header logo
يُمكِننا الحُصول عَلى أيِّ شَيء إذا كُنّا مُستَعدِّين لِمُساعَدة الآخرينَ للحُصولِ عَلى ما يُريدونَه

الكنيسة أمام التساؤلات الأخلاقية

الكنيسة، انطلاقاً من مسؤوليتها الإيمانية والأخلاقية، تشعر بأنه من واجبها الدفاع والحفاظ على الكرامة الإنسانية. هذا الأمر هو الذي يحدد مواقف الكنيسة أمام مجمل التساؤلات الأخلاقية التي تُطرح عليها. ممارسة الكنيسة لهذه المسؤولية لا تلغي حرية الفرد وبالتالي مسؤوليته. هذه الأخيرة تظهر من خلال مكانة ودور الضمير. والضمير بنظر الإيمان المسيحي يماثل الكرامة الإنسانية. هذه الكرامة تنعكس إلزاماً على الحياة الجسدية التي تعتبر قاعدتها الأساسية.

الحياة أثمن عطية للإنسان. والوجود الإنساني، بمقدار ما هو جسدي فهو معرض إمَّا إلى التقدم أو إلى التراجع بالنسبة إلى نهايته. والموت يوقف هذه المسيرة، بما فيها التقدم الروحي. فقدر الإنسان الأبدي هو بدون شك مختوم بختم الموت، كما أن الإنسان يبني مصيره ومشاركته في الملكوت من خلال مسيرته الأرضية. من هنا تأتي أهمية الحياة الجسدية في مجمل الحياة الأخلاقية للإنسان.

وإذا كان الله هو سيد الحياة الشخصية، فهو أيضاً سيد الحياة الجسدية. هو الوحيد القادر وله الحق التصرف بها. يبقى الإنسان هو المكلف بها، المسؤول عنها، وواجبه الحفاظ عليها، أن يصونها، ولكن لا يحق له ولا بشكل من الأشكال أن يلغيها، أن يضع لها حد.

بالمقابل التطور العلمي والطبي بشكل خاص رفع متوسط عمر الفرد في العالم، لا بل ضاعفه خلال القرن الماضي، وبالتالي المرض والموت لم يعودوا أمراً حتمياً لا مفر منه. والإنسان أصبح قادراً أكثر فأكثر على محاربة المرض وتأخير موعد الموت. كما أن هذا الأخير لم يعد المخرج الوحيد للأمراض الخطيرة أو حتى المستعصية منها. فإمكانية تأخير ساعة الموت ولَّدت في قلب الإنسان الرجاء بتأجيل موته قدر المستطاع بالرغم من إدراكه بأن الموت أمر لا مفر منه. في هذا الإطار يصبح الموت التعاسة الكبرى والموضوع الأساسي الذي يحاول الإنسان من خلاله السيطرة على حياته وعلى العالم. والحق في الحياة هو الذي يحصل على الحصة الأكبر.

الخطيئة الجوهرية ضد الحياة تكمن في إلغائها بأي مرحلة وجدت. هذا الأمر يسمى جريمة أو قتل. بعض الأسباب المرافقة تؤدي إلى تفاقم الأمر: مثلاً إذا تمت عملية القتل عن سابق تصميم. فلكي يكون القتل خطيراً يجب أن يتم عن قصد وسابق تخطيط. ولكن هناك قتل عن غير قصد والذي يتم من خلال عمل إلى حد ما مذنب أو أحياناً من خلال عمل حيادي. فخطورة الأمر يحددها سبب القتل: مثلاً حوادث السير. فالقتل هو اغتصاب خطير جداً لحق لا يملكه إلاَّ الله والحياة عينها.

