header logo
وُلِدتُ دُونَ أن أطلُبَ، وسَأمُوتُ دُونَ أن أُريد، فَدَعُوني أَعيشُ حَياتي كَما أَرغَبْ

من هو الله: الفصل الأول

اللـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــه المحـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــرِّر

         في العهد القديم، صور متعدّدة ومختلفة، وأحياناً متناقضة، عن الله، لأنَّ الله يكشف عن ذاته من خلال التاريخ، فتتطوّر صورة الإنسان عن الله مع مسيرة التاريخ الإنساني. أقدم هذه الصور في الكتاب المقدّس هي ثورة الله المحرَّر، صورة الله الذي يحرَّر شعبه. لهذه الصورة أهمّيّة كبرى، لأنّها تمّهد وترمز إلى فكرة الله الذي يحرِّر من الخطيئة، فكرة الله المخلّص. فإنَّ فكرة التحرّر أو فكرة الله المحرَّر هذه هي الاختبار الأول الذي قام بها إنسان العهد القديم عن الله.

 

        قد نعتقد بأنَّ الكتاب المقدّس هو كتاب متسلسل، وُضع بشكل تسلّسلي من البداية حتى النهاية. في الحقيقة. ليس الأمر كذلك، لأن قصّة الخلق كُتِبت في النهاية وأتت كاستنتاج عقليّ، إلى حدٍّ ما، كاستنتاج مبني على الاختبار الأساسي، على اختبار الله المحرِّر. قبل أنّ يتدخّل الله، لم يكن هناك شعب، بل كانت هناك قبائل متفرّقة لا علاقة لبعضها ببعض. وبفضل تدخّل الله فيها، تحوّلت إلى شعب استنتج أنَّ الله هو إله خالق، لأنّه خلق شعباً ممّل لم يكن شعباَ، أي إله قادر على أن يخلق من اللاشيء، من العدم.

        الله في وسط شعبه: يهني هذا أنّه إله التاريخ: «أنا إله أبيك، إله إبراهيم وإله إسحق وإله يعقوب» (تك 3/6). وهذا أمر مهمّ جداً، وهو أساس سرّ التجسّد الذي نتوقف عنده في ما يلي. إله التاريخ، هذا ما يميّز الإيمان المسيحي، وهو يعني أنّ الله دخل تاريخ الإنسانية فصار تاريخه وتاريخها واحداً. في نظر الكتاب المقدّس، يكشف الله عن نفسه من خلال التاريخ، من خلال الأحداث اليومية، البسيطة منها، والمهمّة التي يعيشها الإنسان، لأنَّ الله يسكنها. وبهذا المعنى يقول الكتاب المقدّس إنَّ «الله لم يره أحدّ قطّ، ومن يراه يموت» (خر 3 3/20. يو 1/18). نرى ذلك أيضاً بوجه أوضح في زيارة مريم لنسبيتها أليصابات. فإنَّ أليصابات قالت لمريم: «من أين لي أن تأتني أُمّ ربّي»، علماً بأنها تجهل حمل مريم. يعني ذلك أنَّ أليصابات اكتشفت وجود الله الكلمة من خلال هذه الزيارة المجانية، إذ إنَّ الله يكشف عن ذاته من خلال التاريخ الإنساني ومن خلال عدّة وساطات، أهمّها المسيح، لا بل الوساطة بحدّ ذاتها، أو، كما كتب بولس الرسول، «الوسيط الحقيقيّ، صورة الله». فليس الله بعيداً عن الإنسان، بل يعيش بالقرب منه، يعيش معه. فكل محور العهد القديم يدور حول رغبة الله أن يسكن في وسط شعبه، أي في وسط الإنسانية جمعاء، لأنّه يحبّ الإنسان، يحبه حتى إنّه يموت حبّاً له: «ليس لأحد حبّ أعظم من أن يبذل نفسه في سبيل أحبائه» و «افرحي وتهلّلي يا ابنة صهيون فإنّ إلهك سيسكن في وسطك» (ابنة صهيون ترمز إلى البشرية كلِّها).

        نعلم من العهد القديم أنّ الله يعطي الإنسان هذا الوعد، وعد الإقامة معه وعدم التخلي عنه. لكن الإنسان يخونه باستمرار لعدم ثقته الكافية به. أمّا عدم الثقة هذا فهو عائد جزئياً إلى أنَّ الإنسان يريد أن يكون الله كما يريده هو، أي ملبيّاً لرغباته وحاجاته. وبالمقابل، يبقى الله أميناً لوعده، وعد الحبّ الذي يكمن في المشاركة في حياة الإنسان، كمشاركة الزوج في حياة زوجته، أي الاتحاد بها باستمرارية هذا الاتحاد في «السرّاء والضرّاء».

