header logo
لَسنا بِحاجَة للاِندِفَاع إذا كَانَ هُناكَ شَيءٌ سَيَحصَل

موعظة يوم الأحد 15 كانون الأول: الأحد الثالث من زمن التهيئة للميلاد

                                               أش 35، 1، 10            يع 5، 7- 10              متى 11، 2- 11

 

« وسَمِعَ يُوحَنَّا وهو في السِّجنِ بِأَعمالِ المسيح، فأَرسَلَ تَلاميذَه يَسأَلُه بِلِسانِهم: «أَأَنتَ الآتي، أَم آخَرَ نَنتَظِر؟» فأَجابَهم يسوع: «اِذهبوا فَأَخبِروا يُوحنَّا بِما تَسمَعونَ وتَرَون: العُميانُ يُبصِرون والعُرْجُ يَمشونَ مَشْيًا سَوِيًّا، البُرصُ يَبرَأُون والصُّمُّ يَسمَعون، المَوتى يَقومون والفُقراءُ يُبَشَّرون، وطوبى لِمَن لا أَكونُ لَه حَجَرَ عَثْرَة». فلَمَّا انصرَفوا، أَخذَ يسوعُ يقولُ لِلجُموعِ في شَأنِ يُوحنَّا: «ماذا خَرَجتُم إِلى البَرِّيَّةِ تَنظُرون؟ أَقَصَبةً تَهُزُّها الرِّيح؟ بل ماذا خَرَجتُم تَرَون؟ أَرَجُلاً يَلبَسُ الثِّيابَ النَّاعِمَة؟ ها إِنَّ الَّذينَ يلبَسونَ الثِّيابَ النَّاعِمَةَ هُم في قُصورِ المُلوك. بل ماذا خَرَجتُم تَرَون؟ أَنَبِيًّا؟ أَقولُ لَكم: نَعَم، بل أَفضَلُ مِن نَبِيّ.فهذا الَّذي كُتِبَ في شَأنِه: «هاءَنَذا أُرسِلُ رَسولي قُدَّامَكَ لِيُعِدَّ الطَّريقَ أَمامَكَ». الحَقَّ أَقولُ لَكم: لم يَظهَرْ في أَولادِ النِّساءِ أَكبَرُ مِن يُوحَنَّا المَعمَدان، ولكنَّ الأَصغَرَ في مَلَكوتِ السَّمَواتِ أَكبرُ مِنه.»

                                                                                            الموعظة

أريد أن أبداً بقصة صغيرة مأخوذة من رواية كندية في بداية القرن العشرين. الرواية تبدأ في مزرعة على جزيرة الملك إدوار، على شاطئ المحيط الأطلسي. منطقة جافة. يدير هذه المزرعة أخ وأخته كبيرين في السن، وقد قرروا أن يتبنوا صبياً ليساعدهم في أعمال الحقل. ولكن حزنهم كان كبيراً عندما

أرسل لهم دار الأيتام فتاة. هذه الفتاة حمراء الشعر وتملك مخيلة هائلة، كل ما يلزم لتوحي لهم بالحذر.

هذه الفتاة اليتيمة، الغريبة الأطوار تُدعى آن. بالكاد وصلت إلى المزرعة تقول لأصحاب المزرعة: كان السفر جميلاً جداً للوصول إلى هنا، وقد مررت بالقرب من بحيرة «كي سانىتي»، فردت الأخت الكبيرة في السن قائلة: هذه ليست بحيرة «كي سانتي»، إنها مجرد ثقب مياه يستحم فيه خنازير جيراننا. بحيرة «كي سانتي». ثقب مياه صغير للخنازير: إنها طريقتين في النظر إلى العالم.

لماذا رويت لكم هذه القصة؟ لأنني أريد أن أربطها بالأمر الذي أعطاه يسوع لتلميذي يوحنا المعمدان: « اِذهبوا فَأَخبِروا يُوحنَّا بِما تَسمَعونَ وتَرَون». في الحقيقة، اليتيمة الصغيرة لم تفعل شيئاً سوى أنها نقلت للشيخين ما رأته وسمعته. ما رأته خارجياً وما سمعته داخلياً، في داخلها. ولكن هم لم يسمعوا الأشياء بهذه الطريقة.

