header logo
وُلِدتُ دُونَ أن أطلُبَ، وسَأمُوتُ دُونَ أن أُريد، فَدَعُوني أَعيشُ حَياتي كَما أَرغَبْ

من هو الله: الفصل الرابع

اللــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــه المتجســـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــد

 

«إنَّ الله ما رآه أحد قطّ...من رآني فقد رأى الآب» (يو1/18 و 14/9) «في البدء كان الكلمة والكلمة طان لدى الله والكلمة هو الله. كان في البدء لدى الله. به كان كل شيء وبدومه ما كان شيء ممّا كان» (يو 1/1-3).

        ما يميّز الإيمان المسيحيّ هو، ولا شكّ، سرّ التجسّد، كما نسميه في الكنيسة، أي الإيمان بالله الذي صار إنساناً. كلّ إيماننا المسيحيّ ينطلق من التجسّد، لأنّنا لا نعرف الله إلاَّ من خلال الابن، أو بالأحرى لا نعرف إلاَّ الله المتجسّد.

 

        نحن نقول ونعرّف أنّ المسيح هو إله وإنسان معاً، فكيف يمكننا أن نقبل ونفهم هذا الأمر؟ وما هي نتائجه على حياتنا الإنسانيّة واليوميّة؟ يوجه عام، لا نحمل إنسانيّة يسوع على محمل الجدّ، بل نعيشها كما لو كانت عبارة عن قناع، أو موضوع مؤقت. ولهذا السبب، نفصل شخصيّة يسوع إلى شخصيّة إلهيّة تُجري العجائب والأعمال الخارقة، وإلى شخصيّة إنسانيّة تتألم وتموت على الصليب، في حين يُظهر لنا الكتاب المقدّس أنَّ التجسّد هو من صميم الله، لا أمر أُضيف إليه بسبب الخطيئة. لهذا السبب نصرّح بأنّه «لو لم تكن هناك من خطيئة، لتجسّد المسيح». ومن جهة أخرى نضيف: «لا وجود لله إلاَّ الله المتجسّد»، إذ إنّه حبّ لا يمكنه إلاَّ أن يتّحد بمن يحبّ.

        إنّ المسيح هو إنسان بكلّ معنى الكلمة، لا بل هو الذي يكشف لنا حقيقة الإنسان. إن أردتم أن تعرفوا من هو الإنسان، فانتسبوا إلى مدرسة المسيح. لقد عاش المسيح المسيرة الإنسانية بكاملها، ما عدا الخطيئة. عاش الطريق الذي من خلاله يتمّ تحقيق إنسانيّة كلّ إنسان، أيّ أنّه عاش وواجه الواقع الإنساني بكلّ واقعيّة وبدون هروب، على عكس ما نتصرف نحن، إن إنّنا، في أغلب الأحيان، نحاول أن ننفي واقعنا، مختبئين وراء مثاليّة لا نفع منها، أو نطلب من الله أنّ يعيّر لنا هذا الواقع المرفوض. والتجارب التي خاضها يسوع في أثناء حياته الأرضيّة تُظهر لنا هذه الناحيّة، حيث كان حرّاً في أن يقول: لا لأبيه السماوي.

        التجسّد له نتائجه، لا على نظرتنا للأمور، بل على نوعيّة لقائنا مع الله. إنّ حياتنا اليوميّة تصبح مختلفة، إن فهمنا وعشنا التجسّد بهذا المفهوم. والتجسّد يُفهمنا أنّ مكان لقائنا الله هو حياتنا الإنسانيّة بكلّ ما فيها.

