header logo
لَسنا بِحاجَة للاِندِفَاع إذا كَانَ هُناكَ شَيءٌ سَيَحصَل

من هو الله: الفصل الخامس

اللــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــه المتـــــــــــــــــــــــــــــــــــــألم

        «وبدأ يسوع يعلّمهم أن ابن الإنسان يجب عليه أن يعاني آلاماً شديدة، وأن يرذله الشيوخ والأحبار والكتبة، وأن يُقتل وأن يقوم بعد ثلاثة أيام» (مر 8/31-32).

        أوّل سؤال يتبادر إلى أذهاننا هو التالي: هل هذا يعني أنّ يسوع كان في صدد تطبيق برنامج مسبق الصنع؟ هذا السؤال نسمعه مرّا عديدة على أفواه الناس.

        إن قرأنا الإنجيل متمعّن، نلاحظ، ولا شكّ، أنّ جميع المقاطع تشير إلى آلام المسيح وموته وقيامته، بطريقة من الطرق. لهذا السبب، أتوقف الآن عند موضوع آلام المسيح، لنحاول أن نتعمّق فيها ونفهمها فهماّ أفضل.

 

        في بعض الأحيان، قد تُفاجئنا النصوص الكتابيّة: فهناك سلسلة من النصوص، كالنص أعلاه حيث تُظهر لنا التعابير فيها أنّ موت المسيح على الصليب هو أمر ضروريّ «يجب على ابن الإنسان». وفي النسبة نفسها تقريباً، هناك تعابير أخرى معاكسة تكشف لنا أنّ هذا الموت كان موتاً حرّاً، موتاً تمّ اختياره من قبل المسيح: «إنّ الآب يُحبّني لأنّي أبذل نفسي لأنالها ثانية: ما من أحد ينتزعها منّي ولكنّي أبذلها برضاي» (يو 10/17-18). فهل الضرورة والحرّيّة أمرات متناقضان؟

        موت يسوع كضرورة، يشير يسوع إليه على أنّه إرادة الآب: «أفلا أشرب الكأس التي ناولني إيّها أبي؟»، أو على أنّه المعموديّة التي سيقبلها يسوع: وكُتب أيضاً «إنما حدث ذلك كلّه لتتمّ كتب الأنبياء». على يسوع إذاً أن يدخل في دوّامة الشرّ البشري. نرى هذه الضرورة «مُسجّلة» في الله، إن صح التعبير، ويؤكدها الكتاب المقدّس. وهذه الضرورة «مُسجّلة» أيضاً في المحيط الإنسانيّ. كل شيء ضدّ يسوع: الخبث والحسد والخيانة إلخ... فالسماوات والأرض متّفقة على هذا الموت.

        ولكنّ هناك مجموعة أخرى من النصوص تشير إلى أنّ الآلام قد تمّ اختيارها بكلّ حرّيّة من قبل يسوع: «إنّي أبذل نفسي برضاي». وردت هذه الآية في إطار الراعي الصالح الذي يبذل نفسه في سبيل خرافه: إنّه أتى من أجل ذلك. فإليه تعود المبادرة. وبولس الرسول يشدّد على هذه الناحية في رسائله. فهل موت المسيح هو موت ضروريّ أو موت مُختار، اختاره المسيح بحرّيّة؟

        إنّ الكلمة الأساسيّة في هذه النصوص هي، ولا شك، كلمة البذل، أي تسليم الذات. وهذه الكلمة كثيراً ما نجدها في النصوص: جميع الناس سلمون يسوع إلى جميع الناس: يهذا يُسلمه إلى اليهود، وهم يُسلمونه إلى بيلاطس، وهذا يُسلمه إلى الصلب. قمع أنّ هؤلاء الناس يتناقلون يسوع فيما بينهم وكأنّه مجرد شيء ما، فإنّهم يصلون متأخّرين جدّاً، لأنّ يسوع يُفاجئهم في أثناء العشاء الأخير. فقيل أن يخرج يهوذا في الليل ليسلم يسوع، أسلم يسوع نفسه بقوله: «خذوا فكلوا، خذوا فاشروا». لا يمكن أحداّ أن يسليه حياته، لأنّه لا يمكن الاستيلاء على ما سبق وأعطى.

        العشاء الأخير عمل أساسيّ لتفهّم آلام يسوع: إنّه المكان الذي يتخلّى فيه يسوع عن حياته ويجعل منها عطيّة. هكذا نرى ضرورة الموت، وقد تمّ تجاوزها من قبل حرّيّة يسوع. بهذا المعنى يقول بولس الرسول: «لقد ابتلع الظفر الخطيئة».

        إنّ موت يسوع هو موت البار، يكشف لنا من جهة عدم عدالة الصليب، لأنّ البار وُضع في عداد المجرمين. ومن جهة أخرى، يكشف لنا الصليب، أو يعلن لنا شرّنا جميعاً أمام جميع البشر.

        كتب بولس الرسول: «جعل نفسه خطيئة». فعلى الصليب تتمّ السخرية من العدالة وتُكشف خطيئة الإنسان، وقد سبق وقلنا إنّ الله غير عادل، بل هو رحيم. وعن السؤال: لماذا أراد الله الموت لابنه، جواب واحد: لقد أراد الله، في المسيح، أن يلحق بنا في قمّة شفائنا. أفلم يُدعَ عمانوئيل، أي الله معنا؟ لا وجود لموت آخر من شأنه أن يعبّر عن جوهر الله، عن الله الحبّ.

