header logo
يُمكن إعطاَئكَ كُل أنواع النًصائِح في العَالم، بَعضَ الدُروس لا يُمكِنُ تًعلُّمُها إلاّ مِن خِلالِ الُسقوطِ والضَرَبَات

كيف أعيش إيماني في الظروف الحالية؟

 

        بداية أقول وألفت الانتباه بأن موضوعنا هو موضوع إيماني لكن سنحاول التحدث عنه بطريقة «متجسدة»، أي بطريقة تمس الواقع الذي نعيشه دون الدخول ولا بشكل من الأشكال في الموضوع السياسي والذي يعود لضمير كل إنسان. فالإيمان المسيحي، كما سبق وقلت مرارا وتكرارا، هو إيمان متجسد وبالتالي لا بد له من أن يظهر ويعبّر عن ذاته في الواقع اليومي؛ ويمكننا القول بشكل خاص في الظروف التي نعيشها اليوم.

        الإيمان، على مثال المسيح يسوع، عندما يكون إلى حد ما حقيقي، يجعلني واقعي، أي يجعلني

أقبل، ولو كان هذا الواقع سيء وشرير، بأن الشر موجود في العالم ويعمل به بقوة. بينما ما نسمعه في كلّ مرة نواجه فيها الشر، سواء أثناء الحرب اللبنانية أو العراقية أو في بلدنا اليوم، ما نسمعه هو دائماً العبارة الخالدة: أين هو الله؟ ولماذا لا يتدخل ويوقف هذا الشر. الله لا يتدخل خارجاً عن حريتنا ولا يمكن أن يغير مسار الأمور والتاريخ رغماً عنّا. قد تقولون منيح وبعدين؟ شو دور الإيمان إذن في حياتي في هذه الحالة؟

        كما قلت أولاً الإيمان يجعلني أقبل بأن الشر، مع الأسف، حاضر في الواقع ويعمل به. ثانياً الإيمان يعبّر عن ذاته من خلال علاقاتي مع الآخرين بشكل عام ومع من هم مختلفون عني بشكل خاص. أي أن إيماني يمنعني من أن أكون طرفاً ضد طرف آخر، ليس من باب الخوف ولا من باب السلبية إنما من باب القناعة بأن ما من أحد يملك الحقيقة، ما من أحد على حق بشكل كامل وكلي، وبالتالي إيماني يجعل مني جسراً لبناء العلاقة بين المختلفين، بين من يعيشون هذه القناعة الخاطئة بأنه على حق والآخر هو حتما على خطأ. ولا تظهر الحقيقة إلاَّ في النهاية: مثل الزؤان والقمح.

        سرطان العلاقات الإنسانية هو بالتحديد هذه القناعة التي تمنع من بناء علاقات إنسانية حقيقية وصادقة. بهذا المعنى أقول أن إيماني يجعلني جسراً بين المختلفين فيما بينهم وبين من يحولون الاختلاف إلى خلاف.

 

من هو الله؟ كل كارثة تحمل معها الكثير من الشكوك: ألم يكن الله قادر على منع حدوثها؟ كيف يمكن الاستمرار بالإيمان بحضور فعّال لله الذي نقول عنه بأنه «حبّ» وقادر على كل شيء؟ دعونا نسأل الكتاب المقدس في مواجهتنا لهذا السؤال.

        «الله لم يصنع الموت؛ لا يُسرّ بهلاك الأحياء؛ فإنه خلق كل شيء لكي يكون». بهذه الطريقة يعبّر سفر الحكمة «1، 13 - 14»، والعهد الجديد يعطي لهذا الحدس كلّ معناه. فالمسيح الذي فيه يكشف الله عن نفسه، يقدم ذاته كشافي، عدو لما يسيء للإنسان، شافياً كل مرض وكل إعاقة. وبولس الرسول يقول الأمر عينه بكلمات أُخرى: يسوع رُفع فوق كل رئاسة وسلطان وقوة تعاكسنا «وآخر عدوّ يبيده هو الموت» (1 قور 15، 24 - 25).

