header logo
يُمكِننا الحُصول عَلى أيِّ شَيء إذا كُنّا مُستَعدِّين لِمُساعَدة الآخرينَ للحُصولِ عَلى ما يُريدونَه

من هو الله: الفصل الثالث

اللــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــه المخلـــــــــــــــــــــــــــــــــــــص

        إنَّ موضوع الخلاص موضوع أساسيّ في الإيمان المسيحيّ. وفكر بولس الرسول ينطلق من الخلاص: فقد اكتشف أن جميع البشر خطئوا وبالتالي هم هالكون. وهذا ما جعله يكتشف أهميّة الخلاص المعطى لنا بالمسيح ومجانيّته، إذ إنَّ الشريعة لا تستطيع أن تعطينا الخلاص، فضلاً عن أنَّ الإنسان، نظراً إلى وضعه الخاطئ، لا يستحق الخلاص. فكيف ومن أيّ شيء يخلّصنا المسيح؟ هذا هو السؤال الذي سأحاول الإجابة عليه.

        لقد اعتدنا أن نربط موضوع الخلاص بالخطيئة (الأصليّة)، وفي هذا شيء من الصحّة. ولكنّ الخلاص هو أهمّ وأوسع وأقدم بكثير، إن صح التعبير، من الخطيئة. إنّ كلمة خلاص كلمة «غشّاشة»، لأنَّ معناها يقيّّدنا. فلنحاول أن نكتشف الوجه الآخر لمعناها. عندما أخلص من شيء ما، بالمقابل يُعطى لي شيء آخر أفضل. فعندما أخلص من مشكلة ما، أحصل على الفرح. فالخلاص من الخطيئة يعني الخلاص من نتيجة الخطيئة: الموت. وعندما أخلص من الموت، تُعطى لي الحياة. فالخلاص يعني إذن هبة الحياة. فإن قبلنا بهذا التعريف، تصبح عملية الخلاص الأولى عمليّة الخلق ذاتها، حيث أعطى الله الحياة للبشر. فالخلاص هو أوسع بكثير من موضوع الخطيئة وإن كان يشمل أيضاّ الخلاص من الخطيئة. لكن هذا يأتي في مرحلة أخرى وكتجديد للعطيّة الأساسية التي رفضها الإنسان بسبب الخطيئة.

        من المألوف أن نقول إنَّ المسيح تجسّد وسكنن بيننا ليخلّصنا من الخطيئة. هذا يعني أنَّ الخطيئة هل التي فرضت تجسّد المسيح، فلو لم تكن هناك خطيئة لما تجسّد المسيح. لكنَّ الكتاب المقدّ بوجه عام، والإنجيل بوجه خاصّ، يخبرنا بأن المسيح تجسّد لأنّه يحبّنا. ومَن يحبّ يتّحد بالحبيب، وهذا هو الزواج، وقد سبق لنا وقلنا إنَّ «الله تزوّج البشرية». هذه هي الصداقة الحقيقيّة التي يتّحد فيها الصديقان بالروح الواحد الذي يجعهما. مُن يحبّ يريد ويسعى أن يشارك المحبوب في كلّ ما يعيشه من فرح وحزن، ومن فقر وغنى، في السرّاء والضرّاء كما يقولون. والمسيح أتى وسكن «بيننا» لكي يشترك معنا في كلّ شيء، في كلّ ما يعيشه الإنسان، في كلّ ما يجعله إنسان، أيّ إنَّ المسيح أتى ليتضامن معنا ويشاطرنا «وضعنا الإنسانيّ». وهذه الفكرة سنتوقف عندها لاحقاً.

        يوصلنا ربط الخلاص بالخطيئة إلى ما تعلّمناه في الماضي، ألا وهو أنّه كان علينا أن نموت بسبب خطيئتنا، وأنّ الله، لكونه رحيماً، فضّل موت ابنه مكاننا لكي يخلّصنا معه. ولكن هذا المنطق لا يتناسب مع الله المحبّ. فقد سبق وقلنا إ،ّ الله عاجز عن أن يقوم بأعمال منفية للحبّ. فلا يمكن الله أن يفكّر يوماً في أن يميتنا. لكي نفهم كما يجب موضوع الخلاص، لا بدّ لنا أن نفهم أولاً ما هي الخطيئة.

        تنبع الخطيئة من قدم ثقة الإنسان بالله، وهي مرتبطة بحرّيّة الإنسان. وعدم الثقة يعني عدم الثقة بحبّ الله لنا. ولهذا السبب يسعى الإنسان ــــ كما سبق ورأينا ـــــ للحصول وحده على الحياة، بأعماله وبعيداُ عن الله. هذا ما يجعل الإنسان يسعى إلى التسلّط وإلى استغلال الآخرين، لكي يُثبت لنفسه أنّه محبوب. يسعى إلى الملكيّة، إلى المركزيّة والمحوريّة، وكلّنا نعلم بأنّه، في الظاهر، يحبّ الناس الأغنياء. وعندما تزول تلك الملكية يجد نفسه وحيداً. والزواج في أيّامنا، ومع الأسف، أصبح مبنيّاً على هذا الأساس، بدل أن يُبنى على الحبّ.

