header logo
لَسنا بِحاجَة للاِندِفَاع إذا كَانَ هُناكَ شَيءٌ سَيَحصَل

بين القيامة والصعود

بين كتاب الأناجيل هناك حرية وتنوع! وأقل ما يمكن قوله أن الواحد منهم لا ينقل عن جاره، بل يكتب بحسب وقناعاته والرسالة التي يريد إيصالها إلى قرّاءه. الإنجيلي متى وهو من تلاميذ يسوع مما يعني أنه من شهود حدث صعود يسوع إلى السماء لم يروي لنا الحدث. بالمقابل الإنجيلي لوقا كان من رفاق بولس لكنه لم يكن تلميذاً ليسوع ولم يشهد حدث الصعود وهو من وصف لنا الحدث مرتين في إنجيله وفي كتاب أعمال الرسل وبتفصيل دقيق. كذلك الأمر الإنجيلي يوحنا هو من

تلاميذ يسوع لكنه على مثال متى لم يروي لنا الحدث. بينما الإنجيلي مرقس الذي تتلمذ على يد بطرس يصف لنا بدوره الحدث. باختصار لدينا فقط روايتين عن الصعود في الإنجيل من بين الأناجيل الأربعة والروايتين لم تكتبا من قبل أحد شهود هذا الحدث المهم.

لا شك بأن القيامة والصعود هما بطريقة ما وجهان لحدث واحد. لا يمكننا الفصل بينهما. ولكن قبل التحدث بتفصيل عن معنى صعود يسوع إلى السماء لا بد لنا من التوقف قليلاً على أهمية ووظيفة ظهورات القائم من بين الأموات.

ظهورات القائم من بين الأموات : بداية أقول بأن هذه الروايات لها وضع خاص ومختلف عمًّا روي لنا عن يسوع التاريخي. فالقيامة ليست حدث تاريخي بالمعنى الحصري للكلمة، بما أن القائم من الموت، من خلال القيامة، لم يعد خاضع للتاريخ. وبالتالي من المفضل التحدث عن حدث خارج التاريخ.

ما هو تاريخي بالمعنى الدقيق للكلمة هو خبرة وشهادة الرسل: نساء ورجال عاشوا مع يسوع واعتبروه المسيح، يشهدوا بأنهم رأوه بعد موته على الصليب. وقالوه بقوة وهم مستعدون للموت بدلاُ من أن ينكروا إيمانهم بالمسيح الحي.

في روايات القيامة، معرفة يسوع القائم والاعتراف به على أنه هو ليس بالأمر البديهي، ولا المباشر. لماذا؟ لأنه يعني الانطلاق من اختبار حسي ملموس (النظر واللمس والسمع) والوصول إلى معرفة إيمانية؛ مما يتطلب مفهوماً جديداً لما قاله يسوع التاريخي، ولتصرفاته السابقة، ولتنبؤاته عن موته. هذه الناحية واضحة جداً في رواية تلميذي عمَّاوس.

قلت معرفة، لأن يسوع لا يظهر إلاَّ للرجال والنساء الذين عرفوه سابقاً. وهذا يساعدنا لكي نفهم أسباب الظهورات. بالإضافة إلى أن المعرفة في الكتاب المقدس لا تعني مطلقاً معرفة عقلية، إنما علاقة وخبرة حياتية : «فعرف الإنسان حواء امرأته فحملت وولدت قاين» (تك 4، 1) «كيف يكون لي هذا وأنا لا أعرف رجلاً» تجيب مريم الملاك جبرائيل.

وظيفة الظهورات : هناك شيء من الضرورة للظهورات، حتى ولو كان زمنها محدود جداً.

في الحقيقة حتى ولو كان عمل القيامة لا يمكن إدراكه والوصول إليه، فالموضوع هو السماح لهؤلاء الناس بأن يشهدوا لحدث القيامة. فالموضوع هو إمكانية الاستيعاب بأن المسيح حي ما وراء الموت، وأن القائم في يوم الفصح هو عينه المصلوب في يوم الجمعة العظيمة. فالظهورات تلعب دور الجسر، همزة الوصل، استمرارية الهوية، بين الموت والقيامة للإنسان نفسه: يسوع الناصري.

إذن لا بد ليسوع من أن يظهر ذاته، وأن يسمعونه، ويلمسونه، هو الذي لم يعد تحت سيطرة التاريخ والعالم، يظهر ذاته لرجال ونساء لا يزالون هم في التاريخ. من هنا يأتي هذا الأسلوب الغريب للظهورات كما يرويه لنا الإنجيل .

