراف أو سر المصالحة كما نعرّفه اليوم.
المصالحة مع الله تعبر وتتحقق من

خلال المصالحة مع الذات ومع الآخر. فهدف سر المصالحة ليس الاعتراف بالخطايا مع أهمية هذه الناحية، بقدر ما هو إعادة العلاقة وتصحيحها مع الله على غرار ما عاشه الابن الضالّ. فالتحليل النفسي وسر الاعتراف مختلفين كثيراً دون أن يتناقضا بما أن لكل منهما مجاله الخاص. فما هو هذا الاختلاف وما هي القرابة أو العلاقة بينهما؟
الإنسان كائن لا يمكن تقسيمه إلى أجزاء، لكنه يعيش في مجالات مختلفة ومتعددة: نفسي، اجتماعي، عاطفي، ديني الخ.. فالمجال النفسي يختلف كثيراً عن المجال الروحي مع وجود إمكانية الذهاب والإياب بينهما. فالحالة النفسية للإنسان لها تأثيرها الحتمي والمهم على الحياة الروحية، بالمقابل، الإيمان والحياة الروحية له مفعوله في المجال النفسي. كلنا نعلم أن الحالة النفسية مثلاً لها دور في الشفاء وبالتالي في المعجزة بطريقة ما. لكن للإيمان دور أيضاً في التغلب على العديد من المشاكل النفسية. وبالرغم من ذلك علينا أن نحافظ على القول بانهما مجالين مختلفين وبالتالي على عدم خلطهما ببعض.
التحليل النفسي يهدف إلى مساعدة الإنسان لمعرفة ذاته، معرفة كيفية عمل اللاوعي الذاتي وبالتالي تحريره من رواسب الماضي التي تكبّله في العديد من تصرفاته وردود أفعاله ومواقفه. بمعنى آخر التحليل النفسي يسعى لمصالحة الإنسان مع ذاته بغية الوصول إلى عيش منسجم معها فيختبر الراحة النفسية. فرواسب الماضي وبشكل خاص الكذب في العلاقة، أي عندما تطلب الأم من طفلها أن يكون كما تريده أن يكون، أو تستعمله كتعويض عن نقص ما أو...هذا الكذب وتلك الرواسب تجعل الإنسان يعيش بشيء من الاغتراب عن ذاته، وبهذا المعنى نقول بأن اللاوعي يحدد أغلبية تصرفاتنا فلا نسيطر عليها وهذا ما عبّر عنه القديس بولس بقوله «إنَّ الخير الذي أريده لا أفعله والشر الذي لا أريده فإياه أفعل». فالهدف الأول للتحليل النفسي هو في النهاية الغوص في عمق الذات والتعرف عليها وعلى طريقة عمل اللاوعي الذاتي ممّا يؤدي إلى التغيير. والذين اختبروا التحليل النفسي يتفاجؤون دائماً بعد العديد من التساؤلات عن كيفية التغيير، يتفاجؤون بأن التغيير يتحقق بهم دون أي قرار من قبلهم. فالتغيير هو بكل بساطة نتيجة هذا التقرب من الذات، نتيجة سكن الإنسان لذاته.
إذن ما يهم التحليل النفسي هو ما حدث في ماضي الفرد وترك أثر سلبي ليساعده على التحرر منه. بمعنى آخر التحليل النفسي هو من المجال الذي يقع إلى حد كبير تحت سلطة الإنسان مع العلم أن هناك جزء لا يستهان به (الحقيقة) ليس للإنسان من سيطرة عليه.
هذا باختصار شديد مجال التحليل النفسي، كيفية عمله وهدفه. أمّا المجال الروحي فهو مختلف تماماً.
الاعتراف أو سر المصالحة هو من المجال الروحي. فهذا الأخير يتعلق بالعلاقة مع المطلق أو مع الله. في هذا المجال لاوجود للبحث عن اللاوعي كما هو الحال في المجال النفسي، إنما هناك سعي للتقرب من الله والقيام بأعمال يطلبها الإيمان وتنبع منه. كما أن التصرفات اللاواعية تُنسب إلى الخطيئة، بينما التصرفات الجيدة فهي من الله. في المجال الروحي تأتي القوة إن صح التعبير من النعمة التي يعطيها الله ومن الصلاة؛ بينما في المجال النفسي فالقوة، كما رأينا تأتي من الانسجام مع الذات. فسر الاعتراف أو المصالحة يختلف إذن تماماً عن التحليل النفسي.
سر الاعتراف أو المصالحة لا يهدف إلى البوح بالخطايا حتى ولو كان هذا الأمر موجود ويشكل جزء من الاعتراف. فالاعتراف يسعى إلى الاعتراف بعطايا الله اللامتناهية «الحبّ» وشكره عليها. وأمام هذه العطايا يكتشف الإنسان ويعترف بضعفه وعدم مقدرته على أن يبادل الله بالمثل «الحبّ»، وبالتالي يعترف الإنسان بحاجته لله ذاته لكي يستطيع التغلب على الخطيئة. فالبوح بالمشاكل والصعوبات التي يعيشها الإنسان ضمن إطار التحليل النفسي يهدف ليتم الانسجام مع الذات الذي يُنتج عنه التحرر، ولكن هذا الأمر لا علاقة له بالله، حتى ولو قد يكون له بعض التأثير على هذه العلاقة، يبقى أن هذه الأخيرة لا تدخل في إطار التحليل النفسي. مثلاً في التحليل النفسي لا يحق للمحلَّل الدخول في موضوع الدين، أي في مصداقيته وتحديداً موضوع وجود الله، لكن من الممكن تحليل التصرفات الدينية وكيفية عيش الإنسان لدينه والوصول مثلاً إلى أنه يعيش الدين كوسيلة دفاع ضد القلق والشعور بالذنب.
في الاعتراف لا ندخل في تفاصيل أسباب ضعف الإنسان وعجزه على التغلب على هذا الضعف أمام الخطيئة التي تتكرر دائماً. مثلاً ضمن إطار رياضة روحية لا يحق لنا أن نصغي إلى لاوعي المتريض، إنما إلى أقواله أو خطابه الديني والإيماني إن صح التعبير وبشكل خاص علاقته بالله لكي نميّز لاحقاً حقيقية هذا الإيمان، وإذا كان مطلوباً أن نميّز وجود دعوة كهنوتية أو رهبانية. ولكن في حال وجدنا أن هناك مشكلة نفسية ما من المفضل توقيف الرياضة لفترة بسيطة ومواجهة المشكلة التي تعيق مسيرة المتريض الروحية.
والآن ما هي الأمور المشتركة بين التحليل النفسي والاعتراف؟ علينا القول أن لا وجود لعناصر مشتركة بينهما نظراً لاختلاف المجالين كما حاولنا توضيح ذلك. ولكن يمكننا القول أن هناك تشابه في الخطوات وخاصة بالنتيجة. تقارب في الخطوات: الدخول في الذات والبوح بما يزعجها ويمنعها أن تعيش ذاتها وتقبلها وتحبها. أمّا على صعيد النتيجة فكلا الموضوعين قد يؤديا إلى راحة نفسية وسلام داخلي، وتغير داخلي عميق وانسجام مع الذات. فالبعض قد يقول أن هذا لا يتم في الاعتراف إذ أن الخطيئة تتكرر. علينا أن لا ننسى بأن المهم في الاعتراف لا يكمن في إلغاء الخطيئة بل في إعادة العلاقة مع الله وعيش المصالحة معه بالرغم من الخطيئة. فالمسيحي هو إنسان خاطئ لكن مغفورة له خطاياه.
يبقى السؤال: إذا كانت النتيجة إلى حد ما متقاربة هل هذا يعني أنه لا داعٍ للاعتراف؟ حتما لا! أولاً إذا كان هناك شيء من التقارب على صعيد النتيجة هذا لا يعني أنه يمكن للتحليل أن يحلّ مكان الاعتراف أو بالعكس. وإذا كان هناك تشابه أو تقارب بالنتيجة هذا لا يعني أنها واحدة في الحالتين. وأخيراً كما سبق وقلنا موضوع الاعتراف يخص العلاقة مع الله، بينما التحليل النفسي لا علاقة له بهذا الأمر. إنهما مجالين مختلفين تماماً ولكن كل واحد يمكنه أن يسلط الأضواء على الآخر: فالتحليل يساعد المعترف لكي يفهم أكثر تصرفاته وبالتالي ضعفه أمام الخطيئة، والاعتراف يحرر الإنسان ممّا يعيق مسيرته الروحية والإنسانية أيضاً.