        وهذا الحضور، حضور الله في وسط شعبه، هو حضور محرَّر، لأنّ الله يقود الإنسان من خلال هذا الحضور، وقويّه ويسنده ويشجّعه في مسيرته الإنسانية والإيمانية. وهذه المرافقة أضفت على الله، في العهد القديم، صورة القائد الذي يُرشد الشعب، ويناضل معه، ويحارب معه ومن أجله، ويجعله ينتصر على أعدائه. فنرى إنسان العهد القديم يطلب إلى الله أن ينتقم له ويسنده للتغلّب على أعدائه. بمعنى آخر، يُسقط الإنسان على الله مشاعره الإنسانية، ممّا «شوه»، إلى حدّ ما، صورة الله في بعض أسفار العهد القديم. وهذه الصورة الناقصة، غير الناضجة، أو هذا المفهوم غير الصحيح لله، قيَّد إنسان العهد القديم في مفهومه لله، وعيّر عليه قبول المسيح كما عاش وكما نراه من خلال العهد الجديد، إذ إنّه يخالف الصورة المألوفة التي كوّنها عن الله. (نرى ذلك في مطلع قصة أيوب، حيث يصغي الله إلى صوت الشيطان، ويسمح، بناء على طلبه، أن يُجرّب أيوب). ولا يريد التخلّي عن هذه الصورة، لأنّها تنسجم مع رغباته وحاجاته المباشرة التي يعتقد بأنّها حقيقيّة.

        إنَّ تلك النظرة إلى الله جعلت شهب العهد القديم يعتقد بأنّ الله هو إلهه وحده، إله شعب معيَّن ومرتبط بأرض معيّنة. ولكنّنا نرى في الوقت نفسه أنَّ هناك صراعاً يسكن العهد القديم، وهو صراع بين العامّ والخاصّ، أي صراع بين لأن يكون الله مرابطاً بشعب معيّن وأن يكون إله الدميع، إله البشر، إله الأمم، كما يسمّيهم الكتاب المقدّس: «توجّهوا إليَّ فتخلصوا، يا جميع أقاصي الأرض، فإنيّ أنا الله وليس من إله آخر. بذاتي أقسمت ومن فمي خرج البرّ، كلمة لا رجوع عنها. ستجثو لي كل ركبة ويُقسم بي كلّ لسان» (أش 45/22-24).

        يُعبّر عن حضور الله في تاريخ الإنسان بوجه مبدئي ورمزي، من خلال عمليّة الخلق، حيث يضع الله من روحه في الإنسان. فقد ورد في الكتاب المقدّس (تك 2/7): «ونفخ في أنفه نسمة حياة، فصار الإنسان نفسّا حيّة». ثم من خلال إعطاء الشريعةـ ــــــ وهي كلام الله ــــــ (والمسيح هو كلمة الله). ومن بعد ذلك، أتى الأنبياء وكانوا يذكَّرون الشعب دائماً بإرادة الله، فكانوا بمثابة صوت الله الحيّ بمثابة حصور الله، إن صح التعبير، في وسط الشعب. تمّ هذا الحضور بوجه كليّ من خلال المسيح ــــــ الكلمة المتجسّد. فقد شكن الله في وسط مريم (الأحشاء) وسكن في وسط الشعب، بحضوره الشخصيّ المتجسّد، عن طريق كلمته.

وفي العهد الجديد، نرى الله وقد سكن فعلاً في وسط شعبه، من خلال شخص المسيح، الكلمة المتجسّد. ولقد فهم العهد القديم لأنّ الله يحرّر «ماديّاً»، إن صح التعبير، تحريراً من الآخر، من العدو، من جميع مشاكله الماديّة والمعنوية، النفسية والاجتماعية (ونحن اليوم لا نزال ننظر إلى الله وكأنّه يحلّ المشاكل ويزيل الصعوبات في الحياة). أمّا العهد الجديد فقد أضفى على فكرة التحرّر معناها الحقيقيّ، فأخذت معنى روحيّاً، وإن غير مجرَّد. فعندما نقول: «روحيّ» نعني أنّ له انعكاساته الماديّة الملموسة. وبمعنى آخر، أنا أعمل وأعيش حياتي «الماديّة»، انطلاقاً وفي ضوء هذه المعطيات الروحية التي هيها لي المسيح من خلال كلامه الحيّ. وهذا يعني أيضاً أنَّ الله لا يقوم بالعمل مكاني أنا، بل أنا مسؤول، وعليَّ أن أمارس هذه المسؤولية، والله يساعدني من خلال حريّتي ومسؤوليتي. إنّ الله لا يعمل بالرغم منّي، بل من خلال حرّيتي المسؤولة. وهذا ما يزعجنا، لأنّنا نستريح أن نستريح ونترك الله يعمل مكاننا.