حتى أن بولس يستطيع أن يرتل في نهاية الفصل 15: «قد ابتلع النصر الموت، فأين يا موت نصرك؟ وأين يا موت شوكتك؟». سوف أتكلم عن هذا الانتصار على الموت وبالتالي على الشر. ولنأخذ الآن بعين الاعتبار هذا اليقين الذي يوجه كل صورة نكونها عن الله: لا علاقة لله في آلامنا وموتنا. إنه بريء من كل ما يسيء إلينا؛ ليس فقط بريء، بل عدو لشقائنا كما تبين لنا أعمال المسيح نفسها.

        فلماذا إذن الرجوع عن هذه القناعة، التي سبق أن شُرحت مراراً وتكراراً في مختلف المجالات المسيحية؟ لأن الحوادث التي تواكب حياتنا يمكنها أن تُعكّر يقيننا وتدعونا لتجديد أفكارنا. فهكذا أمام ظروف صعبة وتشكل خطرا على حياتنا، يظهر السؤال: كيف يمكن أن نؤمن بحضور فعّال لله الذي نقول عنه أنه حبّ وقادر على كلّ شيء؟

 

مصائبنا وكوارثنا ليست بعقاب ولا بامتحان.

        السؤال ليس بجديد: إنه يلازم عدد كبير من المزامير؛ نراه طوال سفر أيوب؛ ويأخذ تعابير جديدة في سفر الجامعة. ومع ذلك فالكتاب لا يلخص أبداً إلى القول بأن: «لا وجود إذن لله»، يبقى الكتاب المقدس أمام السؤال، أمام السر؛ وخلاصة أيوب هي دعوة إلى عدم البحث عن الفهم. على العكس كان يجب انتظار المسيح من أجل ذلك؛ والجواب الذي سيعطيه بعطائه لذاته صعب القبول بأنه دخل في تفكيرنا.

        لماذا الألم والموت؟ سوف أكتفي بتوضحين تقليديين: الألم هو عقاب والألم هو امتحان. هذا الموقف له علاقة بطريقة ما مع الكتاب المقدس، ممّا يبين بأن أسفار العهد القديم تشكل نوعاً من المراحل المؤقتة، على مسيرة طويلة باتجاه الحقيقة، طريق يأخذ بعين الاعتبار ويجعلنا نتجاوز كل أوهامنا بخصوص من نسميه الله. وكما هو مفترض، الكلمة الأخيرة لن تعطى إلاَّ في النهاية، عندما يكون «الحمل المذبوح» (المسيح في فصحه) هو الوحيد القادر على أن يكسر أختام الكتاب السبعة لكي يكشف المعنى (رؤ 5).

        إنسان الكتاب المقدس فكَّر أولاً بأن مصائبه وشقائه هم عقاب على أخطائه، من أجل عدالة إلهية تتطلب أن يتم رضاها. سفر أيوب يتمرد أمام هذه اللغة التقليدية القاسية: أيوب إنسان بار، بريء ويعرف مصير الخاطئين. فهذا الألم ليس بعقاب؛ وبخصوص هذا الموضوع يعطي الله لأيوب الحق (42، 7). ومع ذلك يبقى السر على حاله. على هذا الملف، يمكننا إضافة نص لوقا ( 13، 1 – 5 )، حيث يشرح يسوع بأن الجليليين الذين قتلهم بيلاطس لم يكونوا أكثر خطيئة من الآخرين، وأن من حطّمهم سقوط برج سلوان لم يكونوا أكثر خطيئة من سكان أورشليم.

        هذا النص مهم، لأننا نجد فيه شقاء ومصائب أتوا من حرية الإنسان (قرار بيلاطس) أو من الظروف الغير متوقعة او من الكوارث الطبيعية (سقوط البرج). في إنجيل يوحنا ( 9، 1 – 3 ) حيث عمى المولود أعمى لا علاقة له بخطيئة ارتكبها لا هو ولا أهله. إذن لا وجود لانتقام إلهي. فإذا كان الأمر كذلك فهل تكون مصائبنا وشقاؤنا امتحان من الله؟

