header logo
يُمكن إعطاَئكَ كُل أنواع النًصائِح في العَالم، بَعضَ الدُروس لا يُمكِنُ تًعلُّمُها إلاّ مِن خِلالِ الُسقوطِ والضَرَبَات

المسيحية إنسانية والإنسانية مسيحية

سأحاول في هذه المقالة أن أُبين بأن المسيحة والإنسانية واحدة، بما أن الله والإنسان أصبحا واحداً في المسيح يسوع، والألوهة والأنسنة هما وجهان لحقيقة واحدة. لكنَّ إتمام هذه الوحدة يتم عند تحقيق الوحدة بين الله والبشرية. إذا كنّا نؤمن بأن روح الله يعمل في الجميع، فهذا يعني أن كل إنسان أيّاً كان أصله معتقده بإمكان روح الله أن يعمل فيه ومن خلاله. وما معنى دعوة يسوع لنحبّ أعدائنا.

قد يبقى العدو عدو، لكنه، ابن لله وقادر على صنع الخير والشر مثل المسيحي. فالله لا يميز بين البشر، إنه إله الجميع

« فشَرَعَ بُطرُسُ يَقول: أَدرَكتُ حَقًّا أَنَّ اللهَ لا يُراعي ظاهِرَ النَّاس، فمَنِ اتَّقاه مِن أَيَّةِ أُمَّةٍ كانت وعَمِلَ البِرَّ كانَ عِندَه مَرضِيًّا. فدَهِشَ المُؤمِنونَ المَختونونَ الَّذينَ رافَقوا بُطرُس، ذلك بأَنَّ مَوهِبَةَ الرُّوحِ القُدُسِ قَد أُفيضَت على الوَثَنِيِّينَ أَيضًا» (أع 10، 34 -35. 45). أدعوكم لقراءة وتأمل الفصلين العاشر والحادي عشر من أعمال الرسل. إنهم من أروع النصوص التي توضح هذا الأمر.

سوف أنطلق من مجموعة من النصوص الكتابية لأوضح هذا الأمر الذي، برأي مهم جداً في الوضع الحالي الذي تمر به البلاد.

تك 1، 29 «انموا واكثروا وأملأوا الأرض وأخضعوها وتسلطوا على أسماك البحر وطيور السماء وكل حيوان يدب على الأرض».

متى 25، 34 – 36 «تعالوا، يا من باركهم أبي، فرثوا الملكوت المعد لكم منذ إنشاء العالم: لأني جعت فأطعمتموني، وعطشت فسقيتموني، وكنت غريبا فآويتموني، وعريانا فكسوتموني، ومريضا فعدتموني، وسجينا فجئتم إلي. يا رب، متى رأيناك جائعا فأطعمناك أو عطشان فسقيناك ؟  ومتى رأيناك غريبا فآويناك أو عريانا فكسوناك ؟  ومتى رأيناك مريضا أو سجينا فجئنا إليك؟»

اع، 10-11 : «فلما دخل بطرس استقبله قرنيليوس وارتمى على قدميه ساجدا له.  فأنهضه بطرس وقال: « قم، فأنا نفسي أيضا بشر» فشرع بطرس يقول: «أدركت حقا أن الله لا يراعي ظاهر الناس،  فمن اتقاه من أية أمة كانت وعمل البر كان عنده مرضيا.... والكلمة إنما هو رب الناس أجمعين. فدهش المؤمنون المختونون الذين رافقوا بطرس، ذلك بأن موهبة الروح القدس قد أفيضت على الوثنيين أيضا». 

في مقالة كيف أعيش إيماني في الظروف الحالية؟ حاولنا التفكير بواقعنا الجديد وعلاقته بالإيمان. فتحدثنا عن كيفية عيشنا لإيماننا في الظروف التي تمر بها البلاد، وتساءلنا عن العلاقة بين الإيمان المسيحي وإنسانيتنا دون الذهاب إلى أبعد حول سؤال المواطنة: هل أعيش وأفكر كمواطن سوري أم كمسيحي. واليوم أريد معكم التوقف على هذه الناحية من باب الإيمان المسيحي نفسه. هل إيماني المسيحي يدفعني إلى التصلب والانغلاق على إيماني رافضاً إيمان الآخر، أم أن إيماني يجعلني أكثر إنسان، وبالتالي أتعامل مع الآخرين على أنهم بشر مثلي «وأنا أيضاً بشر»، أبناء لله مثلي قادرين على أعمال المحبة مثلي الخ؟

لنعود إلى الآيات الكتابية المذكورة أعلاه لتساعدنا في موضوعنا اليوم. ما المفلت للانتباه في هذه الآيات؟ وماذا تعني لنا نحن أبناء اليوم بشكل عام وفي ظروفنا الخاصة بشكل خاص؟

 

أول ما يلفت الانتباه في آيات سفر التكوين وإنجيل متى هو غياب كامل لذكر الله ومن جهة أخرى في نص أعمال الرسل نحن أمام رجل وثني لكن يقال فيه بأنه « تقي يخاف الله ويتصدق على الشعب صدقات كثيرة». وبطرس من جهته يقول بأن «الله لا يراعي ظاهر الناس فمن إتقانه من أية أمة كانت وعمل البر كان عنده مرضيا».