ما أريد أن أبحثه معكم هو: كيف يمكن لما ننقله للآخرين، ما رأيناه وسمعناه، وخاصة لمن يصعب عليهم الإيمان، أن يساهم في رسالتنا كمسيحيين؟ « اِذهبوا فَأَخبِروا يُوحنَّا بِما تَسمَعونَ وتَرَون»: يبدو لي أن الرسالة التي يأتمنها يسوع لتلاميذ يوحنا المعمدان، هي إحدى أوائل رسالاتنا كمسيحيين.

 

يوحنا المعمدان بدأ يشك وهو في السجن بالهوية الحقيقية ليسوع. وهذا أمر مفهوم. في الواقع يبدو أن الأمور تجري بشكل سيء: هيرودس سجن يوحنا المعمدان؛ تبشير يسوع وتصرفه يربكون لأن كل ذلك لا  يتناسب مع النظرة الرائعة للنبي أشعيا كما سمعناها في القراءة الأولى. أين نجد انتصار العدل، ونهاية كل العداوات؟ هل أخطأ يوحنا عندما أعلن عدم استحقاقه ليعمّد يسوع؟ (متى 3، 14).

فإذا كانت اللترجيا تجعلنا نعيد قراءة رواية إرسال يوحنا تلاميذه ليتأكدوا من هوية يسوع في الوقت الذي نقترب فيه من الاحتفال بولادته، فلأننا نحن أيضاً في موقف شبيه بموقف المعمدان. نُدعى للاحتفال بذكرى حدث أساسي، قديم من أكثر من ألفي سنة، ولا شيء، ظاهرياً تغيّر. فالذئب لا يسكن مع الحمل، والسلام ليس ليوم غد، والعرج لا يزالون يعرجون والعميان لا يبصرون.

       « اذهبوا فأخبروا يوحنا بما تسمعون وترون» يقول يسوع لتلاميذ يوحنا الذين أتوا يسألونه « أأنت الآتي أم آخر ننتظر؟». السؤال الأساسي: كيف يمكن لما ننقله للآخرين، بما نسمع ونرى، وخاصة لمن يصعب عليهم الإيمان، أن يساهم في رسالتنا كمسيحيين؟ رسالتنا ليست أولاً نقل ما نعرفه من خلال الكتب والدراسة، ولا بالقيام بالتعليم المسيحي بطريقة منهجية.

       رسالتنا الأولى هي أن ننقل للذين لا يؤمنون ما نرى ونسمع في الحياة الواقعية، الحياة اليومية، الحياة البسيطة من يوم إلى يوم. قد تتساءلون ما الفائدة من نقل الأمور البسيطة والسطحية للآخرين، لمعاصرينا؟ أليس علينا أن نرتقي بالنفوس وأن نعلم ونربي؟ لا شك أن هذه الأمور ليست بسيئة. إنها مهام مسيحية بامتياز. ولكن أعتقد بأن رسالتنا الأولى هي أن ننقل للناس ما يجري أمام أعيننا في الحياة اليومية، بشرط أن ننقله بعيون الإيمان.

       غالباً نتأرجح بين متطرفين: من جهة تجربة  «الطيران» خارجاً عن الواقع والدخول في ما هو افتراضي، أو سراب، أو وهم عالم خارج عالمنا الأرضي بعيداً عن الألم وليس له حدود، نوع من جنة مصطنعة، كليّة من صنع الإنسان. ومن جهة أخرى تجربة المسحوقين من قبل الواقع ولا نرى سوى الألم لدرجة السحر، والانجذاب من قبل الموت وفقدان كل رجاء.. نوع من جهنم وجودي.

       ولكن هناك طريق آخر غير الجنة المصطنعة أو الجهنم الوجودي: هناك بكل بساطة العالم الواقعي، المخلوق من قبل الله وإليه سيعود. هنا والآن، هذا العالم هو المكان الذي فيه يمكننا أن نلتقي بالله. ولكن للقائه علينا أن ننمي نظرة خاصة يصعب علينا غالباً اتخاذها؛ وهي المخيّلة. ولكن ليست أية مخيّلة: ليس الهذيان المثالي ولا الجنة المصطنعة ولا المبالغة المرضية للجهنم الوجودي، إنما المخيلة التي استعملها يسوع في الإنجيل.