هذا الموضوع نراه حتى في العهد الجديد. يجعلنا الله نتألم ليرى مصداقية إيماننا، ليعرف ما هو مخبأ في أعماقنا. باختصار، يمكننا التوقف على أمرين. أولاً، إذا كان هناك من امتحان، فهو لا يصل إلى درجة الموت؛ إنه تربوي وعليه أن  يعزّز النمو. ثم، ما يمتحن الإنسان هو العطاء المُستقبل أكثر منه الشقاء. فمثلاً المنّ في سفر الخروج الفصل ( 16)، مُقدم «كخبز الامتحان». يمكننا القول بأن كل ما يحصل لنا يمتحننا، يسمح لنا بأن نزن إيماننا، ورجاءنا، وحبنا، ولكن هذا لا يعني أبداً أن هذه الامتحانات هي من الله. هذه التوضيحات التي تستند على صورتنا الخيالية عن الله التي تجعلنا نقول بأن كل ما يحدث في حياتنا هو من الله، الله الذي يصنع التاريخ. يبقى السؤال هنا أيضاً على حاله: من أين تأتي الشرور التي نعاني منها؟

        عالم من الصراعات: الكتاب المقدس يقيم غالباً علاقة ضيقة بين الشقاء، والكوارث والمصائب وبين الخطيئة. فهل سنعود الآن مجدداً إلى أسطورة العقاب؟ ليس بالضرورة، بالرغم من أن نصوصنا تقترب أحياناً من هذا المفهوم الغير محتمل. لكي نفهم العلاقة بين الشقاء والخطيئة، علينا أن نقرأ الفصول الثلاثة من سفر التكوين. ما يخرج من يدي الله هو عالم مسالم. كل الناس نباتيين: لا حاجة لهم للقتل لكي يستمروا في الحياة (الفصل الأول). الحيوانات تخضع للإنسان بما أنه هو من يسميها. والطبيعة خيّرة، تعطي ثمارها بدون مشكلة. ثم تأتي الخطيئة، المُقدمّة على أنها شك، حذر أمام القدرة التي خلقتنا. وبالتالي ندخل في عالم الصراع. دون الدخول بالتفاصيل يمكننا أن نلاحظ بأن البشرية المخلوقة من الله هي كالله، واحدة. وحدة الحبّ. وعندما يستقر الحذر، تتفكك الوحدة، والإنسان يتمزق: «عظم من عظمي ولحم من لحمي» تصبح «المرأة التي جعلتها معي»، هذه العبارة تتهم كل من المرأة والله، الواحد بقدر الثاني. صراع الرجل والمرأة يقود إلى تسلط الرجل على المرأة، تسلط لا يقصي الرغبة إنما كاتب السفر يلاحظه في المجتمع الذي يعيش فيه وينسبه إلى الخطيئة (3، 16). إلى صراع الرجل والمرأة، يُضاف صراع الإنسان والطبيعة: تصبح الأرض صحراء تنتج شوكاً وحسكاً؛ والعمل يصبح شاقاً وتنتهي الأرض بأن تستعيد من الإنسان حياته.

        في الفصل الرابع ينبعث الصراع مجدداً، لكن هذه المرّة هو صراع بين الإنسان والإنسان. قاين وهابيل يدشنون سلسلة كل أشكال العنف الأخوي الذي يلازم الكتاب المقدس. حتى هذه اللحظة الوجه الأخير للعداوة بين اليهودي والوثني، التي لا تجد لها من حل إلاَّ في المسيح «سلامنا»، عندما يصبح المتخاصمين شعباً واحداً. وبولس يقول: ليس هناك يهودي ولا يوناني؛ لا رجل ولا امرأة. وفي رسالته إلى أهل رومة ( 8، 19 – 22)، يقول بأن الخليقة جمعاء تئن من آلام المخاض منتظرة ساعة المصالحة.

        حتى هذه اللحظة، نكرر ونقول بأن هذا «الطلاق» بين البشر ومحيطهم ليس، بنظر الكتاب المقدس، بعقاب إلهي. إنه ثمر سام لعدم التوافق الأساسي بين حريتنا وحقيقتنا.

