header logo
لَسنا بِحاجَة للاِندِفَاع إذا كَانَ هُناكَ شَيءٌ سَيَحصَل

موعظة يوم الأحد 21 تشرين الأول: الأحد التاسع والعشرين للزمن العادي

                     أش 53، 10 – 11               عب 4، 14 – 16         مر 10، 35 – 45

« ودَنا إِلَيه يَعقوبُ ويوحَنَّا ابنا زَبَدى، فقالا له: "يا مُعَلِّم، نُريدُ أَن تَصنَعَ لَنا ما نَسأَلُكَ". فقالَ لَهما: ماذا تُريدانِ أَن أَصنَعَ لكما؟ قالا لهُ: امنَحْنا أَن يَجلِسَ أَحَدُنا عن يَمينِك، والآخَرُ عَن شِمالِكَ في مَجدِكَ. فقالَ لَهما يسوع: إِنَّكُما لا تَعلَمانِ ما تَسألان. أَتَستَطيعانِ أَن تَشرَبا الكأسَ الَّتي سأَشرَبُها، أَو تَقبَلا المَعمودِيَّةَ الَّتي سَأَقبَلُها ؟ فقالا له: "نَستَطيع". فقالَ لَهما يسوع: "إِن الكأَسَ الَّتي أَشرَبُها سَوفَ تَشرَبانِها، والمَعمودِيَّةِ الَّتي أَقبَلُها سَوفَ تَقبَلانِها. أَمَّا الجُلوسُ عن يَميني أَو شِمالي، فلَيسَ لي أَن أَمنَحَه، وإِنَّما هُوَ لِلَّذينَ أُعِدَّ لهم".

          فلمَّا سَمِعَ العَشَرَةُ ذلكَ الكَلامَ اسْتاؤُوا مِن يَعقوبَ ويوحَنَّا فدَعاهم يسوعُ وقالَ لَهم: "تَعلَمونَ أَنَّ الَّذينَ يُعَدُّونَ رُؤَساءَ الأُمَمِ يَسودونَها، وأَنَّ أَكابِرَها يَتَسَلَّطونَ علَيها. فلَيسَ الأَمرُ فيكم كذلِكَ. بل مَن أَرادَ أَن يَكونَ كَبيراً فيكم، فَلْيَكُنْ لَكُم خادِماً. ومَن أَرادَ أَن يكونَ الأَوَّلَ فيكم، فَلْيَكُنْ لأَجمَعِكم عَبْداً. لأَنَّ ابنَ الإِنسانِ لم يَأتِ لِيُخدَم، بل لِيَخدُمَ ويَفدِيَ بِنَفْسِه جَماعةَ النَّاس».

                                                                                             الموعظة

       ثلاثة نقاط تميّز نص الإنجيل: هناك أولاً الحوار بين يعقوب وأخيه ويسوع في الوقت الذي أعلن فيه يسوع عن آلامه للمرّة الثالثة؛ وهناك أيضاً ما يقوله لنا يسوع عن ممارسة السلطة؛ وأخيراً، وجه المسيح كوجه من يخدم حتى بذل الذات.

       طلب يعقوب ويوحنا والحوار الذي دار بينهم وبين يسوع يتم على الطريق

المؤدية إلى القدس، إلى الآلام، في اللحظة التي يشعر فيها التلاميذ بأن الحلّ أصبح قريباً. طلبهم بالجلوس عن يمين وشمال المسيح في مجده يمكن أن يعبّر عن غرور كبير، واعجاب بالذات، أنانية الخ... لكن يبقى هذا الطلب بدون شك غير ملائم: المسيح بعالم وهم بعالم آخر « يسوع يعلن عن آلامه وصلبه وهم يفكرون كيف يمكنهم الجلوس عن يمينه وشماله!!». والتلاميذ العشرة الآخرين لم يتأخروا للتعبير عن استيائهم من هذا الطلب.