 إذا بداية يمكن القول بأن عدم ذكر الله في هذه الآيات، ماعدا نص أعمال الرسل، له معنى قوي ومهم جداً. هذا يعني أن الله خلق الكائن البشري وأعطاه كل الإمكانيات اللازمة والضرورية لكي ينتقل إلى مقام الإنسان، ليحقق إنسانيته بإرادته وحريته، فله أن يحققها وله أن يرفضها. هذا يعني أيضاً أن دعوتنا الأولى والأساسية هي أن نكون إنسان. قد يبدو هذا الأمر غريبا لكنه مهم جداً لفهم صحيح لإيماننا المسيحي.

 سبق وبينت بأكثر من مناسبة، من خلال الإنجيل كيف أن الإنسان الصحيح الذي يحقق إنسانيته يحقق في الوقت نفسه تألهه. مما يعني أن المسيحية ليست بأمر إضافي على الإنسانية كما لو أن الله خلق الإنسان ثم أضاف عليه المسيحية لإكمال عملية الخلق. كما لو أن المسيحية هي خارج الإنسانية، أو بمعنى آخر كما لو أن غير المسيحي ليس بإنسان، أو هو إنسان ونحن المسيحيون من «تكوين آخر، من تركيبة أخرى كما نقول بالعاميّة».   

هذا الأمر مهم جداً لكونه يصب في صميم مفهومنا لسر التجسد. نحن نقول بأن الله أصبح إنسانا «صار إنساناً وسكن بيننا» تقول لنا مقدمة إنجيل يوحنا. فماذا يعني ذلك؟ هل مجرد تمثيلية؟ لا أعتقد ذلك. هل هو عبارة عن «مسايرة» لنا كما نقول في اللغة العامية؟ لا أعتقد ذلك. هذا يعني أن الله هو إنسان واحد منا كما يقول الإنجيل. كما أن المسيح صعد إلى السماء بجسده الإنساني أي أن في الله هناك الإنسان. إن لم نغوص ونتعمق في هذا المعنى الهائل لسر التجسد وبالتالي لله نبقى إلى جانب الموضوع ونفقد الجوهري والأساسي.

      إذن لا يحق لنا أن نفصل بين الإنسانية والمسيحية، بين الإنسان وإيمانه المسيحي وأخيراً وليس آخراً لا يحق لنا أن نفصل بين الإنسان وإيمانه أيا كان، فالإيمان هو جزء من الإنسان وليس بأمر أضيف عليه لاحقاً كما سبق وقلت. 

       فالسؤال الذي يُطرح هنا: ما هي مكانة الإيمان المسيحي؟ وما هي مكانة المسيح نفسه في هذا الموضوع؟ 

        لننظر عن كثب إلى الآيات الكتابية التي بين أيدينا. أولاً في سفر التكوين نرى بأن الله خلق الإنسان وطلب منه التسلط على جميع الكائنات، « أسماك البحر وطيور السماء وكل حيوان يدب على الأرض». أي لا يحق له التسلط على الإنسان الآخر، لكنه مدعو ليكون سيد هذا العالم، يتسلط عليه، أن يطبعه بطابعه الإنساني. هناك غياب كامل لله، وللإيمان، وللطقوس الدينية الخ. هذه الدعوة الأولى للإنسان تتميز إذن بأنها دعوة إنسانية، دعوة للإنسانية، ليصبح هذا الكائن البشري إنسان، وهذه الدعوة هي في النهاية دعوة إلى الحرية.

        فالله لم يخلق المسيحي ولا المسلم ولا البوذي. خلق الإنسان ونفخ فيه من روحه. لم ينفخ من روحه في المسيحي، بل في الإنسان. وفي نص الإنجيل، هؤلاء الأبرار الذين أطعموا المسيح وسقوه وزاروه، ليسوا بمسيحيين، فهم لا يعرفونه: متى رأيناك جائعاً، أو عطشاناً أو، أو الخ. فإن كان إطعام الجائع، وسقي العطشان يعني اطعام المسيح هذا يعني أن المسيح وبالتالي الله والإنسان واحد. فلا يحق لنا أن ننظر إلى الأخر إلاَّ بهذه الطريقة: إنه الله إن صح التعبير، مقدس لا يحق لنا أن نمس به حتى بالنظر: «من نظر إلى امرأة واشتهاها فقد زنى بها في قلبه».

        بالنسبة لنص أعمال الرسل أعتبره من أهم النصوص بهذا الخصوص. أولاً هذا الوثني الذي لا يؤمن على الطريقة اليهودية، لا يؤمن بإله اليهود، لا يؤمن بالمسيح، يُقال فيه بأنه « كان تقياً يخاف الله هو وجميع أهل بيته، ويتصدق على الشعب صدقات كثيرة، ويواظب على ذكر الله ». بالطيع يواظب على ذكر الله، أي إلهه كما هو يعرفه ويؤمن به على طريقته الوثنية. هذا الإنسان قائد مئة له مركزه ومكانته ومع ذلك يطلب اللقاء ببطرس. والنص يقول بأن صلواته سُمعت وذُكرت لدى الله صدقاته. أي أن صلوات هذا الوثني سُمعت واستُجيبت من قبل الله.

