header logo
يُمكن إعطاَئكَ كُل أنواع النًصائِح في العَالم، بَعضَ الدُروس لا يُمكِنُ تًعلُّمُها إلاّ مِن خِلالِ الُسقوطِ والضَرَبَات

الضمير الإنساني مكان للحرية

«الضمير هو صوت الله فينا. إنه يدعونا
لنطيع الحتميات العيا التي نحملها فينا»

مقدمة: إن الكنيسة تعطي للضمير أهمية كبرى. فالضمير ليس بغريزة معصومة عن الخطأ نستسلم له بكل ثقة. فمن الضروري إحيائه وإعلامه بشكل مستمر. فما هي بالتحديد حرية الضمير؟
من الخطأ اعتبار الكنيسة على أنها عدوة الضمير الأخلاقي، كما لو أن سلطتها تنتظر من مؤمنيها الخضوع المطلق لتوجيهاتها وتعاليمها، مبعدة بذلك هذا الالتزام الشخصي الذي يُدعى الضمير. هذا الحكم المُسبق على

الكنيسة لا يستطيع أن يقف أمام الإعلان الصارم للمجمع الفاتيكاني الثاني: «الضمير هو أعمق ما في الإنسان من مركز، هو المقدس الذي يلتقي فيه الله وحده ليسمع صوته» (دستور الكنيسة في عالم اليوم رقم 16). عندما نقول بأن الضمير هو المقدس، فهذا يعطيه قيمة مقدسة أي أنه لا يحق لأي مؤمن أن لا يكرّم هذا الهيكل و «الصوت الذي يدوي فيه». في تصريح حديث للجنة المشتركة الكاثوليكية - البروتستانتية في فرنسا نقرأ ما يلي: «ليس من سلطة الكنيسة أن تنوب، في الحياة العملية، عن القرار النهائي للضمائر التي تبقى دائماً السلطة العليا عندما يخص الأمر الالتزام الأخلاقي» (اختيارات أخلاقية واتحاد كنسي، إعلان عام 1992).
ماذا يعني التحدث عن الضمير؟
هذا النوع من المواقف يدهشنا ويجعلنا نتساءل: هل الإنسان مقدس إلى هذه الدرجة لكي نساوي ضميره بالهيكل؟ أليس الصوت الذي نتحدث عنه هو غالباً ضعيف، أو مشوش لدرجة أنه من الصعب تميزه وخاصة اتباعه؟
هذا النوع من التمجيد للضمير يمكنه أن يريح العديد من الأوهام. كلنا نعلم إلى أي حد من السهل الاختباء وراء الضمير لنبرر التصرفات التي يمكن تبريرها إلى حد ما أو لا يمكن تبريرها أبداً. «لدي ضميري الشخصي»، هذه العبارة هي طريقة ذكية للهروب من الانتقادات والتي تجعل من الضمير ليس فقط هيكلاً، بل قلعة حصينة نحتمي بها من كل طعن خارجي.
يمكن للضمير أن يخفي باسمه التلاشي الكامل. كثيرون يعادلونه برغباتهم المباشرة، بنزواتهم، بتوقهم العابر؛ واللجوء إلى الضمير يمكن أن يخفي أهواء الفرد الذي يأخذ رغباته على أنها أمر أخلاقي. هذا النوع من الضمير غير المتماسك، المتروك لمختلف النزوات ولاستبدادها، يعترف بتبعية ذاتية لا تعرف الرقابة. كما يمكننا الشعور أو التوقع إلى أي حد هذا النوع من الضمير العفوي يمكن التلاعب به: يعتقد ذاته حرّ لأنه يتبع رغباته ونزواته، بينما في الواقع هو يؤيد فقط، دون أن يعي، الموضة، والكليشيهات، المحيط، التقليديات بمختلف أشكالها التي تنقلها وسائل الإعلام، والرفاق، والأوامر التي تعتبر «سياسياً صحيحة». نعتقد بأننا مستقلون، ولكن في الواقع نحن مجرد ألعوبة تديرها الطرازات الأخيرة .
أخيراً، على خلاف ما يفكر به الكاتب والفيلسوف «جان جاك روسو»، الضمير ليس بغريزة معصومة عن الخطأ يمكننا الاستسلام له بكل ثقة لأنه يرشدنا بالتأكيد إلى الخير أو الحقيقة؛ الضمير يمكن أن يُخطئ، أن يتردد وأن يكون مشوشاً، أو مُتسلط عليه من قبل القلق والأوهام والتخيلات «الهوامات». وقد يعتبر الشر خيراً والخير شراً.
لا بد من إنارة الضمير: إذن الكنيسة على حق، بالرغم من كل شيء، أن تثق بالضمير وترى فيه تلك القوة التي تدفع الإنسان باستمرار «للقيام بالخير وتفادي الشر». ولكنها تقوم بذلك وهي تعلم جيداً بأن الضمير هو نتيجة عمل مهم على الذات، نتيجة ثقافة وحضارة شخصية، أي نتيجة التربية. فلا بد من أن يكون الإنسان متنبهاً على الضمير، كما أنه لابد للضمير من أن يولد فينا، وبالتالي علنيا صيانة يقظته لأنه سرعان ما ينام أو يتوه.