        فكرة التحرّر كما فهمها إنسان العهد القديم جعلت من الصعوبة بمكان أن يقبل مسيحاً مصلوباً، لأنّه كان ينتظر إلهاً محارباً ومنتصراً على أعدائه، وهذا ما يجعل التلاميذ أنفسهم يشعرون بالفشل أمام الصليب: «كنّا نحن نرجو أنّه هو الذي سيفتدي إسرائيل». هذا ما قاله تلميذا عمّاوس للقائم من بين الموات، معبّرين عن شعورهم بالفشل الذريع وخيبة الأمل الذريع أمام ألام المسيح وموته.

         كيف يحرّر الله الإنسان وممّا يحرّره؟ إنَّ الله يحرّرنا بحبّه لنا. ونحن بالمقابل نستطيع أن نعيش هذا التحرّر بمقدار ما نعيش ونقبل هذا الحبّ. فالمشكلة كلَّها تكمن في الثقة بهذا الحبّ. منذ الأزل يطرح الإنسان على نفسه هذا السؤال: هل الله معه أو لا؟ وهل يحبّه أم لا؟ وهل هو محبوب أم لا؟ في العهد القديم تظهر لنا تجربة عدم الثقة هذه، وهي التي دفعت الشعب إلى عبادة العجل الذهبيّ، وتخزين المنّ الذي أعطاه الله، مع أنّ الله وعد باستمرار هذه العطيّة. وما قصّة تجربة الحيّة سوى تعبير واضح عن هذا الأمر، حيث إنّ حذر الإنسان أمام حبّ الله له دفعه إلى السعي للقبض والسيطرة على الحياة والخلود بقواه العضلية، بدل أن يثق بالله ويتقبّل الحياة والخلود كعطية من الله. الله المحرّر يريد أن يكون الإنسان حرّاً من كل شيء، من كل ما سلب إرادته ويجعله عبداً، حرّاً ممّا يمنعه أن يكون إنساناً: «إنّ المسيح قد حرّرنا تحريراً. فاثبتوا إذاً ولا تدعوا أحداً يعود بكم إلى نير العبوديّة» (غل 5/1).

        فالتحرّر الذي يأتي به الله مرّ إذا، كما تلاحظون، يتطوّر كبير بين العهدين القديم والجديد: من التحرّر من عبوديّة ماديّة خارجيّة سبَّبها الآخر، إلى التحرّر من عبودية أكثر عمقاً، مرتبطة بي شخصيّاً وتعود إلى إرادتي، إن صح التعبير. لأنّ الحريّة المسيحية لا تكمن فقط في التحرّر من العبوديّة التي يمارسها الآخر عليّ، وهذا أمر مهمّ جدّاً، بل إنّ جوهر هذه الحرّيّة يكمن في الحرّيّة الباطنية التي تعنيني، بالإضافة إلى العبوديّة التي أمارسها أنا على الآخر. عندما أكون حرّاً من الداخل، أكون حرّاً فعلاً، وعدم الحرّيّة الخارجية لم يعد ذا مكانة كبرى. بوجه عام، نختبئ وراء الحرّيّة الخارجيّة، ولكن من منّا حرّ أمام ما يفرضه علينا المجتمع والتقاليد ــــ أمنى أن لا أكون على خطأ ـــ فأنا لا أقاوم التقاليد ولا المجتمع، بل السؤال هو التالي: هل أعيش ذاتي قناعاتي، أم أعيش كما يريدون الآخرون أن أكون؟ (أذكر يوماً طُلب إليّ فيه أن أتحدث عن الحرّية إلى مجموعة من الفتيات. في بداية الحديث قدّمن لي لائحة طويلة يعرضن فيها الممنوعات المفروضة عليهن! كفتيات شرقيّات، وهذا أمر صحيح، ولكن عندما سألتهن: من منكنّ على استعداد أن تشترك في سهرة ما، جون أن «تتمكيج» أو دون أن تلبس «على الموضة»؟ فلم يكن هناك من جواب سوى اصمت). أنا لا أقاوم «الموضة» ولا الماكياج. بل أسأل: إلى أيّ حدّ أنا حقيقيّ وأعيش ذاتي؟ هناك أيضاً موضوع الهديّة: مع الأسف الشديد، فقدت الهديّة بُعدها الرمزي وحلّ محلّه البعد الماديّ. إذا قٌدّمت لي هديّة بعشر ليرات، أشعر بأنه عليّ أن أقدّم هديّة بعشرين ليرة.  فالهدية لم تعد تعبيراً عن الحبّ، بل أصبحت وسيلة للتفوّق ولتملك من أهديه، فضلاً عن وجود عدد من الناس اضطروا إلى تخفيض علاقاتهم مع الآخرين، لأنّه ليس بإمكانهم أن يقابلوهم بالمثل على هذا الصعيد.