إنه يظهر لتلاميذه وهذا مصدر مفاجأة ومصدر فرح أيضاً.(لو 24، 41) وهذا الأمر لا يخلو لديهم من الشك: ويسوع يرفع هذا الشك من خلال تكراره لأعمال معروفة من قبلهم مبيناً لهم أن له جسد وليس بشبح. يطلب طعاماً ويأكل أمامهم شيء من السمك المشوي. ليس فقط لديه جسد، بل هو مصلوب يوم الجمعة.

 فالقائم من الموت هو نفسه المصلوب، لكنه لا يخضع لعوامل المكان والزمان: موجود حيث يريد وعندما يريد. لا تقول لنا الروايات بأنه كان يدخل ويخرج، بل كان يظهر ويختفي. يظهر والأبواب مغلقة.

لهذه الروايات ناحية أخرى: هناك غموض حول هوية القائم من بين الأموات. من المركبة يعتقد التلاميذ أنه أحد سكان المنطقة الغير معروف، ومريم المجدلية تعتقد أنه البستاني، وتلميذي عمَّاوس لم يعرفاه وهو معهم في الطريق.

لماذا هذه الصعوبة في معرفته؟ لوقا يقول «بأن أعينهم حُجبت عن معرفته». كان لا بد من القراءة المطوّلة للكتب المقدسة مع أعمال تقسيم الخبز في المنزل لكي يصلا إلى معرفته. وعندما عرفاه، أي عندما أصبح إيمانهم حياً من جديد، اختفى مجدداً: الآن يعرفان بأنه حيُّ. فالوقت الآن هو للشهادة. وهذا ما يفعلونه: يذهبون مسرعين لملاقاة الجماعة وإعلان النبأ.

هذا يبين لنا بأن الإيمان بيسوع يتطلب اهتداء، تحول في النظر: لا يمكن معرفته كما هو إلاَّ بعيون الإيمان، ولهذا السبب مريم أمه لم تشعر بالضرورة للذهاب إلى القبر. وهذا الأمر ينطبق حتى على مرحلة ما قبل القيامة: كثيرون راؤوه لكنهم لم يؤمنوا به.

هذا الغموض في الهوية يقول لنا أمراً آخر: أن يظهر بمظهر أحد السكان، بمظهر البستاني، هذا يعني أننا مدعوون لمعرفته في كل إنسان. علينا أن نكتشفه في الآخرين وأن نكتشف الآخرين به.

معنى وأهمية حدث الصعود:

من النادر جداً أن يروي الإنجيلي الرواية نفسها مرتين. ومع ذلك هذا ما نراه لدى الإنجيلي لوقا الذي يروي مرتين حدث الصعود: في نهاية إنجيله وفي بداية كتاب أعمال الرسل ولكن النص أطول بالإضافة إلى تفاصيل أكثر. في الواقع بالنسبة للوقا وحتماً بالنسبة لنا الصعود هو في نفس الوقت نهاية وبداية.

نهاية لأن حياة يسوع البشرية مع تلاميذه في هذا العالم تتوقف مع الصعود. يسوع، القائم من الموت والحي ذهب. فمن الآن فصاعداً لم يعد مرئي كإنسان. حضوره الآن هو في الله. وهذا الحضور لا يمكن رؤيته والوصول إليه إلاَّ بالإيمان. فلا فائدة من النظر إلى السماء « أيها الجليليون، ما لكم قائمين تنظرون إلى السماء؟ ». ولوقا يشدد بأنه على التلاميذ أن يفهموا ذلك.

عليهم أن يفهموا لأن الصعود هو أيضاً بالنسبة للتلاميذ بداية. مع الصعود تبدأ رسالتهم كشهود للمسيح. في الواقع، في روايتي لوقا «يؤسس» يسوع تلاميذه كشهود له. في الإنجيل يشدد لوقا على ما يقوله الكتاب المقدس:« كتب أن المسيح يتألم ويقوم من بين الأموات في اليوم الثالث، وتعلن باسمه التوبة وغفران الخطايا لجميع الأمم، ابتداء من أورشليم. وأنتم شهود على هذه الأمور». في كتاب أعمال الرسل وبنفس المعنى يحدد لوقا أفق رسالة الشهود:« وتكونون لي شهودا في أورشليم وكل اليهودية والسامرة، حتى أقاصي الأرض». وفي كل من الإنجيل وأعمال الرسل يعلن يسوع للتلاميذ بأنه ستُعطى لهم قوة من العلاء، قوة الروح القدس الآتي من الله والتي تجعل منهم شهود للبشرى السارة. لأنه في العنصرة يبدأ فعلياً زمن الكنيسة المرسلة.