        المسيح يخلّنا من الخطيئة، أيّ يخلّصنا من كل ما يمنعنا أن نكون بشراً. من جميع أنواع العبوديات التي تسخّرنا وتسلب إرادتنا وحرّيتنا. وأخيراً فإن المسيح يخلّصنا من الموت. كيف يتمّ ذلك، لا سيّما وأنّنا نعلم بأنّ الموت لا يزال قائماً ونتألم منه الكثير؟

        الإنسان هو عبارة عن جملة من الصراعات: صراع بين المسموح والممنوع، بين القانون وواجباته، بين الوعي واللاوعي إلخ...ومن يقول صراع، يقول: عنف وانقسام وانشقاق. فالعنف هو في داخل الإنسان ولا بدّ منه لكي يصل إلى تحقيق ذاته. فالإنسان في صراع مع الطبيعة (كوارث، أمراض...) ومع المجتمع (كلّ فرد يعتبر نفسه مغبوناً من قبل المجتمع، إن لم يعامله بطريقة مميّزة). وأخيراً وليس آخراً، الإنسان هو صراع مع ذاته، وقد أثبت التحلّيل النفسيّ لنا ذلك من خلال الصراع بين الوعي واللاوعي، بين نزوات الموت ونزوات الحياة، وهذا ما عبّر عنه بولس عندما قال: «إنَّ الخير الذي أريده لا أفعله، والشرّ الذي لا أريده فإيّاه أفعل» (رو 7/16). والصراع متجدّد ومستمرّ.

        يعني هذا أنّ الإنسان، خلافاً لما نعتقده، لم يصبح، حتى اليوم، إنساناً بكلّ معنى الكلمة. فما دام في البشرية تصرّ واحد غير إنسانيّ، فذلك أنّ الإنسان لم يصل إلى الأنسنة حتى اليوم. فالإنسان مدعو إلى أن يصبح إنساناً. وهذه مسيرة لا تنتهي. وهذا يعني أيضاً أنه لم يصبح حتى اليوم على صورة الله. ونلاحظ، إلى جانب ذلك، أنًّ جميع تصرفات الإنسان هي تصرفات غامضة: فالمساعدة والخدمة والحبّ هي كلّها تصرفات لها، في الوقت نفسه، خلفيّة لا واعية، قد تهدف إلى تملّك الآخر. فالهديّة مثلاً لم يعد تعبّر عن الحب بقدر ما تعبّر عن شيء من التفوق على من يتلقّاها. وهذا يعني أنّه لا وجود لنصرف إنسانيّ صاف مئة بالمئة، وأنّه لا يحقّ لنا في أن «نقدّس تصرفاتنا». فأحياناً ما يكون لأعمالنا الجيّدة والإيجابيّة نتائج سلبيّة لا تتعلّق بحريّتنا. ولكن هناك شرّاً يتعلق بحريّتنا إلى حدّ كبير وهو الخطيئة.

        وكثيراً ما نستعمل حريّتنا استعمالاً غير صحيح، وكما رأينا، نختار الموت بدلاُ من الحياة (الوسائل المزيّفة، الطفل الذي يتعلّم المسي). وقد أثبت التحلّيل النفسيّ وجود صراع مهمّ داخل الإنسان: صراع بين نزوات الموت ونزوات الحياة، أيّ أنَّه عند الإنسان نزعة إلى التخريب والتهديم، نزعة إلى العدم. لا يل يمكننا التحدّث عن «لذّة التهديم»: لإثبات قدرتنا وإظهار حريّتنا، أسهل علينا أن نهدم من أن نبني، من أن نخلق. لهذا السبب، لا نشعر بالكفاية ولا نعيش نموّنا الإنساني على أنّه مرتبط بشكل قويّ جداً بنموّ الآخرين، ولا يمكننا أن نعيش على صورة الله وأن نكون خلاّقين إلاَّ إذا أفسحنا المجال للآخرين في أن ينموا. وهذا من صميم الحريّة الباطنيّة التي تحدثنا عنّها. ونحن مدعوون إلى أن نعيش ذلك بالنسبة إلى المسيح وبالنسبة إلى الآخرين، وهذا هو الحبّ الحقيقيّ الذي يقتضي الموت عن الذات من أجلهم، لكي ينموا.