        وثمرت الخطيئة، في نظر الكتاب المقدس، هي الانقسام: الانقسام بين الرجل والمرأة، بين الإنسان وأخيه الإنسان. ثمرة الخطيئة هي محاولة إلغاء التعدّد، وكلّ ذلك يتمّ من خلال العنف. فالصليب هو، في النهاية، محاكمة هذا العنف الإنساني.

        وفي نظر البشر، يُعتبر يسوع كبش فداء. قال عظيم الكهنة: «خير لكم أن يموت رجل واحد عن الشعب»، في حين يبذل يسوع نفسه بحرّيّة، ويموت بلا مبرّر. يدلّ موت يسوع على أنّنا، عندما نقتل، فلنتخلّص من شوعرنا بالذنب أكثر ممّا نرتكز على الأسباب الكافية.

        ليس الله هو الذي ينصب الصلبان، بل الإنسان. فالله يموت على صلباننا بكل حبّ وحرّيّة. والمسيح لم يبحث عن الصليب، بل قبله بكلّ حبّ وحرّيّة ووعي. لا يرسل الله لنا صلباناً، لأنّه حبّ. وعلينا أن نعلم بأنّ الصليب هو صليب الحبّ، لا صليب الآلام، بمعنى أنّ الحبّ يجعلني، على مثال المسيح، أقبل الصليب، ولكنّني لا أبحث عن الصليب. وبهذا المعنى أقول إنّي مدعوّ إلى أن أعيش الصليب بفرح.

        والمسيح لا يخلّصنا بموته فقط، بل خاصّة بالأمانة التي دفعته إلى العيش مع الإنسان، دفعته إلى تحقيق إرادة الآب: لقد عبّر عن حبّه لأبيه حتى الموت، الموت حبّاً: «فمع أنّه في صورة الله، لم يعدّ مساواته لله غنيمة، بل تجرّد من ذاته، متخّذاً صورة العبد، وصار على مثال البشر وظهر في هيئة إنسان فوضع نفسه وأطاع حتى الموت، موت الصليب، لذلك رفعه الله إلى العلى ووهب له الاسم الذي يفوق جميع الأسماء، كيما تجثو لاسم يسوع كل ركبة» في السموات وفي الأرض وتحت الأرض ويشهد كلّ لسان أنّ يسوع المسيح هو الربّ، تمجيداً لله الآب (فل 2/6-11).

        ما هو خلاصيّ في آلام يسوع وموته هو الحبّ، حبّ مفرط، حيث الصليب هو أفضل تعبير عنه: «بلغ به الحبّ إلى أقصى حدوده» (يو 13/1).وبفضل الصليب عرف الإنسان أنّ الله محبّة. لهذا السبب يتكلم بولس الرسول عمّا يسمّيه «لغة الصليب».

        وما هي نتائج ذلك المفهوم على حياتنا؟

        أولاً ندرك أنّ الصليب هو قبل كلّ شيء صليب الحبّ، لا صليب الألم، بمعنى أنّ حبّي للآخرين يجعلني أقبل الصليب ولا أتلقاه كأمر مفروض عليّ من الخارج. فالحبّ يجعلني أقبل أن أتألم من أجل الآخرين، من أجل من أحبّ. ولكن ذلك ينبع من اخلي ومن قناعتي الشخصيّة. وهذا ما يعني أيضاً لأنّ المسيحيّ لا يبحث عن الألم كما يعتقد الكثيرون، بل عن الحبّ، لأنّ الله محبّة ولا يطلب منّا سوى أن نحبّ. وللحبّ متطلباته ولا شك.

        لا يرسل الله لنا صلباناً، فإنّ  حبّ ولا يمكنه أن يمارس معنا سوى أعمال الحبّ. سبق وقلنا إنّ الله عاجز خارجاً عن الحبّ.

        الحبّ الحقيقيّ يدفعني إلى قبول الموت بشتّى أنواعه: أولاً الموت المعنوي، الموت عن الذات. أنا مدعوّ إلى أن أموت ذاتي من أجل من أحبّ. ولا بدّ لي أن أموت عن ذاتي، إن أردت أن يكبر الآخرون. أنموت عن أنانيتي، عمن حبّي المفرط لذاتي من أجل أن أكون أكثر حضوراً للآخر المحتاج إليّ. وبهذا المعنى يقول يوحنا المعمدان في شأن علاقته مع المسيح: «لا بدّ له أن يكبر. ولا بدّ لي أن أصغر» (يو 3/30). إن حاولت أن أعيش الصليب والآلام بهذا المفهوم، فهذا يجعلني أكون حرّاً أمام موتي النهائي، موتي الجسدي، أي أنّني باختصار أكون إنساناً حرّاً بكل معنى الكلمة.

جديد الموقع
أسئلة وأجوبة
كيفة يسمى sوnمغناطيسي

عذرا لم أفهم السؤال

في انجيل متى مكتوب ان النسوة امسكت قدمي يسوعوإِذا يسوعُ قد جاءَ لِلِقائِهما، فقالَ لهما: «السَّلامُ علَيكُما!» فتَقَدَّمَتا وأَمسَكَتا قَدَمَيه ساجِدَتَينِ له.اما في انجيل يوحنا منعها يسوع من ان تمسكه فقالَ لها يسوع: «لا تُمسِكيني، إِنِّي لم أَصعَدْ
  • هذا يعني أن كل إنجيلي يريد التركيز على نقطة معينة. بالنسبة لمتى إنه هو المصلوب وقد قام. بالنسبة ليوحنا القائم من بين الموات لم يعد خاضع للزمان والمكان فلا يمكن الامساك به