        في أثناء صلب المسيح، تتّضح لنا اللعبة ذاتها إلى حدّ ما: فإن أغلبية الحاضرين في أثناء محاكمة يسوع والذين اشتركوا في المكالبة بصلبه هم من الذين «استفادوا منه». لقد اتّخذوا هذا الموقف لأنّه لم يكن لديهم الجرأة للتعبير عن قناعاتهم واختباراتهم مع يسوع. فلقد انساقوا تماماً في محاكمة مزوّرة وطالبوا بإطلاق لصّ مقابل البريء، في حين أنَّ الذين اختبروا بالعمق التحرّر عن يد المسيح لم يخافوا من إعلان إيمانهم به، كما هو حال المولود أعمى في إنجيل يوحنا الفصل 9. إنَّ الحريّة المسيحية تجعلني في النهاية حرّاً حتى أمام ذاتي، وهذه الحرّيّة هي الوحيد التي تمكنّني أن أكون إنساناً أولاً وخلاّقاً ثانياّ (هناك من يصاب بالرشح، وينشلّ عن الحركة ويصبح سجين موقف المشتكي، وهناك من يصاب بمرض السرطان ويتابع عمله ونشاطه حتّة آخر رمق من حياته). فإن العبوديّة الأهم، العبوديّة الوحيدة، هي في النهاية عبوديّة الذات. عندما أبحث عن الملكيّة، وعن المركزيّة، وعن المادّة، أفعل كلَّ ذلك من أجل ذاتي، لا سيّما وأنّي أعيش هذا الأمر على أنّه «مفروض» عليّ إلى حد ما، وأُبرّره بأنّه لخيري، وهذا ما لا يمكّنني أن أكون حرّاً تجاهه. فالمسيح عاش هذه الحرّيّة شخصيّاً في أثناء وجوده التاريخي الأرضي: فقد كان يأكل مع الخاطئين بالرغم من أصابع الاتهام التي كانت توجّه إليه في هذا الشأن، أيّ، بمعنى آخر، لم يكن المسيح متمسّكاً «بسمعته»، بل كان حرّاً تجاه هذا الموضوع، ممّا مكّنه أن يكون مع الجميع ومن أجل الجميع، وهذا ما مكّنه أن يكون خلاّقاً. على الصليب أيضاً، لم يفكّر المسيح في ذاته، بل في الآخرين: فكّر في صالبيه: «يا أبتاه اغفر لهم لأنهم لا يدرون ماذا يفعلون» (لو 23/34)، وفي لصّ اليمين: «الحقّ أقول لك، اليوم تكون معي في الفردوس» (لو 23/43).

        فالحرّيّة هي الخلاّقة، والله هو خلاّق لأنّه حرّ ومُحرّر ولقد خلقنا أحراراّ حتّى إنّنا نستطيع أن نقول لله: لا. وبالمقابل فهو يحترم رفضنا هذا، كما أنّه بتحريره إيّانا، يخلقنا مرّة أخرى ويجعلنا خلاّقين. ونحن أيضاً، إن اس تقبلنا هذا التحرّر المعطى لنا من قبل الله، نستطيع أن نحرّر الآخرين معنا. عندما يحرّرنا الله من ذواتنا، يصبح الآخر محور حياتنا بدل أن نكون منغلقين على أنفسنا، ممّا يؤدّي بنا إلى الموت الحتميّ.

جديد الموقع
أسئلة وأجوبة
كيفة يسمى sوnمغناطيسي

عذرا لم أفهم السؤال

في انجيل متى مكتوب ان النسوة امسكت قدمي يسوعوإِذا يسوعُ قد جاءَ لِلِقائِهما، فقالَ لهما: «السَّلامُ علَيكُما!» فتَقَدَّمَتا وأَمسَكَتا قَدَمَيه ساجِدَتَينِ له.اما في انجيل يوحنا منعها يسوع من ان تمسكه فقالَ لها يسوع: «لا تُمسِكيني، إِنِّي لم أَصعَدْ
  • هذا يعني أن كل إنجيلي يريد التركيز على نقطة معينة. بالنسبة لمتى إنه هو المصلوب وقد قام. بالنسبة ليوحنا القائم من بين الموات لم يعد خاضع للزمان والمكان فلا يمكن الامساك به