لنبدأ بالتفكير وبتحليل إلغاء الحياة في بداياتها. يعتبر الإجهاض جريمة بشعة جداً لأن الضحية هو بريء وبدون إمكانية دفاع. بينما قتل طفل يثير غضب المجتمعات، قتل الجنين أصبح أمراً طبيعياً وشرعياً في بعض المجتمعات، ويمارس سراً في البعض الآخر. في الغرب ألغوا الكلمة وحلت مكانها كلمة التوقف الإرادي للحمل (interruption volontaire de grossesse). كيف تم الوصول إلى هذه الممارسة؟ عوامل عديدة منها:

أولاً وقبل كل شيء مقاومة الدولة للممارسات الغير شرعية والتي كانت تولد جرح دائم لدى العديد من النساء دون التحدث عن حالات الوفاة. وبالتالي ارتأت السلطات تشريع هذا الأمر لتخفيف النتائج الناجمة عنه.

كما أن تطور المجتمعات لعب دوراً في هذا الأمر: الاختفاء الشبه نهائي لوفيات الأطفال واستعمال وسائل منع الحمل غيروا من عقلية الناس. أمام العديد من الولادات الغير مرغوب بها كثير من الأمهات فضلن اللجوء إلى ممارسة الإجهاض. وهذا الأمر يلعب دوراً بشكل خاص في حالات الحمل الغير شرعي. في كل هذه الحالات يتم إقصاء الطفل على أنه مزعج.

بعض اللاهوتيين استندوا إلى قول توما الأكويني الذي كان يقول بأن الله لا يخلق الروح إلاَّ بعد أن يبلغ الجنين عمراً معين. ومع ذلك فالإجهاض قبل هذه المرحلة كان ممنوعاً، لأن إلغاء الحياة في طور نموها يبقى خطيراً، حتى ولو لم يؤدي إلى اعتباره جريمة قتل. ولكن منذ قرنين ومع تقدم علم الجنين تبين أن الجنين ينمي ذاته بذاته بحسب برنامج داخلي لأن الأم لا تؤمن له إلاَّ التغذية الدموية، هذا الأمر قاد اللاهوتيين إلى تبني الرأي بأن الجنين يبقى كائن إنساني وكل إجهاض يشكل علمية قتل.
أمام عدم اليقين الكلي وأمام معضلة حساسة كهذه لا يمكن للكنيسة إلاَّ أن تتبنى الموقف الحاسم والجازم. لأن الاحتمالات لا يمكن الاستناد إليها في هذا المجال.

بالطبع هذا القانون يمس الإجهاض المباشر فقط، لكون هناك حالات عديدة يتم فيها إجهاض غير مباشرة: عمليات، أمراض خطيرة الخ. هنا يتم اللجوء إلى قاعدة السبب ذو نتيجتين: السبب عملية جراحية لها نتيجتين واحدة جيدة وإيجابية (الشفاء) والأخرى سلبية وسيئة (قتل الجنين.) وهذا يطبق أيضاً في حال وجود خطر على الأم أثناء الولادة.

معضلة الانتحار تدخل بالطبع ضمن إطار القتل، مع طابع خاص: بممارسته ضد الذات، يشكل عملية معاكسة لنزوات حفظ الذات الموجودة في عمق الإنسان، وبالتالي يفترض شيء من الانهيار الداخلي العميق لدى الإنسان بالرغم من المظاهر التي قد تعبر على عكس ذلك. هذا الانهيار يسمح لنزوات الموت، الموجودة أيضاً في عمق الإنسان بأن تطفو على السطح وتساهم في تنفيذ الانتحار. تقليدياً كان الانتحار يعتبر عملية قتل ولهذا السبب كانت الكنيسة ترفض أن تصلي على المنتحر، ولكن اليوم مع الوعي الكافي للأسباب النفسية اللاواعية، أصبحت الكنيسة تعترف وتقبل بأن مسؤولية المنتحر شبه غائبة وبالتالي يُدفن مسيحياً. فالانتحار هو علامة يأس والمنتحر لا يمارس هذا الأمر على ذاته إلاَّ على أنه المخرج الوحيد، خلاصه. الانتحار هو أيضاً نوع من الثورة والرفض لمحيط لا يصغي ولا يستقبل هذا الإنسان كما هو. لا بل أكثر من ذلك المنتحر، بالطبع بشكل لاواعي، لا يختار وضع حد لحياته، بقدر ما يختار حياة أخرى.

