header logo
هناك من يحاول أن يحتفظ بنا بقبور مكلّسة. أتمنى أن نكون قادرين أن ندع القائم من بين الأموات أن يحولها كقبره قبور فارغة

ما معنى الإيمان أو ما معنى أن نؤمن؟

 الإيمان ليس بالأمر البديهي حتى ولو كنا غالباً نعيشه على أنه هكذا. والسؤال الذي يطرح نفسه علينا قبل كل شيء هو العلاقة بين الإيمان والمعرفة. عادة نعتبر بأن المعرفة والإيمان يتعارضان بمعنى أن المعرفة العلمية هي الأكيدة، بينما الإيمان يبقى مفتوحاً على الشك. وبالتالي أقل تأكيد. فالإيمان هو من مجال القناعة الشخصية. في الحقيقة هذه الرؤية للأمور تبقى سطحية وغير صحيحة.

في الواقع الإيمان هو أمر «يومي» إن صح التعبير بمعنى أن مختلف أنواع المعرفة نتلقاها في النهاية من الآخرين. وكل ما يتلقاه الطفل والطالب في المدرسة على الأقل يتلقاه من قبل معلميه، وليس بإمكانه أن يتأكد من صحة ما يتعلمه. كذلك الأمر في مجال الإعلام مثلاً غالباً ما تتحكم فينا وسائل الإعلام بالرغم من انتباهنا وحذرنا اتجاهها، تبقى أقوى منا ومن عجزنا في غالب الأحيان من التأكد من صحة الأخبار التي تنقلها إلينا. حتى لا نقول أن الوقت بين الخبر والتأكد منه كاف لكي يوجهنا ويوجه تفكيرنا. يكفي أن نفكر بكل ما قيل في فترة الحادي عشر من أيلول. إذن نحن مدعوون في هذه الحالة للحذر أو بالأحرى لعدم الثقة.

ولكن بالرغم من كل ذلك لا يمكننا أن نعيش بدون أن نؤمن ونثق بما يقوله لنا الآخرون. فالذي لا يؤمن بكل ما يقال له سرعان ما يشعر بأنه أصبح خارج المجتمع أو على الأقل خارج محيطه. هذه الثقة هي أساس وجود المجتمع، ولهذا السبب الكذب يعتبر أمر خطير في الحياة الاجتماعية. بالطبع لا أريد التحدث عن ما نسميه بالكذب الأبيض. والصراحة هي أول أشكال النزاهة.

لا بل أكثر من ذلك يمكننا القول بأنه حتى البحث العلمي يحتمل شيء من الإيمان. فالفرضية مثلاً التي يريد الباحث إثباتها هي في النهاية إيمان الباحث بأن هذا القانون هو الذي يستطيع أن يحلل لنا هذه الظواهر. فالباحث يقوم باختبارات لكي يؤكد صحة فرضيته. وفي حال فشلت الفرضية، فهذا يعني بكل بساطة أنها لم تكن جيدة أو لم تكن كلية جيدة، ولكن فرضية مصححة أو منقاة قد تكون هي الجيدة. باختصار نقول بأن هذا التأويل أو التفسير الإيماني والمؤقت بدون شك، هو محرك البحث العلمي. 

في إحدى الاكتشافات الرياضية اكتشف عالم رياضي ألماني اكتشاف جديد يعاكس كلية ما كان قد أكده وأصبح مألوفاً لدى الجميع. لكنه لم يجرئ على الإيمان بهذا الاكتشاف الجديد فارسل نتائجه لصديق وهو عالم في المجال عينه. فيجيبه بأن اكتشافه الجديد صحيح تماماً ولكنه يضع موضع تساؤل ما يؤمن به الناس في هذا المجال. وفي النهاية الاكتشاف الجديد هو الذي أصبح مألوفاً ومعترف عليه. هنا نلمس أن الموضوع العلمي هو في النهاية الدفاع عن قناعات مشتركة بين الناس أكثر مما هو دفاع عن الحقيقة. فقناعات وتوجيهات تفكيره لا تسمح له بقبول هذه النتيجة الجديدة. نلاحظ هنا أن الإيمان والمعرفة لا يتناقضان كما نتصور في أغلب الأحيان. كما أن هذا يعني أن علم الرياضيات يحتوي أيضاً بعض الخيارات التي هي من مجال الإيمان.

