header logo
لَسنا بِحاجَة للاِندِفَاع إذا كَانَ هُناكَ شَيءٌ سَيَحصَل

من هو الله: الفصل الثاني

اللـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــه الخـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــالق

        رأينا أنّ اختبار الله المحرّر، الله الذي يستطيع أن يخلق شعباً ممّا لم يكن شعباً، حمل إنسان العهد القديم إلى أن يستنتج أنّ هذا لإله هو خالق، أنّه الخالق. وإذا كان هو الخالق، فإنه يخلق بمحبّة: لكي يحرّر الإنسان، لا بدّ أن يحبّه، وإلا لما ساعده على الوصول إلى الحرّيّة، لما ساعده على أن يكون إنساناً. فماذا يعني، بالنسبة إلينا، في حياتنا اليومية، أن يكون الله هو الخالق؟ كيف يمكننا أن نفهم قصّة الخلق كما يريها الكتاب المقدّس؟ وعلى أيّ أساس تمّت عمليّة الخلق هذه؟

 

        ملاحظة أولى لا بدّ منها، قبل أن نبدأ بقراءة قصّة الخلق، وقد تبدو هذه الملاحظة بديهيّة: إن قصّة الخلق في الكتاب المقدّس لا تروي لنا بالتفصيل ما حدث في أثناء الخلق، بل هي قصّة رمزيّة (أسطورة). ولكمة أسطورة لا تعني خرافة على ما يعتقده الكثيرون. فالأسطورة هي أسلوب أدبيّ رمزيّ يخبرنا عن حقيقة أصل الإنسان والآلهة والعلاقة بينهما، ونحن مدعوون إلى قراءة هذه الرموز للوصول إلى الرسالة التي تريد أن تنقلها إلينا.. فإذا دققّنا قراءتنا لقصّة الخلق نلاحظ ما يلي:

        أولاً، كانت الأرض «خاوية خالية» (تك 1/1)، أي لم يكن لها شكل محدّد وواضح، لم يكن فيها حياة. ثم تبدأ عملية الخلق عن يد الله، أي تبدأ الحياة بالظهور على هذه الأرض. فعندما يخلق الله، يخلق بالاختلاف: الليل والنهار، السماء والأرض، المياه واليبس، وأخيرا الرجل والمرأة. وهذا يعني أولاّ أنّ لا وجود لخلق، لا وجود لحياة من دون الاختلاف.

        ثانياً، نلاحظ أنّ الله، عندما يتكلم عن ذاته، فإنه يتكلم بالجمع ومرّة بالمفرد: «وقال الله: لنصنع الإنسان على صورتنا كمثالنا» (تك 1/26). نرى هنا بوادر عن فكرة الثالوث، إذ إنّ الله يتكلم عن نفسه بصيغة الجمع، ولا يتكلم من باب التباهي. فهذا يتضمّن، في رأيي، ولو بوجه غير واضح وغير مباشر، فكرة الثالوث، وهذه الفكرة، التي تتوضّح إلى حدّ ما من خلال العهد الجديد، في المسيح الابن الذي سيعرّفنا الآب بوحي من الروح القدس. فالله متعدّد بالاختلاف إذاً وواحد معاً (أب وابن وروح قدس). وهنا يُطرح علينا السؤال حول مفهوم الثالوث (أتحدث عنه بعد قليل). ثم يتابع نص الكتاب المقدّس فيقول: «فخلق الله الإنسان على صورته، على صورة الله خلقه، ذكراً وأنثى خلقهم» (تك 1/27). فالإنسان هو صورة الله كمثاله، أي أنّه متعدّد بالاختلاف وواحد أيضاً (ذكر وأنثى)، واحد بما أنّهما مشتركان في الجوهر أيضاً، أيّ الإنسانيّة. إنّ جوهر الإنسان هو التعدّد بالاختلاف على مثال الله. فالرجل وحده ليس هو الإنسان ولا المرأة وحدها هي الإنسان، بل الاثنان معاً. وأفضل صورة للثالوث، هي في رأييّ، صورة الرجل والمرأة. والتعدّد بالاختلاف ليس هو فقط بين الرجل والمرأة، بل بين كلّ إنسان وآخر، حتى ولو كان من الجنس عينه.