في حال الموت الرحيم تُطرح قضية وضح حد للحياة. فالموت الرحيم هو شكل من أشكال القتل، الذي يهدف إلى اختصار مدة الحياة لتفادي المريض الآلام. إذا كان هذا النوع من الموت هو الموضوع فالأمر يسمى موت رحيم أو موت هادئ مباشر وممنوع جذرياً. وهناك الموت الرحيم الغير مباشر والمسموح به ضمن حدود معينة أو بسبب يتناسب مع الموضوع.

هذا النوع من الموت الرحيم يتم من خلال إعطاء المريض نوع من مضادات الألم التي تجعل المريض يفقد الإحساس بالألم (في اللحظة التي يحتاج فيها للوعي لكي يتحضر للموت) وقد تسرع الموت. الوسيلة المستعملة هنا (خلافاً للموت الرحيم المباشر) لا تهدف الموت، إنما تخفيف الألم الذي لا يطاق ولا يحتمل، حتى ولو في حالة هذا المريض قد تسرع موته.

هذا ماحدده البابا بولس السادس سنة 1957(documentation catholique 1957, numéro 340)، والمثبت سنة 1980 من قبل مجمع عقيدة الإيمان (documentation catholique 1980, numéro 699) ثم من قبل البابا يوحنا بولس الثاني (1985) الذي اعتبر الموت الرحيم المباشر عملية قتل لا يمكننا ولا بشكل من الأشكال المشاركة بها أو الموافقة عليها (documentation catholique 1985, numéro1103). هناك ناحية مهمة في موضوع الموت الرحيم:في أغلب الأحيان يطلب المريض وضع حداً لحياته لكونه يشعر بأنه أصبح عبئاً ثقيلاً على المحيط وبالتالي قد يُفضل الموت لكي يرح المحيط، خصوصاً عندما معلم جيداً بأن الإنسان مهما شاخ لا يقبل الموت،لأنه خُلق من أجل الحياة ولأن طموحه لا يسمح له بذلك.

يمكننا التحدث أيضاً عن نوع ثالث من الموت الرحيم، ويسمى خطأ موت رحيم: إنه موت رحيم سلبي، غياب المعالجة، سواء لترك الموت يعمل عمله، سواء إيقاف المعالجة الاصطناعية (المزايدة العلاجية). هذا النوع من الموت الرحيم مقبول في الكنيسة.
فيما يتعلق بتقنية الإنعاش، الكنيسة لا تضع حداً لحق إيقافها في حال الموت الدماغي (عندما يعيش الإنسان فيزيولوجياً فقط، أو بمعنى آخر عندما نكون بصدد الحفاظ على جثة: عندما يكون تخطيط الدماغ صفر).

كما أنه مسموح بتوقف المزايدة العلاجية أيضاً، عندما يكون المحتضر مصاب بمرض عضال بدون أي أمل في الشفاء لأن «الموت ظاهرة طبيعية» ( البابا يوحنا بولس الثاني). مجمع عقيدة الإيمان لا يميز بين هذين النوعين من الموت الرحيم السلبي (1980) «إذا لم يكن هناك نوع آخر من العلاج الفعال، من المسموح به اللجوء، مع موافقة المريض، إلى التقنيات الطبية المتطورة، حتى ولو كانت لا تزال قيد الاختبار ولا تخلو من بعض المخاطر... كما أنه مسموح أيضاً، مع موافقة المريض، توقيف هذا النوع من العلاج عندما تكون النتيجة مخيبة. ولكن لاتخاذ قرار كهذا لا بد من الأخذ بعين الاعتبار الرغبة العقلانية الواعية للمريض ولعائلته، ورأي الأطباء المختصين في هذا الأمر... كما أنه مسموح أيضاً الاكتفاء بالوسائل الطبيعية التي يقدمها الطب.