جديد الموقع
أسئلة وأجوبة
أُصبتُ بحالة فصام منذ أربع سنين واليوم تحسنتُ وزالت الأوهام لكنّ مستواي الدراسي قد تراجع وأصبحت أعاني من الدراسة وأخاف أن أستنفذ سنواتي الجامعية وألا أتخرّج.

مع الأسف العلاج الوحيد هو دوائي ضروري مراجعة الطبيب بهذا الخصوص.

مكتوب بسفر الخروج فاني اجتاز في ارض مصر هذه الليلة و اضرب كل بكر في ارض مصر من الناس و البهائم و اصنع أحكاما بكل الهه المصريين أنا الرب ..وهذا يعني أن الله قاتل وهذا يتناقض مع تعاليم الإنجيل..ونحن بالكنيسة بعد القراءة نقول كلام الرب..يعني الكنيسة تؤمن أن

لا يمكن قراءة أي نص في العالم وبشكل خاص الكتاب المقدس قراءة حرفية فهي تقودنا دائماً إلى طريق مسدود. وبالتالي علينا الذهاب إلى ما رواء الكلمات، إلى الرسالة التي يريد النص إيصالها لنا. بالمقابل، شعب العهد القديم، مثلنا نحن، تصور الله على صورته كمثاله بينما