        والله في كل ذلك؟ إنه دائماً القوة الخلاقة التي تسكننا، لكنه لا يستطيع الوصول بدون موافقتنا. كل شيء مبني على منطق العهد، ومن خلالنا يمكن للقوة الإلهية أن تعمل. الله لا يريد ولا يسمح بالكوارث التي تصيبنا. إنها تحدث في أنٍ معاً ضده وضدنا. على الصليب ندرك أنه ليس القاتل إنما ضحية شرنا. أين كان الله عندما حدثت ظاهرة التسونامي في الجنوب الشرقي من أسيا؟ بدون شك، في ضحايا الزلزال. يبقى السؤال لماذا؟ لماذا عدم ثقة البشر تسمم العالم بمجمله ؟ نجيب بأن الخليقة بأجمعها، منذ البداية، هي مشروع بشرية. ليكن! ولكن لماذا؟ ولماذا الشر؟

العقيدة القديمة للخطيئة الأصلية لا يمكن قبولها. فالفصل 3 من سفر التكوين لا يروي لنا مغامرات «أهلنا الأوائل» ولكن، في اللغة الأسطورية، هناك رفض موجود في كل البشر وكل الأزمنة. إنه الإنسان القديم الذي يتكلم عنه بولس، الإنسان الذي منه ننطلق لتحقيق البشرية الحقيقية. يمكننا قراءة ( 1 قور 15، 44 -49). في طريقنا باتجاه الإنسان الجديد، إنسان الخليقة المُتممة، كل آلامنا تصبح آلام مخاص ولادة.

        في الحقيقة، ما من أحد استطاع أن يجيب بطريقة مرضية على مشكلة الألم. قد نكون هنا أمام شجرة معرفة الخير والشر، شجرة ثمرها متعذر وممنوع. والمسيح لا يعطينا أي شرح لها. بالطبع في رسالته إلى أهل رومة ( 5، 13 – 19 ) يربط بولس الشر بخطيئة آدم، ولكن في الآية 14 يقول لنا بولس بأن آدم ليس سوى صورة، رمز لمن سيأتي، المسيح. فإذا كانت نصوصنا لا تقول لنا من أين يأتي شقاؤنا ومصائبنا، فهي تكشف لنا بأنها تمس الله أولاً وأنه يأتي ليشاركنا المصير الذي اعتقدنا مطولاً أنه من نصيب الخطأة.

        نعلم أننا لسنا وحدنا، وحيدين على طرقاتنا، التي غالباً ما تكون مؤلمة، والتي تفرضها علينا الحياة. «الله معنا»، حتى على صلباننا، هذه هي الرسالة. هذا التعبير يحيط بإنجيل متى: 1، 23 : «ها إن العذراء تحمل فتلد ابنا يسمونه عمانوئيل أي الله معنا». و 28، 20 : «فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم، وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس، وعلموهم أن يحفظوا كل ما أوصيتكم به، وهاءنذا معكم طوال الأيام إلى نهاية العالم ». على كل حال الله لا يكتفي بأن يكون معنا في الأسواء، إنه يلتحق بنا فيها ليخرجنا منها. ينزل إلى جهنماتنا ليفتح لنا معبراً نحو الحياة. بحيث أن «الله معنا» يتم ويتحقق في «نحن مع الله».

 «إذا كانت النصوص لا تقول لنا من أين يأتي الشر، فإنها تقول لنا بأن الله يشاركنا مصيرنا».

جديد الموقع
أسئلة وأجوبة
أُصبتُ بحالة فصام منذ أربع سنين واليوم تحسنتُ وزالت الأوهام لكنّ مستواي الدراسي قد تراجع وأصبحت أعاني من الدراسة وأخاف أن أستنفذ سنواتي الجامعية وألا أتخرّج.

مع الأسف العلاج الوحيد هو دوائي ضروري مراجعة الطبيب بهذا الخصوص.

مكتوب بسفر الخروج فاني اجتاز في ارض مصر هذه الليلة و اضرب كل بكر في ارض مصر من الناس و البهائم و اصنع أحكاما بكل الهه المصريين أنا الرب ..وهذا يعني أن الله قاتل وهذا يتناقض مع تعاليم الإنجيل..ونحن بالكنيسة بعد القراءة نقول كلام الرب..يعني الكنيسة تؤمن أن

لا يمكن قراءة أي نص في العالم وبشكل خاص الكتاب المقدس قراءة حرفية فهي تقودنا دائماً إلى طريق مسدود. وبالتالي علينا الذهاب إلى ما رواء الكلمات، إلى الرسالة التي يريد النص إيصالها لنا. بالمقابل، شعب العهد القديم، مثلنا نحن، تصور الله على صورته كمثاله بينما