header logo
لا يُمكِنُ الثِقَة بِشَخصٍ لا يَثِقُ بِأحد

موعظة يوم الأحد 20 نسيان: أحد

 

                                                                   متى 28، 1 - 9

 

الحياة مُعطاة لنا وهذا العطاء يشكل وجودنا، ويفتح أمامنا مساحة للحرية، حرية محدودة لا شك لكنها حقيقية، واقعية. كما أنه مُعطى لنا زمن يمكننا فيه أن نفعّل إمكانياتنا وعطاءاتنا، فنستعملها على قدر استطاعتنا، مستفيدين من الفرص التي تقدمها لنا الحياة، وتسمح لنا بتحقيق نوع من الوجود يميزنا ويشكل شخصيتنا الفريدة.

       تبقى نقطة مهمة وهي أن حياتنا فانية ككل ما يحيط بنا. حتى الكون يحتوي في أعماقه بذرة نهايته. فهل هذه الحياة المُعطاة لنا هي حياة من أجل الموت؟ شيء ما في أعماقنا يُقاوم هذه النظرة. هكذا نتأرجح بين الأمل والوضوح، فلا نعلم إذا كان علينا الرضوخ لما لا مفر منه أو «نرجو على غير رجاء» كما يقول بولس الرسول.

       هذا الأمر يجعلنا نربط هذه الحياة المُهددة برجاء ما، ولكن لا يمكننا

أن نجده إلاَّ خارجاً عنّا، بما أن للموت في داخلنا الكلمة الأخيرة، أقلّه على صعيد خبراتنا الواقعية. والكتاب المقدس يذكرنا بهذه الحياة المهددة: «باطِلُ الأَباطيل، يَقولُ الجامِعة كُلُّ شيَءً باطِل» (جا 4، 18)، وسفر الحكمة يقول الأمر عينه لكنه يفتح على رجاء السعادة في الله.

       الكتاب المقدس منذ بدايته، من خلال دعوة إبراهيم ووعد الله له بولادة اسحق، يقول لنا بأن الله هو من جهة الحياة. والنبي حزقيال يتحدث عن إحياء العظام الجافة وإخراج الله للناس من قبورهم (حز 37، 11-14).

       تدريجياً سيُظهر يسوع ذاته بأنه هو إتمام هذا الوعد. فيبدأ بإعلان اقتراب ملكوت الله، «توبوا فقد اقترب ملكوت السماوات» (متى 4، 17). يُعلنه كواقع آني يمس حياة جميع البشر، وعلينا أن نلتزم بقيمه: «فَاطلُبوا أَوَّلاً مَلَكوتَه وبِرَّه» (متى 6، 33). فالحياة اليومية وتحدياتها تصبح معركة من أجل الملكوت وبره. ولكن بعيداً إذن عن أن نتخلى عن أعمالنا اليومية، تجد هكذا حياتنا معناها في بناء الملكوت. فحياتنا ليس لها من وطن سوى فرح الآب.

       فليس الموت هو عدو الحياة، بل رفض الإيمان، الذي يستطيع أن يقودنا إلى ما يسميه الكتاب المقدس بالموت الثاني. ولكي يُبين معنى هذه الحياة التي يعطيها، يصفها يسوع بالأبدية: «وأَمَّا الَّذي يَشرَبُ مِنَ الماءِ الَّذي أُعطيهِ أَنا يصيرُ فيه عَينَ ماءٍ يَتفَجَّرُ حَياةً أَبَديَّة» (يو 4، 14).

هذه الحياة الموعودة هي لقاء، وحدة مع الله. «الحَياةُ الأَبدِيَّة هي أَن يَعرِفوكَ أَنت الإِلهَ الحَقَّ وحدَكَ» (يو 17، 3). فإذا كان الإيمان يبين جيداً استمرارية حياتنا في المسيح في هذا العالم والعالم الآخر، فهو لا يقول لنا كيف تتجاوز هذه الحياة بتر الموت. فتدخل كلمة القيامة لتحدد لنا طريقة تحقيق وعود المسيح. لكن لا بدّ من شهادة القائم من بين الأموات نفسه لكي تأخذ كلمة القيامة كامل معناها.     