        ثم يتابع النص ويقول أنه عندما ارتمى قائد المئة على قدمي بطرس، يُنهضه هذا الأخير ويقول له « قم، فأنا نفسي أيضا بشر». بطرس يحقق ثلاثة اكتشافات مهمة: أولاً أن ليس هناك من شيء نجس أو دنس أو مقدس بحد ذاته (ما عدا الإنسان فهو مقدس) «ما ظهره الله لا تنجسنه أنت»، تقول الرؤية. فالإنسان هو الذي يدنس أو يقدس الأشياء والأمور.

 والاكتشاف الثاني فهو أنه لم يعد هناك من فارق بين اليهودي والوثني، أي بين المؤمن وغير المؤمن، بما أنه في الكتاب المقدس، اليهودي يرمز للإنسان المؤمن والوثني لغير المؤمن، فالاثنان سواء، بشر، مخلوقين على صورة الله كمثاله وقادرين على أعمال المحبة كأعمال الشر. اكتشف بطرس بأن إيمانه اليهودي لا يعطيه أية ميزة على الآخرين.

امّا الاكتشاف الثالث والأهم بدون شك، هو اكتشاف بطرس بأن الله هو إله جميع الناس، وليس إله اليهود فقط. إله جميع الناس أي إله حتى الذين لا يعرفونه، أو لا يريدون معرفته حتى، وهذا يرجعنا إلى نص إنجيل متى الذي نوهنا عليه. ويساعدنا على فهم إحدى أساسات إيماننا المسيحي التي تقول بأن المسيح هو مخلص جميع الناس، وسوف أعود إليها في نهاية حديثي. بطرس اكتشف بأن كل إنسان يتقي الله، أي يبتعد عن الشر ويحترم كل إنسان أيّاً كان، ويعمل البر فهو مرضي عنده.

ثم يتابع النص ليقول بأن الروح القدس نزل على جميع الذين سمعوا كلام الله، وتكلموا باللغات، كما حدث في يوم العنصرة، فما كان من بطرس إلاَّ أن يقبل بعمادهم. أي أن الروح القدس حاضر في كل إنسان ويعمل في كل إنسان ومن يستجيب له، حتى ولو لم يعي ذلك، فهو مسيحي تماماً، هنا نعود ثانية إلى نص متى الإنجيلي.

يبقى لنا سؤالين أساسيين لا بد من الإجابة عليهما. أولاً ما هو دور الإيمان المسيحي في هذه الحالة؟

على السؤال الأول أقول بأن المسيحية، من وجهة نظرنا هي بدون شك الوسيلة والطريق الأفضل والأسمى لتحقيق إنسانيتنا. خصوصاً عندما نعلم بأن المسيح هو إله حق وإنسان حق. فأن نتبع المسيح يعني أن نحقق إنسانيتنا وألوهيتنا في آن معاً لأن لا فرق بينهما بعد الآن.

وهذا يقودنا إلى السؤال الثاني: المسيح هو مخلص الجميع لأن روح المسيح يعمل في الجميع ومن يعيش انطلاقاً منه، حتى ولو لم يكن مسيحي بالهوية، فهو مسيحي حقيقي وهؤلاء الناس يسميهم اللاهوتي الألماني الكبير «كارل رانر» المسيحيون المجهولون!

في النهاية أقول أن المسيحية هي إنسانية بامتياز، بمعنى أنه لا يحق لنا أن نميز بين الاثنين، فهما وجهان لحقيقة واحدة، بما أن الإنسان الحقيقي هو بالضرورة ابن الله، والإله الحقيقي هو أيضاً بالضرورة إنسان.

 

       

 

جديد الموقع
أسئلة وأجوبة
أُصبتُ بحالة فصام منذ أربع سنين واليوم تحسنتُ وزالت الأوهام لكنّ مستواي الدراسي قد تراجع وأصبحت أعاني من الدراسة وأخاف أن أستنفذ سنواتي الجامعية وألا أتخرّج.

مع الأسف العلاج الوحيد هو دوائي ضروري مراجعة الطبيب بهذا الخصوص.

مكتوب بسفر الخروج فاني اجتاز في ارض مصر هذه الليلة و اضرب كل بكر في ارض مصر من الناس و البهائم و اصنع أحكاما بكل الهه المصريين أنا الرب ..وهذا يعني أن الله قاتل وهذا يتناقض مع تعاليم الإنجيل..ونحن بالكنيسة بعد القراءة نقول كلام الرب..يعني الكنيسة تؤمن أن

لا يمكن قراءة أي نص في العالم وبشكل خاص الكتاب المقدس قراءة حرفية فهي تقودنا دائماً إلى طريق مسدود. وبالتالي علينا الذهاب إلى ما رواء الكلمات، إلى الرسالة التي يريد النص إيصالها لنا. بالمقابل، شعب العهد القديم، مثلنا نحن، تصور الله على صورته كمثاله بينما