header logo
لا يُمكِنُ الثِقَة بِشَخصٍ لا يَثِقُ بِأحد

موعظة يوم الأحد 18 تشرين الثاني 2012: الأحد الثالث والثلاثسن للزمن العادي

                                           دا 12، 1 – 3             عب 10، 11 – 14 . 18         مر 13، 24 – 32

 

« وفي تلكَ الأَيَّامِ بَعدَ هذهِ الشِّدَّة، تُظلِمُ الشَّمسُ والقَمَرُ لا يُرسِلُ ضَوءَه، وتَتَساقَطُ النُّجومُ مِنَ السَّماء، وتَتَزَعزَعُ القُوَّاتُ في السَّموات. وحينَئذٍ يَرى النَّاسُ ابنَ الإِنسانِ آتِيًا في الغَمام في تَمامِ العِزَّةِ والجَلال. وحينَئذٍ يُرسِلُ مَلائكَتَه ويَجمَعُ الَّذينَ اختارَهم مِن جِهاتِ الرِّياحِ الأَربَع، مِن أَقْصى الأَرضِ إِلى أَقْصى السَّماء. مِنَ التِّينَةِ خُذوا العِبرَة: فإِذا لانَت أَغْصانُها ونَبَتَت أَوراقُها، عَلِمتُم أَنَّ الصَّيفَ قَريب. وكذلكَ أَنتُم إِذا رأَيتُم هذهِ الأُمورَ تَحدُث، فَاعلَموا أَنَّ ابنَ الإِنسانِ قَريبٌ على الأَبواب. الحَقَّ أَقولُ لَكم: لن يَزولَ هذا الجيل حتَّى تَحُدثَ هذه الأُمورُ كُلُّها. السَّماءُ والأَرضُ تزولانِ وكَلامي لن يزول. وأَمَّا ذلكَ اليومُ أَو تِلكَ السَّاعة فما مِن أَحَدٍ يَعلَمُها: لا المَلائكةُ في السَّماء، ولا الِابنُ، إِلاَّ الآب.»

 

                                                                       الموعظة

أعتذر إن أخذت هذه الموعظة طابع محاضرة لكنني أعتقد بأن موضوع اليوم مهم وحساس وغالباً ما يُفهم بحرفيته وهذا خطأ فادح.

       في هذا الأحد الما قبل الأخير من السنة الطقسية، يعرض علينا الكنيسة أن نتأمل بنصين من الكتاب المقدس يتحدثون بلغة صورية عن نهاية العالم ونهاية التاريخ، لكن وبشكل خاصّ يتحدثون

عن ظهر الله بشخص آتٍ من السماء.

       هذا النوع من النصوص وضع المختصين في الكتاب المقدس أمام صعوبات عدّة كما غذّوا مخيلة الروائيين أو السينمائيين. هذه الرسالة خلّفت على مدار التاريخ مواقف متعدّدة.

       - الموقف الأول هو الإيمان بفورية هذا الحدث. هذه هي حالة كنيسة تسالونيكي التي توقفت عن العمل لفترة طويلة منتظرة دون القيام بأيّ شي، عودة المسيح. والقديس بولس كان يشجعهم على العودة إلى العمل، لأن وإن كان التاريخ يسير نحو نهايته وأن المسيح سيعود، لكن ما من أحدٍ يعلم تاريخ هذه الأمور.

       - الموقف الثاني يكمن في برمجة تاريخ الحدث سواء انطلاقاً من معطيات الكتاب المقدس ــــــ مستندين على العلامات التي تتحدث عنها نصوص اليوم أو نصوص أُخرى شبيهة بها ـــــــ أو انطلاقاً من معطيات علمية زائفة. وآخر فرضية بهذا الاتجاه هي التي يفترضها فيلم اسمه 2012 الذي عُرض في صالات السينما عام 2009 حيث يقول بأن نهاية العالم ستكون في شهر كانون الأول 2012 (حضروا حالكون يا شباب).

       - الموقف الثالث، يشترك به الكثير من معاصرينا، يكمن في الإيمان بأن نهاية العالم وعودة المسيح سوف يتمّوا، لكن دون أي تأثير على حياتنا المسيحية.