هذا يذكرنا بكل بساطة بأن الإيمان ليس بموقف ديني حصري، إنما هو موقف إنساني عام وأن المعارضة بين المعرفة والإيمان ليست بالأمر السهل. فالإيمان يقتحم إن صح التعبير معلوماتنا وأخبارنا اليومية. إنه حاضر حتى في المجال العلمي.

الإيمان بالآخرين: حتى الآن تحدثنا عن المجال الموضوعي والعلمي. ولكن هناك مجال آخر نرى فيه كيف أن الإيمان يفرض نفسه علينا ألا وهو المجال الإنساني والعلاقات الإنسانية. لا يمكننا العيش في المجتمع دون أن نعطي الثقة، دون وجود أقل ما يمكن من الثقة في الآخرين. لا يمكننا أن نحب أو أن نصادق بدون ثقة في الآخر أو في الآخرين. فالحب بشكل خاص يبنى على الثقة وليس على الاختبار. الثقة بحد ذاتها لا تبنى إلاَّ على الثقة. 

الإيمان بالقيم: أن نكون من نكون لدينا جميعاً بعض المفاهيم عن الخير والشر. فلا يستطيع الإنسان أن يعيش بدون أقل ما يمكن من القيم، سواء كانت قيم مؤقتة أم لا، قيم تتغير عبر الزمن أم لا (وبغض النظر عما إذا كانت هذه القيم صحيحة أو خاطئة، صارمة أو متراخية): هناك أمور أخجل منها في حال ارتكبتها يوماً ما. وكل قيمة نتمسك بها تصبح موضوع إيمان بالنسبة لنا. أما مجال المعرفة فلا وجود له ولا عمل له هنا أو في هذه الحال. فالإنسان هو أكثر من أن يكون جملة من المعلومات. إنه بالأحرى من يميّز بينها، يحكم فيها، ويعطيها المعنى. ولكن بمجرد أن تحدثنا عن المعنى، عن التوجيه، أو عن النية، فنحن أوتوماتيكياً في مجال الإيمان. 

من كل ذلك نستخلص ما يلي: الإيمان هو جوهرياً عمل إنساني، جزء لا يتجزأ من الوضع أو الشرط الإنساني، عمل مهم شريف إن صح التعبير وليس عملاً يستحى به. إنه يتدخل في حياتنا، بغض النظر عن الإيمان الديني. والسعي للتخلص منه يشكل تناقضاً وجودياً وفقدان جزء مهم من محتوى الإنسان.

تناقض جديد: علاقة الإيمان بالمعرفة تقودنا لاكتشاف تناقض آخر في حياتنا. في أغلب الأحيان نحن ملزمون بأن نقرر، حيث لا نملك كل معطيات الموضوع. وبالتالي رفض القرار في هذه الحال هو قرار لكنه سلبي ويمنعنا من أن نختبر إيجابية و أهمية الالتزام ونتائجه في حياتنا. سواء أكان قرار زواج أو اختيار عمل ما، أو اختيار الحياة الكهنوتية أو الرهبانية، في كل هذه المجالات نحن منقادون لكي نقرر بما هو أبعد بكثير من معرفتنا بالأمر الذي نختاره. هناك دائماً أسباب تؤيد وأخرى تناهض.

الإيمان الديني : يبقى أن الشكل الأكثر وضوحاً للإيمان هو بدون شك الإيمان الديني. يحكى اليوم في الغرب عن عودة ظاهرة الدين. قد تكون سلبية للغاية كظاهرة الشيع بمختلف أشكالها، وقد تكون إيجابية كما هو الحال لدى الأم تريزا. فلنحلل سريعاً تاريخ ولادة الإيمان الديني.