ولكن إتمام هذه الدعوة يصطدم بواقع مؤلم ألا وهو الموت. في الماضي ما هو جوهري كان يكمن في تهيئة ذاتنا لهذا الموت بالإيمان. والحياة تعلمنا أننا لسنا لا أسياد ذاتنا ولا العالم. في أي لحظة ممكن أن يحدث شيء ما يهدم آمالنا ومخططاتنا ومشاريعنا. ممّا يطرح علينا الكثير من التساؤلات.

فنختبر ما نسميه بالتخلي الذي يمتحن بقوة تعلقنا بالحياة، ونجد أنفسنا في الكثير الأحيان في موقع التبعية. فما الذي يبقى لنا في هذا الامتحان؟ الإنجيل يضعنا أمام موقف المسيح في نشيد فيليبي (فيل 2، 6-8)، حيث بتخليه عن ذاته، كان المسيح حراً ليقدم ذاته كعمل شكر للآب. بتسليمه كل شيء، لم يعد يملك شيئاً. فيحقق بشكل كامل تطويبة الفقراء الذين يمتلكون الملكوت.

وامتحان عجزنا وهشاشة وجودنا يأتي ليحقق فينا ما لم تستطع إرادتنا القيام به. فلا يبقى لنا سوى فقرنا فيمكننا أن نضعه بين يدي الآب فنتذوق منذ الآن الملكوت الموعود لمن أصبحوا فقراء بالروح. فيمكننا إذن أن نجعل من هذا الامتحان الذي نخاف منه ولم نختاره، زمن التسليم للروح الذي يعرف أن يجعل منه مطهراً حقيقياً تحضير نهائي للقاء المسيح القائم من بين الأموات.

ما من أحد شهد قيامة المسيح، فقط مجرد قبر فارغ. لكن شهادة التلاميذ وبشكل خاص وجود جماعة مبنية على الإيمان بهذه القيامة كان لها منذ ألفي سنة أثر عميق في تاريخ البشرية. فماذا تقول لنا الأناجيل؟

فلا شك أن أفضل مقدمة للقيامة هي حوار يسوع مع نيقوديمس بخصوص الولادة الجديدة من الروح، ويشير إلى أن القيامة هي عودة إلى الآب: « اذَهبي إِلى إِخوَتي، فقولي لَهم إِنِّي صاعِدٌ إِلى أَبي وأَبيكُم، وإِلهي وإِلهِكُم» (يو 20، 17).

ويسوع، لم يترك تلاميذه دون أن يعطيهم موعداً في الرسالة التي أودعهم إياها: أعلنوا الإنجيل لكل الأمم، ولجميع الخلائق. هنا سيجدونه مجدداً، وسيكون معهم حتى نهاية الأزمنة (متى 28، 19-20). فبشرى القيامة التي أُعطيت للبعض تخص جميع الخلائق. وبولس يشير إلى ذلك: «فالخَليقةُ لم تَقطَعِ الرَّجاء، لأَنَّها هي أَيضاً ستُحَرَّرُ مِن عُبودِيَّةِ الفَسادِ لِتُشاركَ أَبناءَ اللهِ في حُرِّيَّتِهم ومَجْدِهم» (رو 8، 19-21).

       فعلى ضوء قيامة المسيح يمكننا أن نفكر ونفهم قيامتنا. لكي يشرح قيامتنا، يستعمل بولس صورة البذرة التي تقع في الأرض وتموت قبل أن تعطي ثمارها، قبل أن تولد من جديد. فما تزرعه أنت لا يعود إلى الحياة مجدداً إن لم يمت.

وفي حياتنا هناك خبرات من الموت والقيامة يمكنها أن تساعدنا على تصور المستقبل الذي يضعه الله أمامنا. هناك رجالاً ونساءً، أزواج عاشوا هذه الخبرة، بعد مغفرة مستحيلة، وحزن يصعب قبوله، ومرض قادهم إلى أبواب الموت. هكذا أمام دعوة القيامة «فليكونوا حيث أكون أنا»، لدينا خبرات تسمح لنا أن نلمس بشكل أفضل، كمشاركة مسبقة، إلى أي ولادة جديدة يدعونا رجاؤنا. فخبراتنا الشخصية، وخبرة القديسين تقدم لنا علامات حسية لقدرة الروح الآتي ليجلّي حياتنا.