       يبدو لي بأن نصوص اليوم لا يتخيلون نهاية العالم فقط أو مجيء رسول الله، إنما يطلبون موقفاً مقابل هذه الأحداث. لنرى ما تقوله لنا هذه النصوص.

       * سفر النبي دانييل كُتب في إطار من اليأس والاضطهاد الهائلين لشعب العهد القديم في عصر كان السلوقيين يضغطون عليهم لاعتناق الهلينية، وذلك عام 180 قبل المسيح. حتى هذا التاريخ شعب العهد القديم كان يعتقد بأن الموت هو الحد النهائي للوجود الإنساني. كل الكتاب المقدس مُسجلّ في هذا المنظور، بينما مصر وبلاد ما بين النهرين أو اليونان تخيّلوا لفترة طويلة سابقة وجود حياة بعد الموت.

 كيف يمكننا فهم هذه الخصوصية؟ بنظر العهد القديم، التاريخ هو المكان الوحيد للقاء الله بالإنسان ولا يمكننا أن نقول شيئاً عن مرحلة ما قبل التاريخ أو ما بعده. ولكن هذا الموقف أدّى إلى طرق مسدودة لاهوتياً. إذا كانت الحياة وحدها هي التي تعطي المعنى للوجود الإنساني، فكيف يمكننا أن نفهم طول حياة الأشرار وقصرها لدى الأبرار؟ في هذه الحالة تجد العدالة الإلهية نفسها في مأزق.

كاتب سفر دانييل وآخرين معاصرين له مرغمين بالتخلي عن هذا الفكر اللاهوتي ولكي يعطوا العدالة الإلهية حقها اتجاه الإنسان، بدأوا بالتفكير في ما وراء التاريخ، أو ما بعد التاريخ. ولكن كيف يمكن التحدث عن أمور لا نملك عنها أية خبرة سوى من خلال الرموز والصور. هكذا وبتأثير من التيار الرؤيوي المنتشر في زمنه، يتخيل النبي دانييل سيناريو لنهاية العالم ولما يحدث بعد الموت، حوادث تعطي معنى للوجود الإنساني.

ففي زمن من التعاسة، ميخائيل رئيس الملائكة سيقوم وأحد ما بشكل إنسان، غالباً ما يُترجم بابن الإنسان ــــــ  مرسل من الله، سيأتي على سحابة من السماء يحمل الخلاص للمسجلين في كتاب الحياة، أي الأبرار والحكماء. جميعهم سيقومون من الموت، البعض للحياة والبعض الآخر للهلاك. الحكماء والبرار يتألقون كالشمس أو كالنجوم. بنظر دانييل، نهاية الأزمنة يحدد نوع من التتويج للخلق حيث النور يحتل الكون بكامله وينبعث على من كانوا أمينين لله.

* ومن خلال لغة أكثر وضوحاً أو تجريداً، إنجيل مرقس يحتوي على الرسالة ذاتها. هذا النص لا يتكلم عن علامات تعلن نهاية، إنما النهاية ذاتها. هذه النهاية هي قبل كل شيء مميّزة بظهور ابن الإنسان، المسيح، آتياً على غمامة من السماء بمجد وسلطان (الآية 26)، لكن من أجل المختارين حصريّاً (27)، مرفقاً بانقلابات كونية (24 - 25). الأفعال المُصاغة بالمستقبل تعني الطابع الحتمي لهذا الحدث وأن البشر لن يستطيعوا عرقلته أو تغيره بتصرفاتهم وبشكل خاص برمجته (32).

سيكون في الوقت عينه يوم محنة وخلاص. الإنجيلي مرقص لا يدّعي مطلقاً إعطاء تعليمات زمنية مُحدّدة؛ على مثال النبي دانييل، يتخيل سيناريو انطلاقاً من العهد القديم. فما سيحصل في النهاية سيكون على عكس البداية. الخليقة تنقلب في النهاية (الأخيرية = الاسكاتولوجية). بحسب الفصل الأول من سفر التكوين الفوضى موجودة مسبقاً والله يبدأ بإظهار النور من الظلمة في اليوم الأول وفي اليوم الرابع يخلق الشمس، والقمر والنجوم لكي يميّز الأزمنة ويحدّدها (الرزنامة).