ولكن طلب ابني زبدى يعبّر في الوقت نفسه عن تعلقهم القوي بيسوع والرغبة في أن يكون مصيرهم مرتبطاً بمصيره، في المستقبل كما في اللحظة الموجودين فيها. وهذا ما يسمعه يسوع ويفهمه، ولذلك لم يبوخهم ولم ينهرهم، بل استفزهم ليحثهم على القيام بثلاثة انتقالات مهمة:

       أولاً: ليس المطلوب استباق الأحداث «الجلوس عن اليمين والشمال»، إنما العيش في الحاضر، هذا الحاضر الذي يفرض ذاته على يسوع كما على أنه إرادة الله. فأن يشربوا من الكأس التي سيشربها يسوع يعني أن يعيشوا ساعة الله، أن يعيشوا اللحظة التي غالباً ما تكون غامضة، ولكن خارجاً عنها قد يقع الإيمان في الوهم: رفض الصليب والألم والموت الخ.

        ثانياً: ليس المطلوب تخيّل وتصوّر المستقبل الذي هو ملك الله ذاته: المطلوب هو الدخول في سر الله، سر دائماً مستتر جزئياً وغامض إلى حد ما، لكونه يعبر من خلال الصليب الذي لا نزال بعيدين عن سبر عمقه. فالمطلوب في النهاية هو الاهتداء، اهتداء المخيلة الروحية والدينية، لأنه يتطلب موافقة كلية على ما يكشفه الله لنا يوماً بعد يوم من إرادته.

ثالثاً: ليس المطلوب احتكار العلاقة مع المسيح إنما على العكس أن ندع أنفسنا نقترب من المسيح الذي جعل نفسه واحداً منّا «شبيهاً بنا في كل شيء ماعدا الخطيئة». المطلوب هو أن نحبّ المسيح لدرجة لا نسمح فيها لذاتنا بتملكه وهذا هو الحب الصحيح.

كان لا بد من هذا الحوار ليسوع مع يعقوب ويوحنا لنفهم ما يقوله يسوع لاحقاً: « تَعلَمونَ أَنَّ الَّذينَ يُعَدُّونَ رُؤَساءَ الأُمَمِ يَسودونَها، وأَنَّ أَكابِرَها يَتَسَلَّطونَ علَيها. فلَيسَ الأَمرُ فيكم كذلِكَ». كلام يسوع واضح، قاطع وجذري لأنه يمس أساس العلاقات بين البشر: ليست علاقة متسلط وتابع، سلطة وخضوع هي التي تحدّد نظام أمور البشر، حتى ولو بنظر الناس الواقعيين لا يمكن أن نفلت ممّا يبدو لهم أمر لا مفر منه. يبدو لي أن يسوع يدعونا إلى ثلاثة أمور مهمة من خلال هذا النص. إنها تعبّر وتجسد الاهتداء الذي تحدثنا عنه:

أولاً: أن لا نحتقر ولا ننكر وجود الرغبة العميقة بداخلنا في أن « نكون الأكبر، الأهم..»: «من أراد أن يكون الكبير... من أراد أن يكون الأول... فليكن لكم خادماً». يسوع يعترف بوجودها ويعطيها شرعيتها، يعرف إلى أيّ درجة ممكن أن تكون قويّة. وإلى أي حد الوعي للمواهب يتأقلم بشكل سيء مع رفض عيش هذه الرعبة كلية.

ثانياً: يطلب منّا يسوع أن لا نتبع ونقلّد ممارسات وطرق تصرف العالم. هناك قطع، بتر لا بد من القيام به وعيشه. فالعلاقات الإنسانية بالنسبة لمن يريد أن يكون تلميذاً للمسيح لا يمكن أن تُفهم وتُعاش كقدرة يشعر بها الآخرون، ولا بسيطرة علينا تأمينها، ولا بسلطة نفرضها. هناك طريق آخر، طريقة مختلفة لممارسة المسؤوليات. ليس الأبسط ولا الأسهل لكنها تتطلب حرية داخلية تسمح بأخذ البعد اللازم اتجاه النماذج الأكثر قوة لأنها تبدو الوحيدة.

ثالثاً: يقول لنا يسوع بأن الطريق الوحيد لمن يريد أن يتبع يسوع هو طريق الخدمة: «ومَن أَرادَ أَن يكونَ الأَوَّلَ فيكم، فَلْيَكُنْ لأَجمَعِكم عَبْداً». الخدمة هي بدون شك جزء من ممارسة المسؤولية، وهذا ما نراه ضمن العائلة، في الكنيسة، وفي الجمعيات والحياة الاقتصادية. ولكن يبدو لي بأن المسيح يدعونا هنا إلى الأكثر: الموضوع ليس طريقة تصرف، بل طريقة في الوجود.