ولادة الإيمان الديني : يمكننا القول بأن الإيمان الديني موجود منذ البدء ولكننا سنتوقف بشكل خاص على الإيمان الكتابي أي من خلال الكتاب المقدس بعهديه. فالإيمان في العهد القديم لم يكن ممحوراً حول وجود أو لا وجود الله، فهذا أمر بديهي في تلك الحقبة. فالله أو الآلهة كانت تقدم على أنها مجرد قوة تتسلط على الإنسان وخطر الصنمية والسحر كان كبيراً. 

فالتغير الذي أتى به إبراهيم هو بناء علاقة شخصية مع الله، هذه العلاقة بدأت بثقة إبراهيم بكلمة الله، بهذه الدعوة والنداء الذي سمعه إبراهيم والذي يعده بأن يجعل منه ذرية كبيرة. لقد تطلب منه هذا الأمر، أن يترك عملياً كل شيء وأن يغامر في المجهول. ثم تطور إيمانه من خلال تاريخ عهد بينه وبين الله أطهر له مصداقية ثقته بالله.

فالسؤال بالتالي ليس الإيمان بوجود الله، إنما الإيمان بأن الإنسان موجود من أجل الله أو في نظر الله. بمعنى آخر هل يهتم الله بالإنسان؟ هل يستطيع أن يتدخل في حياة البشر ومن أجل خيرهم؟ منذ إبراهيم، جواب الإيمان هو بالإيجاب. هذه هي الخبرة الأساسية التي أطلقت تراث الإيمان في العهد القديم وبني عليها فيما بعد الإيمان المسيحي. 

العهد القديم يتحدث عن الإيمان بعبارات بسيطة ومباشرة: أن يضع الإنسان قوته في الله. باختصار الله هو الصخرة. هكذا يقول الله للإنسان: «إن لم تؤمنوا فلن تأمنوا» (أش 9،7). هذا هو موقف إبراهيم الذي اتكل كلية على الله. ويسوع يعود للموضوع عينه عندما يتحدث عن البيت المبني على الصخر والبيت المبني على الرمل (متى 7، 24-27). عملياً، الاتكال على الله، يعني الثقة به والاجابة على انتظاره. 

ولكن الإيمان يعني أيضاً الأمانة. هذه الأمانة هي قبل كل شيء أمانة الله، الله دائماً أمين لوعوده. الله هو إله إبراهيم وإسحق ويعقوب، إنه إله الآباء. وقوانين الإيمان الأولى كانت قوانين إيمان «تاريخية» تروي أعمال الله من أجل الإنسان : «أنا الرب إلهك الذي أخرجك من أرض العبودية». واللائحة تمتد وتمتد.. ولكن هذه الأمانة تتطلب أمانة أخرى، أمانة الشعب.

الماضي هو كفيل المستقبل: إيمان شعب العهد القديم ثقة بالله، انتظار ورجاء. فالأمانة الإلهية في المستقبل هي عينها في الماضي لأن الله « لا يخذل ملتمسيه» (مز 9، 11).

فالإيمان هو إذن علاقة بين الله وشعبه. إنه يُسَجّل ضمن عهد. هذا العهد هو تبايني: في البداية أحادي الاتجاه: من الله فقط باتجاه الإنسان. ثم يصبح باتجاهين لأنه لا يمكن أن يستمر بدون حوار حيث يجيب الشعب الله بإيمانه وبعيشه من خلال شريعته. فالإيمان هو دائماً جواب على مبادرة عهد.

كذلك الأمر في العهد الجديد حيث نرى 550 مرة كلمة إيمان. فالأناجيل هي في النهاية كتب الإيمان بالمسيح. هذا الإيمان يستعمل أو يشرك عنصرين مهمين: إيمان «في» وإيمان «بـ». أي إيمان في الآخر مثلاً وإيمان بشيء ما. 