        الله يخلق بالكلمة: «كنّ فكان». والخلق بالكلمة هذا يعني المسيح، بما أنّه هو كلمة الله. وبهذا المعنى يفتتح يوحنا إنجيله قائلاً: «في البدء كان الكلمة، والكلمة كان لدى الله، والكلمة هو الله. به كان كلّ شيء وبدونه لم يكن شيء».

        وإذا كان الله يخلق لأنّه يحبّ، فكيف يمكننا أن نفهم أنّ الله منع الإنسان عن المعرفة: «من جميع أشجار الجنّة تأكل، وأمّا شجرة معرفة الخير والشر فلا تأكل منها، فإنك يوم تأكل منها تموت موتاً» (تك 2/16 - 17)؟ إنّ الله وضع للإنسان شريعة للحفاظ على حياته: لأنّ منع الكل من شجرة المعرفة يهدف إلى حماية الإنسان من الموت، لأنّ الله يريد الحياة للإنسان، لا الموت: «أمّا أنا فقد أتيت لتكون الحياة للناس، وتفيض فيهم»، يقول المسيح في مثل الراعي الصالح (يو 10/10). إلى جانب أهمية الشريعة بوجه عامّ في حياة الإنسان، فلا وجود لإنسان من دون شريعة: فعلى الصعيد النفسيّ مثلاً، هذه الناحيّة مهمّة جدّاً وتظهر في مرحلة (الأوديب) من مراحل النموّ النفسيّ للطفل. في هذه المرحلة يكون الصبي متعلقاً بأمّه والفتاة بأبيها. وكلّ واحد منهما يريد الزواج من الآخر (الصبي من أمّه والفتاة من أبيها)، وهما يعبّران عن هذا الأمر إمّا بالكلام وبشكل واضح في بعض الأحيان، وإمّا بالتصرف، إذ يبقى الصبي مرتبطاً بأمّه ولا يريد أن يتركها ولو لحظة، إلى جانب شيء من الرفض للأب، لأنّه يُعتبر منافساً له. وللأب هنا دور ذو أهمّيّة بالغة، إذ عليه أن يفصل بين المّ والصبي والفتاة وأبيها، وإلاّ فالنتيجة كارثة. وهذا ما يُظهر لنا دور الشريعة وأهميّتها في حياة الإنسان.

        ماذا يجري في الواقع؟ في الواقع نسعى دائماً لإلغاء هذا التعدّد بالاختلاف الذي نجده بين البشر. كلّ واحد منّا يسعى لأن يكون الآخر مثله، صورة عنه. فالرجل يريد أن تكون زوجته كما يريدها أن تكون، أي مثله، والمرأة تريد زوجها بالمثل، والصديق صديقه إلخ... ولهذا السبب، لا تدوم العلاقات طويلاً إلاَّ ما ندر، ولهذا السبب أيضاً، نحن لسنا خلاّقين، بل نعيش من «قلّة الموت»، كما نسمع أغلب الأحيان على أفواه الشبّان. في كلّ مرّ نحاول فيها أن نُلغي الاختلاف، نسعى إلى الموت، نتراجع إلى ما قبل الخلق، إلى تلك الأرض «الخاوية الخالية». فنحن مدعوون إذاً إلى احترام الاختلاف، لا بل إلى تقويته وتغذيته في حياتنا. نحن مدعوون إلى السهر من أجل الحفاظ على هذا الاختلاف وجعله مصدر حياة وخلق، مصدر غنى، ولكنّنا نحوّله في أغلب الأحيان إلى مصدر خلاف (الرجل يقول إنّ المرأة بنصف عقل، والمرأة تقول إنّ الرجال وحوش إلخ).