مرقس يقدّم لنا النهاية كعودة إلى الفوضى بما أن الشمس والقمر يُظلمون ونقع مجدداً في الظلمة. يستند مرقس على معطية أساسية من العهد القديم التي تقول بأنه عندما يعمل الله في تاريخ البشر، يقوم الكون بردة فعل، برهان على أن مصير البشرية لا يمكن فصله عن العالم المخلوق. وعندما يأتي المسيح إلى هذا العالم، تظهر نجمة في السماء، وموته يترافق بزلزال أرضي وعندما يعود، يخضع العالم للضربة المعاكسة أو للمفاجئة.

ولكن الرسالة المحورية لهذا النص الإنجيلي هي مجيء ابن الإنسان بمجده ترافقه الملائكة. فالمسيح يعود إلينا وينتظرنا في نهاية التاريخ. مرقس لا يهتم إلاَّ بمصير المختارين، واضعاً جانباً الحكم على الأشرار، عللا خلاف متى الإنجيلي.

أمّا مثل التينة فهو يحمل توضيحاً مهماً. فالتينة في فلسطين شجرة متأخرة بمعنى أنها لا تعلن قدوم الصيف إنما اقترابه. هذا يعني أن النهاية لم تتم بعد، إنما تقترب منّا. ومع ذلك لا المسيح ولا الملائكة ولا البشر يعرفون الوقت. فقط الآب يعرفه. ونحن نعيش هذا الانتظار باليقين بأن العالم وتاريخنا يذهبون باتجاه نهاية، دون أن نستطيع التنبؤ بالوقت. علينا مواجهة المجهول والسهر لكي نصد كل احتمال.

هناك أحداث في مجتمعنا القريب كما في حياتنا الشخصية، يمكننا استقبالها على أنها كارثة:

* إعلان إفلاس شركة تجارية كبيرة في منطقة صغيرة حيث أنها الوحيدة التي تؤمن حياة 40000 ألف عائلة.

* العدد الهائل لمرضى السيدا في منطقة كأفريقيا والذي يعلن انقراض منطقة بكاملها وآلاف الأيتام.

* الانخفاض الكبير في عدد المؤمنين المسيحيين في العالم.

* الموت المفاجئ لإنسان كان سيؤمن مستقبلنا المهني.

* الفشل في مسابقة تم التحضير لها مطولاً.

* الموت المفاجئ لأحد الأقارب.

عندما تظلم شموس حياتنا، يقول لنا يسوع «لا تخافوا». لا تخافوا من الظلمة. لا تخافوا من الصمت. فإتمام الحياة بنظر يسوع لا يعني «النجاح» إنما «إتمام إرادة الله» في حالات لا نختارها في الكثير من الأحيان. عندما تخيّم الظلمة في حياتنا، ينطفئ نور فيها، ويعمّ الصمت وقد يطول. وفي لحظة نجهلها يظهر نور آخر لا نعرفه أو نسيناه. لا نعلم متى سيأتي ابن الإنسان إلينا وفينا، وفي وسطنا. يسوع نفسه لا يعلم يقول لنا الإنجيل، فقط الآب يعرف الساعة. فلنتهيأ لاستقبال ابن الإنسان في حياتنا عندما يأتي ونشارك في تجمع من يعرفونه. الكلمة تقول لنا، وبتوجهها للجميع في آنٍ معاً، تكوننا كجماعة إيمان مجتمعة حول المسيح الحي في الإفخارستيا. 

جديد الموقع
أسئلة وأجوبة
كيفة يسمى sوnمغناطيسي

عذرا لم أفهم السؤال

في انجيل متى مكتوب ان النسوة امسكت قدمي يسوعوإِذا يسوعُ قد جاءَ لِلِقائِهما، فقالَ لهما: «السَّلامُ علَيكُما!» فتَقَدَّمَتا وأَمسَكَتا قَدَمَيه ساجِدَتَينِ له.اما في انجيل يوحنا منعها يسوع من ان تمسكه فقالَ لها يسوع: «لا تُمسِكيني، إِنِّي لم أَصعَدْ
  • هذا يعني أن كل إنجيلي يريد التركيز على نقطة معينة. بالنسبة لمتى إنه هو المصلوب وقد قام. بالنسبة ليوحنا القائم من بين الموات لم يعد خاضع للزمان والمكان فلا يمكن الامساك به