        إنّ الكتاب المقدّس يقدّم لنا الله بوجهين، إنّ صح التعبير: فهو الإله الذي لا يمكن إدراكه والإله المتعالي (العليّقة المتّقدة)، وهو، في الوقت نفسه، إله التاريخ، أي إله البشر: «أنا الربّ إله آبائكم، إله إبراهيم وإله إسحق وإله يعقوب» (خر 3/15). فالتجسّد ليس حدثاّ تمّ في فترة من التاريخ (مع العلم بانّ هذا صحيح بالنسبة إلى شخص يسوع). إنّه تاريخ الله مع البشر. وعمليّة التجسّد لا تنتهي، لأنّ الله يريد الاتّحاد مع البشر.

        يقول آباء الكنيسة: «صر الله إنساناً ليصير الإنسان إلهاً». أوضح مباشرة فأضيف: لن يصير الله، بل هو مدعو إلى التأله، والفارق هو كبير ومهمّ. فكلّ إنسان هو «إنسان إلهيّ»، أيّ أنه، إلى حدّ ما، إله وإنسان، بمعنى أنّ الله أو روح الله موجود فيه. وهو مدعو إلى تحقيق هذه الوحدة بوجه كليّ، على حدّ فول بولس الرسول في أمر ملكوت الله، «حيث يصبه الله الكلّ في الكلّ». بالطبع، هذه الوحدة لن تتمّ بإلغاء الواحدة على حساب الأخرى (الإنسانيّة والإلهيّة). فالوحدة هو أولاَّ وحدة في التعدّد، والإنسانيّة الحقيقيّة هي ثانياّ (إنسانيّة مؤلّهة) والألوهة الحقيقية هي ألوهة متأنسة. عاش المسيح هذه الوحدة التامّة، وهذا يعني أنّه، حيث أعيش إنسانيّتي، فأنا أعيش ألوهتي، والعكس صحيح. وبمعنى آخر، فإنّ الإنسان الحقيقيّ هو إنسان متأله، والله الحقيقيّ هو إله متأنس.

        عاش المسيح هذه الوحدة، حين أعتبر الإنسان وحدة متماسكة لا فرق فيه بين الجسد والروح. بهذا المعنى قال للمقعد: «يا بنيّ غفرت لك خطاياك». ومن بعدها قال له: «قم فاحم لفراشك واذهب إلى بيتك» (مر 2/5 و 11). فالتجسّد هو الذي يخلّصنا، لأنّ يسوع، من خلاله، يأخذ موتنا ويعطينا حياته: خرج المقعد معافاً سليماً، وحُكم على يسوع بالموت. بهذا المعنى، كلّ حياة يسوع هي تجسّد: ولادة وطفولة وعلاقات ومشاعر وموت وقيامة. والتجسّد هو الله الذي يعيش بابنه حياة الإنسان لكي يعيش الإنسان، في الوقت نفسه، حياة الله. وعبّر يسوع عن ذلك مراراً، حين شبّه ملكوت السماوات بالعرس. بيسوع، «تزوّج الله البشريّة، وإن لم يكن الإنسان أميناً، فالله لا يُطلّق». ولم ينته التجسّد، أولاّ، لأنّ المسيح لم ينفصل عن جسده: «به يوجد إنسان جالس عن يمين الآب». وثانياً لأنّ تاريخ حبّ الله للبشر لم ينته، ما لم يلتحق ويتملّك كلّ البشرية.

        إن فهمنا، قبلنا وحاولنا أن نعيش التجسّد. وكذلك فإنّ نتائجه مهمّة بالنسبة إلينا، في حياتنا العمليّة والروحيّة:

        إذا عاش المسيح الوحدة بين الإنسان والله، وإذا أعتُبر الإنسان وحدة متماسكة لا تتجزأ، فعلينا أن نعي أنّ الإنسان واحد، روح وجسد، فلا وجود لروح خالدة وجسد فانٍ، بل هناك إنسان واحد يولد ويعيش ويموت ويقوم من بين الأموات.