فللوصول إلى التصرف بحسب الضمير، نحن بحاجة «لبنائه»، فالضمير ليس مُؤَهلة مُعطاة تعمل عفوياً، وليس بعضو يعمل بدون تدرب. علينا أن نحث الضمير وهذا لا يتم إلاَّ من خلال ما زرعه فينا المربون، اجتماعياً، وبه أخرجونا من اللاتمييز الأولي، او من فوضى نزواتنا. وهذه الإثارة تتم أيضاً، بفضل التربية من خلال مواجهة الممنوعات والقواعد التي تبني الضمير. دون هذه البنية دون تبني الممنوعات والقواعد (الوصايا العشر، الوصايا الأخلاقية)، يبقى الضمير غير متماسك، بدون محتوى، تتقاذفه كلّ من الدوافع التي تأتي من أعماق النفس أو من المحيط الاجتماعي.
عملية أيقاظ وإحياء الضمير لا تتم لمرة واحدة. على الضمير أن يتأهل دائماً وإلاَّ سرعان ما يتحول إلى هذه «الروح الجميلة» الذي يعتقد بأنه مُعفى من معرفة ما يحدث في العالم لكي يتصرف. ولكي يستطيع أن يقرر بناءً على معرفة للموضوع، وبالتالي ضميرياً، على الإنسان أن يعطي لذاته إمكانية الاستعلام والتأهيل. فالمسيحي ليس بمسيحي بالولادة العفوية، إنه يصبح واعٍ لمتطلبات إيمانه من خلال التأهيل على الحقيقة المسيحية، وعلى الكتب المقدسة، والعقائد وممارسات الكنيسة (تقاليدها الأخلاقية).
الضمير يضعنا أمام مسؤولياتنا: مؤهل ومبلّغ، الضمير هو تلك السلطة التي تضعنا أمام مسؤولياتنا، وبشكل أوسع أمام من علينا أن نقدم لهم تقريراً بصفتهم أهل، مربين، عمّال، مواطنين، مسيحيين الخ. بعيداً عن أن يكون نرجسي أو يسعى لرفع قيمة نيتنا الشخصية، يخرجنا الضمير من ذاتنا ليجعلنا نكتشف ما ينتظره منّا الآخرون، ونعي واجباتنا اتجاههم. الضمير يحركنا لنقوم بمهامنا الإنسانية، إنه تلك السلطة التي تجعلنا يقظين ويوحد طاقاتنا للمواجهة. يمكننا القول إلى حد ما أن الآخرون، أو متطلبات أدوارنا الاجتماعية هم الذين يجعلوننا نعي ما علينا أن نكون.
إذن الضمير مرتبط بالمسؤولية. فباسمه نلتزم ونأخذ أعمالنا على عاتقنا؛ الضمير يقودنا للقول: ما قمت به، وما أردته وأوقع عليه ، أقبل بأن أقدم تقريراً عنه ، أقبل مسؤوليتي، وبالتالي أخطائي. الإنسان الواعي هو صاحب ضمير يأخذ على عاتقه مسؤولية قراراته ونتائجها ، بينما الضمير الخاطئ يقود إلى إلقاء المسؤولية على الآخر، التملص منها. الفيلسوف «إيمانويل ليفيناس» يقول: «العجز عن الهروب، هذه هي الأنا». يمكننا القول: العجز عن الهروب، الشعور باننا مرتبطين بأعمالنا، هذا هو الضمير.
ولكن هناك حالات لا يمكننا، أو علينا أن لا نتولى القيام بها. فالضمير هو أيضاً ما يدفعنا للقول لا للشر، وأن نعارض الأعمال التي تنتهك قناعاتنا الأكثر حميمية. فقط الضمير المبني، المؤهل يملك القوة اللازمة ليعارض تجارب التقليدية أو السهولة (الخيانة، الاختلاس، ازدواجية العلاقة مع الآخر، عدم الأمانة للكلمة الخ). فالمؤمن أكثر من غيره يجد في ضميره، قوة الله، والوسائل اللازمة ليقول لا للممارسات المشكوك فيها. هذا ما نسميه «الاستنكاف الضميري».
قوة الله فينا: الضمير هيكل الله. حتى ولو بدت هذه العبارة من المجمع الفاتيكاني الثاني قوية، أو متطرفة، فإنها تضعنا أمام أهمية هذا المكان المميز في كل واحد منّا الذي هو الضمير. عندما تتم دراسة كل شيء بشكل جيد من أجل اتخاذ القرار، عندما نكون على علم بموقف الكنيسة والمتطلبات الاجتماعية لقرار سليم، يعود لنا فصل الموضوع والقول: ماذا أفعل، وما عليّ القيام به. هنا شيء من الأمر له إلى حد ما صفة المطلق، مطلق يجعلني أنتصب، ويضعني في السلام حتى ولو تطلب ذلك العبور بالامتحانات. هذا المطلق ليس بإرغام ولا بخضوع، إنما دينامية، حياة، روح يعطي القوة التي تسمح لنكون على مستوى ذاتنا، أو بشكل أدق على مستوى ما يحمله الفرد عالياً. إذن هذا يعني تجاوز الذات. فالمؤمن يحدد هذا العالي على أنه حضور وقوة الله فيه. ولكن الغير المؤمن يمكنه الاستناد على هذه الدينامية التي تدفعه للقيام بأعمال غير مشروطة، أعمال يمكن أن تحتوي على تضحيات، حتى أحياناً التضحية بالذات.
لهذا السبب تعطي الكنيسة هذه الأهمية للضمير: إنه في كلّ إنسان «صوت الله»، الذي يجعله يكتشف عظمة وجمال الطاعة للأوامر الأكثر علواً التي نحملها في داخلنا. فكيف يمكن أن لا نكتشف إلى أي حد نحن سر لأنفسنا، سر يتجاوزنا ويلزمنا باحترام هذا الحضور الله فينا.