        في الحوارات التي قد نسمعها بين الناس، نرى كلّ واحد منهم في موقف الدفاع، يحاول أن يُقنع الآخر برأيه، يقنعه بأنّه على حق، بأنه يملك الحقيقة، أي أنّ الآخر هو على خطأ. ولكن من منّا هو على حق؟ من منّا يملك الحقيقة؟ منطقتنا غنية بالاختلافات: (اختلافات الأديان، اختلافات اجتماعيّة، اختلافات في التقليد)، ولكنّنا نجعل من هذه الاختلافات مصدر خلافات وانتقادات. فإذا كان الله قد خلق الإنسان متعدّدا بالاختلاف، فهذا يعني أنّه علينا جميعاً أن نحافظ على هذه الميّزة الفريدة لأنها هي مصدر الحياة. فلا يحقّ لي أن أفرض رأي على الآخر. إفتحوا الإنجيل، تلاحظوا أنَّ المسيح لم يثل أبداً: «عليكم أن تتبعوني»، بل كان دائماً يقول: «من أراد أن يتبعني». بهذا المعنى نجد نصًّا رائعاً في سفر تثنية الاشتراع، يقول الله فيه للإنسان ما يلي: «أنظر، إنّي أعرض عليك اليوم الحياة والخير، والموت والشرّ. إذا سمعت إلى وصايا الربّ إلهك، سائراً في سبله حافظاً وصاياه وفرائضه وأحكامه، تحيا وتكثر ويباركك الربّ إلهك في الأرض التي أنت داخل إليها لترثها. وإذا تحوّل قلبك ولم تسمع وابتع\ت وسجدت لآلهة أخرى وعبدتها، فقد أعلن لكم اليوم أنكم تهلكون هلاكاً (...) فاختر الحياة لكي تحيا أنت ونسلك من بعدك» (تث 30/15-18). فالله يعرض والإنسان يختار بكلّ حرّيّة.

        هنا يأتي موضوع مهمّ جدّاً، لا يمكننا المرور عليه «مرور الكرام». هذا الموضوع هو موضوع الدينونة. فإذا كان الله يعرض والإنسان يختار، فكيف يمكن لله أن يدين؟ للإجابة على هذا السؤال، علينا أن نعلم أولاً بأن الله رحيم، فلا يعاملنا بالعدل، وإلاَّ هلكنا جميعاً (مثل عملة الساعة الخامسة في متى 20/1-16). في الواقع، لا يدين الله أحداّ، بل الإنسان هو الذي يدين نفسه. الإنسان يختار بحرّيته الظلمة بدلاً من النور والموت بدلاً من الحياة. وهذا ما قرأناه في نصّ تثنية الاشتراع. في إنجيل يوحنا، هذا الموضوع واضح جداً، لأنّ المسيح يقول: «فإِنَّ اللهَ أَحبَّ العالَمَ حتَّى إِنَّه جادَ بِابنِه الوَحيد لِكَي لا يَهلِكَ كُلُّ مَن يُؤمِنُ بِه بل تكونَ له الحياةُ الأَبدِيَّة فإِنَّ اللهَ لَم يُرسِلِ ابنَه إِلى العالَم لِيَدينَ العالَم بل لِيُخَلَّصَ بِه العالَم مَن آمَنَ بِه لا يُدان ومَن لم يُؤمِنْ بِه فقَد دِينَ مُنذُ الآن لِأَنَّه لم يُؤمِنْ بِاسمِ ابنِ اللهِ الوَحيد. وإِنَّما الدَّينونَةُ هي أَنَّ النُّورَ جاءَ إِلى العالَم ففضَّلَ النَّاسُ الظَّلامَ على النُّور» (يو 3/16-19). وقال في مكان آخر: «وإِن سَمِعَ أَحَدٌ كَلامي ولَم يَحفَظْه فأَنا لا أَدينُه لأَنِّي ما جِئتُ لأَدينَ العالَم بل لأُخَلِّصَ العالَم. مَن أَعرَضَ عَنِّي ولَم يَقبَلْ كَلامي فلَه ما يَدينُه: الكَلامُ الَّذي قُلتُه يَدينُه في اليَومِ الأَخير» (يو 12/47-48). فما قلناه في شأن إلغاء الاختلاف يوضّح لنا أيضاً هذه الناحية على أفضل وجه: فالإنسان، بمحاولته إلغاء الاختلاف بينه وبين الآخرين، يختار الظلمة والموت، في حيان يعتقد ويقتنع بأنّه يختار الحياة «والنصيب الأفضل»، مثل الطفل الصغير الذي يتعلّم المشي: في البداية، يستند إلى كرسي أو إلى طاولة صغيرة أو يتمسك بيد إنسان بالغ. كل هذه الوسائل هي متينة، ولكن، إن بقي يستند إليها، فلن يتعلم المشي ولن يصبح إنساناً مستقلاً. فعليه، لكي ينمو في هذه الناحية، أن يثق بكلام الإنسان البالغ الذي يناديه «تعال ولا تخف». ونحن أيضاً نعتقد بأنَّ الملكية والمركزية، والمادّة واهتمام الآخرين، هي التي ستعطينا الحياة والفرح والسعادة، في حين نكون في الواقع على عتبة اختيار الظلمة والموت، لأنَّ الحياة هي هبة من الله، ونحن نتلقَّاها منه ولا نملكها.