إنه يبدأ باللقاء مع شخص: يسوع الناصري ويحتوي لحظة قرار إتباعه، الالتزام اتجاهه. الإيمان «في» هو عمل بين شخصين من خلاله يعطي التلميذ ذاته ليسوع، يضع نفسه في تصرفه ويضع بيسوع كل ثقته: «أتبعك حيث تمضي». ما يطلبه يسوع من تلاميذه هو ما يحق لله وحده أن يطلبه. هذا يعني أن هذا الطلب شرعي إذا كان المسيح هو بالفعل ابن الله. فمحتوى الإيمان المسيحي هو إذن في النهاية شخص يسوع المسيح الذي عاش ومات وقام من بين الأموات.

الإيمان هو الدخول في حوار : عندما يقول المؤمن المسيحي أنه يؤمن بالله، فهو يعبر عن جواب إيمانه مقابل مبادرات الله الثلاث: الآب الخالق وأساس كل شيء، الابن الذي عاش بيننا ومات وقام، والروح القدس الذي أعطي للكنيسة. هذا الأمر يظهر من خلال حوار سر العماد: أتؤمن؟ الخ. هذا الحوار يبين لنا بأن الله هو المبادر الأول. فالإيمان المسيحي يعبر عنه من خلال عهد غير متساو حيث الله قام بكل شيء من أجل الإنسان من خلال ابنه الوحيد. ويعطينا كل ما يلزم لكي نستطيع أن نجيبه. فالله اهتم بالإنسان، وعلى هذا الأساس يعطي الإنسان إيمانه لله.

يقين وحرية الإيمان : بحسب تعاليم الكنيسة الإيمان هو أكيد وحر في آن معاً. ولكن في الحقيقة لدينا شعور بأن هناك تناقض بينهما. منطقياً بقدر ما يكون الأمر أكيد، بمقدار ما هو بعيد عن الحرية. لا أستطيع أن أنفي بأن 1+1= 2. بالمقابل بمقدار ما نعلن إيماننا بأنه حر بقدر ما هو بعيد عن اليقين. فما الحل؟

في الحقيقة هناك نوع من التبادل بينهما: كلما ألتزم في الإيمان، كلما أرى أكثر بنور يعطيني اليقين. كلما أستطيع أن أميّز الحقيقة، كلما أريد أن أؤمن. عندما أريد الاختيار بين أمرين مهمين أزن السلبي والايجابي لكل منهما ولكن دون الوصول إلى حل نهائي. وفي لحظة ما يبدو لي أن الأمر يميل باتجاه ما. فبقدر ما ألتزم به بقدر ما تصبح الأسباب المؤدية له أقوى وبالتالي أختاره. ولكن قد يحدث العكس: بقدر ما ألتزم باتجاه ما بقدر ما تظهر الأسباب المعارضة وفي النهاية أتخلى عنه وأختار الآخر.

جديد الموقع
أسئلة وأجوبة
أُصبتُ بحالة فصام منذ أربع سنين واليوم تحسنتُ وزالت الأوهام لكنّ مستواي الدراسي قد تراجع وأصبحت أعاني من الدراسة وأخاف أن أستنفذ سنواتي الجامعية وألا أتخرّج.

مع الأسف العلاج الوحيد هو دوائي ضروري مراجعة الطبيب بهذا الخصوص.

مكتوب بسفر الخروج فاني اجتاز في ارض مصر هذه الليلة و اضرب كل بكر في ارض مصر من الناس و البهائم و اصنع أحكاما بكل الهه المصريين أنا الرب ..وهذا يعني أن الله قاتل وهذا يتناقض مع تعاليم الإنجيل..ونحن بالكنيسة بعد القراءة نقول كلام الرب..يعني الكنيسة تؤمن أن

لا يمكن قراءة أي نص في العالم وبشكل خاص الكتاب المقدس قراءة حرفية فهي تقودنا دائماً إلى طريق مسدود. وبالتالي علينا الذهاب إلى ما رواء الكلمات، إلى الرسالة التي يريد النص إيصالها لنا. بالمقابل، شعب العهد القديم، مثلنا نحن، تصور الله على صورته كمثاله بينما