جديد الموقع
أسئلة وأجوبة
أُصبتُ بحالة فصام منذ أربع سنين واليوم تحسنتُ وزالت الأوهام لكنّ مستواي الدراسي قد تراجع وأصبحت أعاني من الدراسة وأخاف أن أستنفذ سنواتي الجامعية وألا أتخرّج.

مع الأسف العلاج الوحيد هو دوائي ضروري مراجعة الطبيب بهذا الخصوص.

مكتوب بسفر الخروج فاني اجتاز في ارض مصر هذه الليلة و اضرب كل بكر في ارض مصر من الناس و البهائم و اصنع أحكاما بكل الهه المصريين أنا الرب ..وهذا يعني أن الله قاتل وهذا يتناقض مع تعاليم الإنجيل..ونحن بالكنيسة بعد القراءة نقول كلام الرب..يعني الكنيسة تؤمن أن

لا يمكن قراءة أي نص في العالم وبشكل خاص الكتاب المقدس قراءة حرفية فهي تقودنا دائماً إلى طريق مسدود. وبالتالي علينا الذهاب إلى ما رواء الكلمات، إلى الرسالة التي يريد النص إيصالها لنا. بالمقابل، شعب العهد القديم، مثلنا نحن، تصور الله على صورته كمثاله بينما