يبقى السؤال: كيف؟ بقبولنا أن نفقد حياتنا وأن نستقبل من أيدي المسيح ولادتنا الجديدة: «وأَمَّا الَّذي يَفقِدُ حَياتَه في سَبيلي فإِنَّه يُخَلِّصُها» (لو 9، 24). كل أشكال التخلي التي تحدثنا عنها، تجد هنا معناها. إنها تصبح المراحل التي تحضر ولادتنا الجديدة في المسيح بتخلينا عن الإنسان القديم وشهواته وطمعه ليولد الإنسان الجديد: « فَقَد خَلَعتُمُ الإِنسانَ القَديم ولَبِستُمُ الإِنسانَ الجَديد» (كول 3، 9 -10). باستقبالنا لهذا التطهير، نهيئ فينا منذ الآن إنسان القيامة. بوضعنا لروحنا بين يدي الآب، نترك لحرية الروح أن تخلق فينا من جديد الإنسان بحسب المسيح.

بولس الرسول يدعو أهل كولسي: « فأَمَّا وقد قُمتُم مع المسيح، فاسعَوا إلى الأُمورِ الَّتي في العُلى حَيثُ المسيحُ قد جَلَسَ عن يَمينِ الله» (3، 1 -4). ماذا تعني بالنسبة لنا الأمور التي في العُلى؟

أن نحيا حياتنا الإنسانية كأعضاء في جسد المسيح، فنترك كلمة الله تهدينا، ونتغذى من الافخارستيا التي تخلقها من جديد الجماعة المسيحية. فنعترف بالكنيسة على أنها شعب الله، جسد المسيح، هيكل الروح، سر الملكوت. فالكنيسة ليست فقط إعلان للملكوت، إنما أيضاً البداية من خلال الاهتداء الذي تجعلنا نعيشه.

مثلاً نحن نقدس يوم الأحد كذكرى لقيامة يسوع، فهل نفكر بأن نحتفل بها كإعلان لقيامتنا ونشكر عليها؟ فالتحضير لقيامتنا يعني السعي للعيش من حياة جسد المسيح. فالجسد الإنساني ليسوع جسّد حب الله لنا في حياتنا. وجسدنا له الدعوة نفسها. فعلينا أن ننمي فينا ما يعبّر عن حب وصداقة وشغف الله. فالجسدي هو روحاني كما يقول المفكر الفرنسي « Péguy»، ومستقبلنا، ليس إحياء الجثة، إنما شخصيتنا وقد خُلقت من جديد في الحب.

فلنبحث عن الأمور التي في العُلى كما يقول بولس الرسول، هذا يعني أن نعيش منذ اليوم متجذرين في الإيمان بقيامة يسوع وأن نستقبل ثمارها. آنذاك يمكن لنظرنا أن يتوجه نحو المستقبل المدعوين إليه ويجد مستقبلنا ذاته متجدداً. فلن نتخلى عن مهامنا ومسؤولياتنا اليومية، لكنها ستأخذ منذ الآن بعداً أبدياً.

 

 

جديد الموقع
أسئلة وأجوبة
كيفة يسمى sوnمغناطيسي

عذرا لم أفهم السؤال

في انجيل متى مكتوب ان النسوة امسكت قدمي يسوعوإِذا يسوعُ قد جاءَ لِلِقائِهما، فقالَ لهما: «السَّلامُ علَيكُما!» فتَقَدَّمَتا وأَمسَكَتا قَدَمَيه ساجِدَتَينِ له.اما في انجيل يوحنا منعها يسوع من ان تمسكه فقالَ لها يسوع: «لا تُمسِكيني، إِنِّي لم أَصعَدْ
  • هذا يعني أن كل إنجيلي يريد التركيز على نقطة معينة. بالنسبة لمتى إنه هو المصلوب وقد قام. بالنسبة ليوحنا القائم من بين الموات لم يعد خاضع للزمان والمكان فلا يمكن الامساك به