        وإذا سكن المسيح بيننا، بين البشر، إذا توحّدت الألوهة مع الأنسنة، فهذا يعني أنّه علينا إلغاء المثاليّة من إيماننا وإنجيلنا وقبول وجو الله بالإنسان، أيّاً كان هذا الإنسان. وهذا يعني أيضاً عدم تصنيف البشر، وفقدان الأمل من أيّ كان، إن صح التعبير. وعلينا أخيراً أن نفصل بين الإنسان والشرّ الذي يرتكبه، فإنّ الإنسان لا يعادل شرّه. وهذا ما يجعلنا نفهم ما هي المغفرة، وإلاَّ أصبحت عقيمة، وهذا ما حدث في شأن المرأة الزانية، إذ إنّها اكتشفت أنّ الخطيئة ليست جزءا منها، من جسدها، على عكس الفريسيين واليهود الذين كانوا يعتقدون بأنّهم برجمها يقتلون الشرّ معها: «إذهبي ولا تعودي إلى الخطيئة». وهذا يعني أنّ المسح اعتبرها أهلاً، جعلها أهلاً لأنّ تعيش بدون خطيئة.

        الكنيسة ــــ على مثال المسيح ــــ هي إلهيّة وإنسانيّة. هذا يعني أنّ الكنيسة تبقى مؤسسة يديرها بشر بتأثير من الروح القدس، أي باتحاد مع الله، دون أن تلغي هذه الوحدة بُعدها الإنسانيّ. قرارات المسؤولين فيها تبقى قرارات بشر أحرار. وهنا نرى أنّ الوحدة لا تلغي التعدّد. فالألوهة لم ولن تلغي الإنسانيّة. وهذا يعني أيضاً أنّ الإلهي يُعبِّر ويُعبَّر عنه من خلال الإنسانيّ.

        كلّ إنسان هو، كما قلنا، إلهيّ وإنسانيّ معاً، أي أنّ الإنسان هو مقدّس لا يحق لنا أن نمس به. قال المسيح في إنجيل متّى: «قيل لكم: لا تزن، أمّا أنا فأقول لكم: من نظر إلى امرأة واستهاها، فقد زنى بها في قلبه».

        والتجسّد هو الوسيلة الوحيدة لتحقيق إنسانيّة الإنسان، لتحقيق دعوته: «إنموا واكثروا واملأوا الأرض وأخضعوها وتسلّطوا على أسماك البحار وطيور السماء وطلّ حيوان يدبّ على الأرض» (تم 1/28).

        عندما أ‘يش إنسانيّتي، فأنا أعيش ألوهيّتي، أي لا فرق بين الدينيّ والدنيويّ، لا وجود لمجال مخصّص لله ومجال آخر لا علاقة له به. كلّ ما يمسّ الإنسان يمسّ الله والعكس بالعكس. وهذا يعني أن ملكوت الله يبدأ هنا. لا في نهاية الكون فقط، لأنّ المسيح نفسه عاش هذه الوحدة (الملكوت) على الأرض. وبهذا المعنى أيضاً عليَّ أن أكون أميناً لكلّ ما أقوم به: إمتحان، عمل إلخ... لأنّ كلّ ذلك يمسّني وبمسّ الآخر، أي الإنسان.

جديد الموقع
أسئلة وأجوبة
كيفة يسمى sوnمغناطيسي

عذرا لم أفهم السؤال

في انجيل متى مكتوب ان النسوة امسكت قدمي يسوعوإِذا يسوعُ قد جاءَ لِلِقائِهما، فقالَ لهما: «السَّلامُ علَيكُما!» فتَقَدَّمَتا وأَمسَكَتا قَدَمَيه ساجِدَتَينِ له.اما في انجيل يوحنا منعها يسوع من ان تمسكه فقالَ لها يسوع: «لا تُمسِكيني، إِنِّي لم أَصعَدْ
  • هذا يعني أن كل إنجيلي يريد التركيز على نقطة معينة. بالنسبة لمتى إنه هو المصلوب وقد قام. بالنسبة ليوحنا القائم من بين الموات لم يعد خاضع للزمان والمكان فلا يمكن الامساك به