        فالإنسان هو الذي يدين نفسه، لأنَّ الله لا يدين، وليس بإمكانه أن يدين، لأنّه محبّة وليس هو «إلاَّ محبّة» كما سبق وقلنا. فالله عاجز عن أن يقوم بأعمال تخالف الحبّ. بهذا المعنى نقول لإنَّ الله غير عادل، بل هو رحيم. لا ألغي الدينونة، بل أقول إنَّ الدينونة هي بيد الإنسان وليست بيد الله، لأنّ الله «أنى ليبحث عن الهالك ويخلّصه، فلم يأتي ليدين وإلاَّ أصبح الله متناقضاً في جوهره. فكيف يمكننا أن نفهم أنّ الله غفر الخطايا أو أنّه لم يحكم على المرأة الزانية، علماً بأنها لم تطلب منه المغفرة؟

        فالمغفرة هي من جوهر الحبّ. ولذلك هي خلاّقة، لأنها تحرّر الإنسان من الذنب الذي يكبّله ويجعله أسيراً لهذا الشعور. كلّنا نعلم إلى أيّ حدّ نبقى مكبّلين، إن كنّا نعيش تحت وطأة الشعور بالذنب. فالمغفرة هي إذن خلاّقة، لأنّها تحرّر الإنسان، تخلقه مرّة أخرى. وهكذا فإن الله يخلق من خلال المغفرة، من خلال مغفرته لخطايانا: «قم فاحمل فراشك واذهب إلى بيتك»، يقول يسوع للمقعد بعد أن قال له: «مغفورة لك خطاياك». ولكنّنا، يوجه عام، نحكم على الآخرين، ولكي نريح ضمائرنا، نُسقط هذا الشعور على الله ونجعل منه حاكماً ديّاناً.

        وبكلمة واحدة نقول بأن الله محبّة. وإذا كان محبّة، فلا بدّ أن يكون متعدّداً بالاختلاف في جوهره، لأنّ المحبّة تفترض وجود علاقة، والعلاقة تتطلّب وجود أكثر من واحد. والمحبّة في جوهرها خلاّقة، لأنّها خروج مستمرّ من الذات (خرج الزارع لزرع، خرج ربّ عمل ليبحث عن عملة إلخ...).

        والله خلق الإنسان على صورته، أيّ متعدّد بالاختلاف، لأنّه حياة. وإذا كان الله قد ارتاح في اليوم السابع للخلق، فهو لم يتعب من الخلق لكي يرتاح، بل ما يراد من النص هو أنّ الله سلّم الكون إلى الإنسان «إنموا واكثروا...». وعليه هو الآن أن يخلق الكون، إن صح التعبير، بمعنى أنّه على الإنسان أن يسيطر على الكون ويؤنسنه، ويجعله إنسانيّاً. وهذا ما يتمّ بمقدار ما يصبح الإنسان أكثر إنسانيّة، أكثر إنساناً. ولكن عدم الثقة الكافية بالله، عدم الثقة بحبّ الله له، يدفع بالإنسان إلى رفض الحياة الموهوبة له من قبل الله، ويسعى للوصول إليها بطرقه الخاصّة. وهذه هي الخطيئة ـــــ الموت ـــ الذي يسعى الله باستمرار لأنّ يخلّصنا منه. فكيف ومن أيّ شيء يخلّصنا الله؟ هذا ما سنراه في ما يلي.

جديد الموقع
أسئلة وأجوبة
كيفة يسمى sوnمغناطيسي

عذرا لم أفهم السؤال

في انجيل متى مكتوب ان النسوة امسكت قدمي يسوعوإِذا يسوعُ قد جاءَ لِلِقائِهما، فقالَ لهما: «السَّلامُ علَيكُما!» فتَقَدَّمَتا وأَمسَكَتا قَدَمَيه ساجِدَتَينِ له.اما في انجيل يوحنا منعها يسوع من ان تمسكه فقالَ لها يسوع: «لا تُمسِكيني، إِنِّي لم أَصعَدْ
  • هذا يعني أن كل إنجيلي يريد التركيز على نقطة معينة. بالنسبة لمتى إنه هو المصلوب وقد قام. بالنسبة ليوحنا القائم من بين الموات لم يعد خاضع للزمان والمكان فلا يمكن الامساك به