بالمقابل لا يحق لنا أن نلزم أحداً باللجوء إلى التقنيات المتداولة، والتي تحمل شيء من المخاطرة، دون التحدث عن الكلفة الباهظة. في حالة الموت الوشيك والحتمي بالرغم من الوسائل المستعملة، يسمح بكل ضمير التخلي عن هذه الأنواع من العلاج، التي هي مجرد تأجيل الموت( وهذه الفترة من التأجيل هي هشة وصعبة)، دون توقف العلاج الطبيعي في هذه الحالة » (documentation catholique 1980, numéro 699). هذا النص تم التصديق عليه من قبل البابا يوحنا بولس الثاني الذي يضيف ويقول: «حق الحصول على معالجة جيدة وحق الموت بكرامة يتطلبان وسائل إنسانية ومادية، في المنزل كما في المشفى، والتي تؤمن الراحة والكرامة للمرضى..... ما يتجاوز كل راحة إنسانية، تكمن في المساعدة الكبيرة التي يقدمها الإيمان بالله والرجاء بالحياة الأبدية، للمتحضرين ولعائلاتهم »

هذه المواقف الكنسية تبين لنا بأن الموت ليس نهاية الوجود الإنساني، بل الحدث الكبير الذي يعطي المعنى لهذا الوجود. من جهة يشكل تلاشي بيولوجي يجد الإنسان نفسه عاجزاً أمامه، ولكن بالمقابل، يشكل إتمام الإنسان، إتمام حياة ممتَلكة والتي من خلال الموت تأخذ بعداً آخر، هو الحياة الأبدية.

بما أن الصحة هي الوضع الطبيعي للحياة، فكرامتها يجب أن تترجم من خلال الاهتمام بها والمحافظة عليها. هذا الأمر يتعلق بالطبع بنوعية الغذاء والراحة واللباس، والقيام بالرياضة الخ. واجب الاهتمام هذا يتضمن مراجعة الأطباء واستعمال الأدوية المطلوبة. هذا الواجب يقف عند حدود استعمال الوسائل الطبيعية من أجل صحة جيدة. هذا الواجب كان ينظر سلباً لكل إضراب عن الطعام. واليوم ونظراً للعنف المستمر بين البشر، فعندما تستنفذ كل الوسائل الأخرى (حوار و...) يعتبر الإضراب عن الطعام أمر جيد، لا بل قد يدخل في خط الإنجيل: بذل الذات من أجل الآخرين، من أجل العدالة وتفضيل الموت على إلغاء الكرامة الإنسانية.

جديد الموقع
أسئلة وأجوبة
أُصبتُ بحالة فصام منذ أربع سنين واليوم تحسنتُ وزالت الأوهام لكنّ مستواي الدراسي قد تراجع وأصبحت أعاني من الدراسة وأخاف أن أستنفذ سنواتي الجامعية وألا أتخرّج.

مع الأسف العلاج الوحيد هو دوائي ضروري مراجعة الطبيب بهذا الخصوص.

مكتوب بسفر الخروج فاني اجتاز في ارض مصر هذه الليلة و اضرب كل بكر في ارض مصر من الناس و البهائم و اصنع أحكاما بكل الهه المصريين أنا الرب ..وهذا يعني أن الله قاتل وهذا يتناقض مع تعاليم الإنجيل..ونحن بالكنيسة بعد القراءة نقول كلام الرب..يعني الكنيسة تؤمن أن

لا يمكن قراءة أي نص في العالم وبشكل خاص الكتاب المقدس قراءة حرفية فهي تقودنا دائماً إلى طريق مسدود. وبالتالي علينا الذهاب إلى ما رواء الكلمات، إلى الرسالة التي يريد النص إيصالها لنا. بالمقابل، شعب العهد القديم، مثلنا نحن، تصور الله على صورته كمثاله بينما