هذا يعني أنه بعيداً عن تساؤلات مخيلتنا وفضولنا حول السماء ووضع يسوع في السماء، أو بخصوص تاريخ وطريقة عودته، حدث الصعود أو عيد الصعود مدعو ليكون لكل واحد وواحدة منا عيد دخوله في المسؤولية، مسؤولية الشهادة للمسيح. كل واحد وواحدة منا بطريقته الخاصة وفي مكانه الشخصي. ولكن فعلاً مسؤول، مسؤول بسبب معموديته وميرونه (التثبيت). وقادر بحسب إمكانياته أن يشهد لإيمان وتكون له إمكانية التحدث عنه وبكلماته. في مجتمعنا المتعدد والمتنوع، الشهادة للإيمان ليست حصرية «بأصحاب المهنة» إن صح التعبير. فكل مؤمن عليه أن يلعب دوره: نحن كمربين في التربية المسيحية، الأهل في بيوتهم والعاملين في مهنتهم الخ.

في رواية الصعود بحسب إنجيل لوقا يرفع يسوع يديه ويبارك التلاميذ. وبينما هو يباركهم ينفصل عنهم ويُرفع إلى السماء. كما لو أنه بمباركته لهم يريد أن يخفف من صدمة الانفصال صعوده، لدى التلاميذ. في الواقع البركة هي عطية الله بامتياز. في مجمل الكتاب المقدس، عندما يبارك الله فهو يعطي الحياة. عندما يعطي يسوع ذاته في العشاء الأخير يبدأ بالبركة. بمباركته لتلاميذه قبل أن يتركهم «يولدهم» إن صح التعبير كشهود لحياته. والتلاميذ متغذين وأقوياء بهذه البركة يصبحون قادرين بأن يباركون الله بدورهم.

الجملة الأخيرة من الرواية تقول: بأن التلاميذ« كانوا يلازمون الهيكل يباركون الله». بالنسبة لكل مسيحي الصلاة الافخارستية هي بدون شك نبع وقمة كل بركة. في هذه الصلاة المهمة يبارك الكاهن الله باسم الجميع وبدورنا نشترك في هذه البركة. في النهاية علينا أن لا ننسى بأن البركة تعطي الفرح وبالتالي بالرغم من ذهاب يسوع وبفضل بركته يقول لنا لوقا بأن التلاميذ « رجعوا إلى أورشليم وهم في فرح عظيم». الفرح هو دائماً العلامة بأن الحياة تتقدم وتنمو. فالله الذي يعطي الحياة هو الذي يعطي الفرح أيضاً.

« أيها الجليليون، ما لكم قائمين تنظرون إلى السماء؟ ». في لحظة ذهابه يرسل يسوع التلاميذ مكانه، لكي يتابعوا رسالته هنا على الأرض. فيسوع لم يختفي، بل ينسحب تماماً كما انسحب الله في اليوم السابع للخلق ليستريح ولكي تستمر عملية الخلق. فانسحاب يسوع في النهاية من خلال صعوده إلى السماء، كاستراحة الله وانسحابه في البداية يشكل عملية خلق.إنه عمل حب؛ فالحب ينسحب ليترك المكان للآخر.

وبالتالي عالمنا الأرضي حيث نعيش، ليس بنفي إنما هو المكان حيث يقودنا يسوع فيه ومن خلاله، لنعلن ونهيئ لمجيء ملكوته. فالوصول إلى السماء يعبر من الأرض كما أن الطريق الذي يقودنا إلى الله يعبر من خلال الإنسان. صعود المسيح هو وعد لنا. عودته إلى الآب تستبق وتحضر عودتنا إلى الله وإصلاح كل شيء فيه :« وإذا ذهبت وأعددت لكم مقاما أرجع فآخذكم إلي لتكونوا أنتم أيضا حيث أنا أكون». يسوع بمجيئه إلى الأرض وبنزول إلى الجحيم فتح لنا باب السماء، ليست بالسماء المنفصلة عن الأرض، بل السماء والأرض في اتصال مستمر، متحدتان ومتصالحتان. إنهما جليل الله الموجود كعربون في جسد القائم من بين الأموات والذي سيكون في نهاية الدهر تجمع كل الذين ماتوا وقبروا في المسيح وسيقومون معه أيضاً.  