بهذا المعنى يدعونا يسوع لنتأمله لنفهم الموضوع: «ابن الإنسان لم يأت ليُخدم بل ليخدم ويفدي بنفسه جماعة الناس». علينا التأمل بالمسيح على أنه وجه الخادم لكي يتحول كياننا، ومن يسمح ليعقوب ويوحنا بأن يدعوه «المعلم» يتماهى مع الخادم، وهذا يتضح في كيفية مواجهته للآلام وللموت، والعيش على عكس كل سلطة وكل تسلط حتى الموت على الصليب، صليب موت العبد.

هنا يتوضح مفهوم الأماكن المحجوزة «أمّا الجلوس عن يميني وشمالي ، فليس لي أن أمنحه، وإنما هو للذين أُعدّ لهم». محجوزة لمن؟ هل الموضوع جاهز مسبقاً. الجلوس عن يمين وشمال المسيح يمثل أماكن الشرف المحجوزة لمساعدي القاضي أثناء حكم العالم. فالتعبير «عن اليمين وعن الشمال» لا نراه، كتعبير عن الأماكن ذات القيمة نفسها إلاَّ في روايات الآلام: «صلبوا معه لصين، أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله» (مر 15، 27).

فالأماكن محجوزة لهؤلاء الناس. والصليب هو في الواقع حكم على العالم لأنه على الصليب كُشف شذوذ الإنسان وحبّ الله. وضِع مع اللصوص المحكوم عليهم، وبالتالي هم مساعديه، شهود لخطيئة الإنسان وشاتمي المسيح أيضاً «وكان اللذان صلبا معه هما أيضاً يعيّرانه» (مر 15،32). خطأة حتى النهاية، ومع ذلك فقد أُعيد لهم اعتبارهم إن صح التعبير، لأنهم تقاسموا مصير من أتى ليشاركهم وضعهم. فالبار والغير عادل، واللص اندمجوا في الموت، ثمرة الخطيئة، وها هم أيضاً مندمجين معاً في المجد.

فالخدمة إذن ليست طريقة في التعامل، بل طريقة في الوجود:

الخدمة ليست طريقة في التصرف، إنما أولاً طريقة في الوجود تعطي نظرة معينة: نرى العالم انطلاقاً من الأسفل، وفجأة ليس العالم نفسه الذي يظهر. طريقة في الوجود تُعاش بمقاومة لكل انزلاقات وانحرافات لا تتحسس للخدمة فتصبح سلطة. طريقة في الوجود تكمن التخلي عن الذات والاهتمام بالآخرين، ورفض تأكيد الذات والرغبة في أن نكون قريبين منهم. إنه طريق غامض لأن الخدمة الأكبر تتكيف أكثر مع الظل والحذر، مع ما وراء الكواليس، وحرية التصرف أكثر من أضواء المسارح. طريقة في الوجود تكمن في القبول بأن ينتزعنا المسيح من كل ما يقيّدنا، أن يحررنا المسيح ممّا يسلبنا حريتنا، أن يفكنا ممّا يربطنا. لا بد من الكثير من الحرية الداخلية لكي نخدم بحب، ونبقى في المكان الصحيح. طريقة في الوجود تسمح بأن لا نقيم العقبات أمام قوة الروح القدس؛ التي تسمح، عندما نقبل بأن نعيش ضعف الخادم، بأن نلتقي بالإنسان في حقيقته الكبرى.

 

 

جديد الموقع
أسئلة وأجوبة
كيفة يسمى sوnمغناطيسي

عذرا لم أفهم السؤال

في انجيل متى مكتوب ان النسوة امسكت قدمي يسوعوإِذا يسوعُ قد جاءَ لِلِقائِهما، فقالَ لهما: «السَّلامُ علَيكُما!» فتَقَدَّمَتا وأَمسَكَتا قَدَمَيه ساجِدَتَينِ له.اما في انجيل يوحنا منعها يسوع من ان تمسكه فقالَ لها يسوع: «لا تُمسِكيني، إِنِّي لم أَصعَدْ
  • هذا يعني أن كل إنجيلي يريد التركيز على نقطة معينة. بالنسبة لمتى إنه هو المصلوب وقد قام. بالنسبة ليوحنا القائم من بين الموات لم يعد خاضع للزمان والمكان فلا يمكن الامساك به