        إنّ الإنسان يعمل دائماً ليكون، ولا يمكنه التخلّي عن هذه الرغبة في الوجود، فهي مكتوبة في عمق أعماقه، إنّ صح التعبير، ولكنّ، في أغلب الأحيان، يسعى للوجود على حساب الآخرين، معتبراّ إيّاهم مجرد وسيلة مفيدة أو ضارّة لتمجيد ذاته. هذا هو الشرّ الأخلاقيّ أو الخطيئة. فالفصل 3 من سفر التكوين، الذي وردت فيه قصّة الخطيئة الأصليّة، لا يحدّثنا عن بداية الخطيئة وتاريخ دخولها في التاريخ، بل يكشف لنا ما يختبئ وراء كلّ خطيئة، يكشف لنا عن أضل الخطيئة. فالخطيئة والشرّ دخلا من باب الحرّيّة الإنسانيّة.

        وهذا يعني أن لا وجود لزمن مثالي في بداية البشريّة، حيث كان الإنسان يعيش في العدالة والصداقة. لا وجود لهذا «العصر الذهبيّ» ورائنا، بل أمامنا. وبما أنّ الفصل 2 من سفر التكوين يصف لنا، بشكل رمزيّ، مشروع الله من أجل الإنسان، فهذا يعني أنَّ النصّ يحدّثنا عن إنسان المستقبل (آخر الزمنة)، الإنسان الذي نحن مدعوون إلى أن نصبح إيّاه. وما هو معطى لنا هو الإمكانيّة بأن نصبح هذا الإنسان الذي يصفه لنا الكتاب المقدّس. وبهذا المعنى نقول: لا وجود لجنّة مفقودة، بل هناك جنّة موعود بها، جنّة الإنسانية الواحدة، دون إلغاء التعدد منها، على صورة الله الواحد والمتعدّد (الثالوث).

        في الكتاب المقدّ، يبدأ تاريخ البشريّة خارج جنّة عدن، وبجريمة قتل: قتل هابيل عن يد أخيه قاين. أوليست الجريمة مستمرّة؟ هكذا يحمّل الكتاب المقدّس الخطيئة مسؤولية جميع الانقسامات التي تمزّق التاريخ البشريّ. فكلّ خطيئة تؤدي إلى القتل: «سمعتم أنّه قيل للأولّين: لا تقتل، فإن من يقتل يستوجب حكم القضاء. أمّا أنا فأقول لكم: من غضب على أخيه استوجب حكم المجلس، ومن قال لأخيه: يا جاهل، استوجب نار جهنّم» (متى 5/21-22).

من أين تأتي الخطيئة؟ من عدم الثقة بحيّ الله لنا. وهذا ما أدّى إلى تشويه تصوّر الإنسان لله. فالمسيح يخلّصنا من الخطيئة من خلال المسيرة التي عاشها، مسيرة الحبّ، مسيرة معاكسة لمسيرة الخطيئة، أثبت من خلالها أنّه حبّ، كليّ الحبّ، لا بل يموت حبّاً في سبيل من يحبّ: «ليس لأحد حب أعظم من أن يبذل نفسه في سبيل أحبّائه» (يو 15/13). فإذا اختبرنا حبّ الله لنا في العمق، تحرّرنا من الخطيئة ولم نعد محتاجين إلى هذه الوسائل المزيّفة لكي نُثبت لذواتنا أنّنا بشر محبوبون. فعندما أثق بحبّ الله لي، أستطيع أن أقول مع القدّيس إغناطيوس دي لويولا «خذ، ي ريَ، واقبل حرّيّتي كلّها وذاكرتي وعقلي وإرادتي كلّها، كلّ ما هو لي وكل ما هو عندي. أنت أعطيتني ذلك، فإليك أعيده يا ربّ. كل شيء لك، فنصرف فيه بكامل مشيئتك. أعطني حبّك ونعمتك، فهذا يكفيني» (رياضات رقم 234).

جديد الموقع
أسئلة وأجوبة
أُصبتُ بحالة فصام منذ أربع سنين واليوم تحسنتُ وزالت الأوهام لكنّ مستواي الدراسي قد تراجع وأصبحت أعاني من الدراسة وأخاف أن أستنفذ سنواتي الجامعية وألا أتخرّج.

مع الأسف العلاج الوحيد هو دوائي ضروري مراجعة الطبيب بهذا الخصوص.

مكتوب بسفر الخروج فاني اجتاز في ارض مصر هذه الليلة و اضرب كل بكر في ارض مصر من الناس و البهائم و اصنع أحكاما بكل الهه المصريين أنا الرب ..وهذا يعني أن الله قاتل وهذا يتناقض مع تعاليم الإنجيل..ونحن بالكنيسة بعد القراءة نقول كلام الرب..يعني الكنيسة تؤمن أن

لا يمكن قراءة أي نص في العالم وبشكل خاص الكتاب المقدس قراءة حرفية فهي تقودنا دائماً إلى طريق مسدود. وبالتالي علينا الذهاب إلى ما رواء الكلمات، إلى الرسالة التي يريد النص إيصالها لنا. بالمقابل، شعب العهد القديم، مثلنا نحن، تصور الله على صورته كمثاله بينما