عندما يختم الإنجيلي كتابه عليه أن يوضح للقارئ أين هو الآن من حضور أو من غياب يسوع. ما وراء روايات ظهور القائم من بين الأموات من قبل الشهود وكتّاب الأناجيل، السؤال: هل يمكننا القول بأن رواية الصعود لا تزال مستمرة اليوم؟ هل هذا الحضور للمسيح الحي يمكنه أن يلمسنا اليوم؟ ما الذي يمكننا القيام به عندما نغلق الإنجيل؟ هنا تأتي أهمية الكلمات الأخيرة ليسوع في إنجيل متى الذي لم يروي لنا حدث الصعود كما قلت بل اكتفى بالحفاظ على كلمات يسوع الأخيرة قبل أن يغادر نهائياً تلاميذه وهو الوحيد الذي احتفظ بها.

الكلمات الأخيرة ليسوع تقول لنا:« وهاءنذا معكم طوال الأيام إلى نهاية العالم ». لا يمكننا أن ننتهي يوما من ممارسة إيماننا لكي نستقبل قوة هذه الكلمات. اللاهوت قد يساعدنا لكي نفهم بأن الله وحده قادر على هذا النوع من الحضور، حضور في كل مؤمن وفي كل لحظة وفي كل مكان. هذا يعني لكونه من الآن فصاعداً في الله وبالتالي في السماء كما نقول فهو قادر على هذا النوع من الحضور. في يسوع لا وجود لأي فصل لا من جهة الله ولا من جهة الإنسانية.

لهذا السبب أيضاً يستطيع يسوع أن يقول لنا « إني أوليت كل سلطان في السماء والأرض». من الصعب القول أكثر من ذلك! في السماء والأرض هذا يعني في كل مكان وإلى الأبد. «وكل سلطان» يعني أن يسوع هو كالله والذي تدعوه اللترجيا «القادر على كل شيء» (παντοκρατορ).

ولكن بين هاتين الكلمتين يعطي يسوع وصية أو أمر وهو بمثابة محور الرواية لدى الإنجيلي متى:« اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم». في كل الأناجيل يكرر يسوع «اذهبوا! اذهب! علي أن أذهب! إني أرسلكم، لنخرج!». هذه الكلمات تعني من جهة بأن يسوع هو إنسان بدوي، ليس له موضع يضع في رأسه، ومن جهة أخرى هذا يعني بأن يسوع مسكون من قوة الله التي لا تُقاوم والتي تدفعه للقاء كل إنسان. فالبشرى السارّة تدفع بالإنسان باتجاه الآخر لأن هناك كثير من الناس لم يصل إليهم حب الله بعد.

إذا كان يسوع من الآن فصاعداً في الله، في السماء كالله، إذا كان معنا كل الأيام حتى نهاية العالم فلكي نكون مسكونين بالقوة نفسها، قوة الرسالة ونعلن لكل إنسان البشرى السارّة. إذا دخلنا في مسيرته ندخل في حضوره. إذا تغذينا من كلماته نحيا من طاقة حبه. من جهة يسوع لا ينقصنا شيء فهو معنا كل الأيام حتى نهاية العالم.

 

 

جديد الموقع
أسئلة وأجوبة
كيفة يسمى sوnمغناطيسي

عذرا لم أفهم السؤال

في انجيل متى مكتوب ان النسوة امسكت قدمي يسوعوإِذا يسوعُ قد جاءَ لِلِقائِهما، فقالَ لهما: «السَّلامُ علَيكُما!» فتَقَدَّمَتا وأَمسَكَتا قَدَمَيه ساجِدَتَينِ له.اما في انجيل يوحنا منعها يسوع من ان تمسكه فقالَ لها يسوع: «لا تُمسِكيني، إِنِّي لم أَصعَدْ
  • هذا يعني أن كل إنجيلي يريد التركيز على نقطة معينة. بالنسبة لمتى إنه هو المصلوب وقد قام. بالنسبة ليوحنا القائم من بين الموات لم يعد خاضع للزمان والمكان فلا يمكن الامساك به