       « العميان يبصرون والعرج يمشون مشيا سويا، البرص يبرأون والصم يسمعون، الموتى يقومون والفقراء يبشرون». ما يطلب يسوع نقله ليوحنا هي أمور واقعية: لقد قام بمعجزات ملموسة وشفى المرضى والعميان وأقام الموتى. ولكن علينا أن نذهب إلى أبعد، أن نعبر إلى المعنى المجازي: يسوع لم يشفي كل المرضى ولم يقم كل موتى عصره. هذا يعني أنه يدعونا للدخول في رؤية النبي أشعيا الذي يستشهد به وسمعناه في القراءة الأولى.

        يدعونا يسوع لتكون لدينا أعين أشعيا، أعين مخيلة كبيرة: «لتفرح البرية والقفر ولتبتهج البادية وتزهر كالنرجس، لتزهر ازهاراً وتبتهج ابتهاجا مع هتاف. يقفز الأعرج كالأيل ويهتف لسان الأبكم فقد انفجرت المياه في البرية والأنهار في البادية».

       رؤية مذهلة كرؤية أشعيا... فهل هي ثمرة مخيلة منفعلة بشدة؟ أم ثمرة إيمان حقيقي بعودة المخلص؟ شخصياً أعتقد بأن هذه الرؤية نابعة من عيون الإيمان. عيون الإيمان التي تسمح لنا بالنظر إلى هذا العالم كما هو بجماله وبشاعته، أن نرى هذا العالم بعيون الله. نظر واقعي ولكن أيضاً نظرة حنان وخاصة نظرة مليئة بالرجاء. قد يبدو ذلك مستحيل، وغير واقعي!!

كلنا نعلم بأن القس «مارتن لوثر كينغ» كان يقول بأن لديه حلم. حلم ثمرة مخيلته، حلم بعالم خالٍ من التمييز العنصري الذي كان يشل جنوب أمريكا. مخيلته كانت تتغذى كليّة من رؤية أشعيا النبوية: عالم تتصالح فيه المتناقضات، عالم يرى فيه كل جسد مجد الربّ. من الممكن أنه لم يتم القضاء نهائياً على التمييز العنصري، ولكن مخيلة مارتن لوثر الواقعية أنتجت ثماراً لا يمكن تخيلها لمن عاش وتربى على هذا التمييز. فإذا نطرنا إلى هذا العالم بنظر الله، إذا كان لدينا الإيمان، يمكننا أن نرى البادية مزهرة والعمي يبصرون والصم يسمعون والعرج يقفزون فرحاً.

رؤيا أشعيا، مخيلة يسوع تعني من جهة اختبار عمل الله في العالم: ليس فقط المعجزات، بل عمل الله في الأشخاص الذين يعيشون خبرات عمية تحول حياتهم وتعبر بها بطريقة ما من الظلمة إلى النور ومن الموت إلى الحياة «بولس على طريق دمشق...».

فإذا أردنا التأمل في الرب الآتي علينا أن ننظر إلى العالم الذي خلقه بمخيلة، بمخيلته هو، مخيلة فرحة وخلاّقة، مُحتّرِمة وواقعية. في النهاية بعيون طفل في يوم الميلاد: فالله أعطانا هذا العالم الجميل هدية مجانية. ولكن لن تكون هذه الهدية رائعة إلاَّ إذا نظرنا إليها بعيون الإيمان.

 

جديد الموقع
أسئلة وأجوبة
كيفة يسمى sوnمغناطيسي

عذرا لم أفهم السؤال

في انجيل متى مكتوب ان النسوة امسكت قدمي يسوعوإِذا يسوعُ قد جاءَ لِلِقائِهما، فقالَ لهما: «السَّلامُ علَيكُما!» فتَقَدَّمَتا وأَمسَكَتا قَدَمَيه ساجِدَتَينِ له.اما في انجيل يوحنا منعها يسوع من ان تمسكه فقالَ لها يسوع: «لا تُمسِكيني، إِنِّي لم أَصعَدْ
  • هذا يعني أن كل إنجيلي يريد التركيز على نقطة معينة. بالنسبة لمتى إنه هو المصلوب وقد قام. بالنسبة ليوحنا القائم من بين الموات لم يعد خاضع للزمان والمكان فلا يمكن الامساك به