header logo
الحَقيقةَ مُسَتقِلّة عَن الأعمال

قداس وعظة الأحد 26 آذار 2017: قداس الأحد الرابع من زمن الصوم

1 صم 16، 1 – 13              أف 5، 8 – 14            يو 9، 1 – 42

«في ذلك الزّمان: بَينَما يَسوعُ سائِر، رأَى رَجُلاً أَعْمى مُنذُ مَولِدِه. فسأَلَه تَلاميذُه: «رابِّي، مَن خطئ، أَهذا أَم والِداه، حَتَّى وُلِدَ أعْمى؟ فأَجابَ يسوع: «لا هذا خَطِئَ ولا والِداه، ولكِن كانَ ذلك لِتَظهَرَ فيه أَعمالُ الله». يَجِبُ علَينا، مادامَ النَّهار، أَن نَعمَلَ أَعمالَ الَّذي أَرسَلَني. فاللَّيلُ آتٍ، و لا يَستَطيعُ أَحَدٌ أَن يَعمَل فيه. ما دُمتُ في العالَم. فأَنا نورُ العالَم. قالَ هذا وتَفَلَ في الأَرض، فجَبَلَ مِن تُفالِه طينًا، وطَلى بِه عَينَي الأَعْمى، ثمَّ قالَ له: «اِذهَبْ فَاغتَسِلْ في بِركَةِ سِلوامَ»، أَي الرَّسول. فذَهَبَ فاغتَسَلَ فَعادَ بَصيرًا. فقالَ الجيرانُ والَّذينَ كانوا يَرونَه مِن قَبلُ لأَنَّه كانَ شحَّاذًا: «أَما هو ذاكَ الَّذي كانَ يَقعُدُ فيَستَعْطي؟» ومنهم من قال: «إِنَّه هو». ومنهم من قال «لا، بل يُشبِهُه». أَمَّا هوَ فكانَ يقول: «أَنا هو». فقالوا له: «فكَيفَ انفَتَحَت عَيناكَ؟» فأَجابَ: «إِنَّ الرَّجُلَ الَّذي يُقالُ لَه يسوع جَبَلَ طينًا فطَلى بِه عَينَيَّ وقالَ لي: «اِذهَبْ إِلى سِلوامَ فَاغتَسِل. فذَهَبتُ فَاغتَسَلَتُ فَأَبصَرتُ».
فقالوا له: «أَينَ هو؟» قال: «لا أَعلَم» فَذَهبوا إِلى الفِرِّيسيِّبنَ بِذاكَ الَّذي كانَ مِن قَبْلُ أَعْمى. وكانَ اليَومُ الَّذي فيه جَبَلَ يسوعُ طينًا وفَتحَ عيَنَيِ الأَعمى يَومَ سَبْت. فسأَلَهُ الفِرِّيسيُّونَ أَيضًا كَيفَ أَبصَر. فقالَ لَهم: «جَعَلَ طينًا على عَينَيَّ ثُمَّ اغتَسَلتُ وها إِنِّي أُبصِر». فقالَ بَعضُ الفِرِّيسيِّين: «لَيسَ هذا الرَّجُلُ مِنَ الله، لأَنَّه لا يَحفَظُ شَريعةَ السَّبْت». وقالَ آخَرون: «كَيفَ يَستَطيعُ خاطِئٌ أَنَ يَأتيَ بِمثِلِ هذهِ الآيات؟» فوَقَعَ الخِلافُ بَينَهم. فقالوا: أَيضًا لِلأَعمى: «وأَنتَ ماذا تَقولُ فيه وقَد فَتَحَ عَينَيكَ؟» قال: «إِنَّهُ نَبِيّ». على أَنَّ اليَهودَ لم يُصَدِّقوا أَنَّه كانَ أَعْمى فأَبصَر، حتَّى استَدْعَوا والِدَيه. فسأَلوهما: «أَهذا ابنُكما الَّذي تَقولانِ إِنَّه وُلِدَ أَعمى؟ فكَيفَ أَصبَحَ يُبصِرُ الآن؟» فأَجابَ والِداه: «نَحنُ نَعلَمُ أَنَّ هذا ابنُنا، وأَنَّه وُلِدَ أَعْمى. أَمَّا كَيفَ أَصبَحَ يُبصِرُ الآن، فلا نَدْري، ومَن فَتَحَ عَينَيه فنَحنُ لا نَعلم. اسألوه، إِنَّه مُكتَمِلُ السِّنّ، سَيَتكلَّمُ هو بِنَفسِه عن أَمرِه». وإِنَّما قالَ والِداهُ هذا لِخَوفِهِما مِنَ اليَهود، لأَنَّ اليَهودَ كانوا قدِ اتَّفَقوا على أَن يُفصَلَ مِنَ المِجمَعِ مَن يَعتَرِفُ بِأَنَّه المسيح. فلِذَلكَ قالَ والِداه: إِنَّه مُكتَمِلُ السِّنّ، فاسأَلوه. فَدَعَوا ثانِيَةً الرَّجُلَ الَّذي كانَ أَعمى وقالوا له: «مَجِّدِ الله، نَحنُ نَعلَمُ أَنَّ هذا الرَّجُلَ خاطِئ». فأَجاب: «هل هو خاطِئٌ لا أَعلَم، وإِنَّما أَعلَمُ أَنِّي كُنتُ أَعْمى وها إِنِّي أُبصِرُ الآن». فقالوا له: «ماذا صَنَعَ لكَ؟ وكَيفَ فتَحَ عَينَكَ؟» أَجابَهم: «لقد قُلتُه لَكم فلَم تُصغُوا، فلِماذا تُريدونَ أَن تَسمَعوه ثانِيَةً؟ أَتُراكم تَرغَبونَ في أَن تَصيروا أَنتُم أَيضًا تَلاميذَه؟» فشَتَموه وقالوا: «أَنتَ تِلميذُه، أَمَّا نَحنُ فَإِنَّنا تَلاميذُ مُوسى. نحَنُ نَعلَمُ أَنَّ اللهَ كَلَّمَ مُوسى، أَمَّا هذا فلا نَعلَمُ مِن أَينَ هو». أجابَهُمُ الرَّجُل: «فعَجيبٌ أَن لا تَعلَموا مِن أَينَ هو وقَد فتَحَ عَينَيَّ. نَحنُ نَعلَمُ أَنَّ اللهَ لا يَستَجيبُ لِلخاطِئين، بل يَستَجيبُ لِمَنِ اتَّقاهُ وعَمِلَ بِمَشيئتِه. ولَم يُسمَعْ يَومًا أَنَّ أَحدًا مِنَ النَّاسِ فتَحَ عَينَي مَن وُلِدَ أَعْمى. فلَو لم يَكُن هذا الرَّجُلُ مِنَ الله، لَما استَطاعَ أَن يَصنَعَ شَيئًا». أَجابوه: «أَتُعَلِّمُنا أَنتَ وقد وُلِدتَ كُلُّكَ في الخَطايا؟» ثُمَّ طَردوه. فسَمِعَ يسوع أَنَّهم طَردوه. فلَقِيَه وقالَ له: «أَتُؤمِنُ بِابنِ الإِنسان؟» أَجاب: «ومَن هو. يا ربّ، فأُومِنَ به؟» قالَ له يسوع: «قد رَأَيتَه، هو الَّذي يكَلِّمُكَ». فقال: «آمنتُ، يا ربّ» وسجَدَ له. فقالَ يسوع: «إِنِّي جِئتُ هذا العاَلمَ لإِصدارِ حُكْمٍ: أَن يُبصِر الَّذينَ لا يُبصِرون ويَعْمى الَّذينَ يُبصِرون». فسَمِعَه بَعضُ الفِرِّيسيِّينَ الَّذينَ كانوا معَه فقالوا له: «أَفنَحنُ أَيضًا عُمْيان؟» قالَ لَهم يسوع: «لو كُنتُم عُمْيانًا لَما كانَ علَيكُم خَطيئة. ولكِنَّكُم تَقولونَ الآن: إنَّنا نُبصِر فخَطيئَتُكُم ثابِتَة».»

الموعظة

في هذه الرواية، يضعنا الإنجيلي يوحنا أمام مأسأة. الشخصيات الأساسية مُعرّف عنها: يسوع والأعمى منذ مولده. فالرواية هي رواية لقاء سوف يحوّل حياة هذا الأعمى. المعضلة خطيرة لأن هذا الإنسان محكوم عليه اجتماعياً: إنه خاطئ! وهذا ما يؤكده سؤال التلاميذ ليسوع:« رابِّي، مَن خَطِىءَ، أَهذا أَم والِداه، حَتَّى وُلِدَ أعْمى؟».

 هذا يعني أنه، لا يمكن أن يحدث أيّ تغير في حياة مولود أعمى: الحكم عليه مؤبد. في المرحلة الأولى، عندما بدأ الأعمى يُبصر، البعض من الناس رفضوا قبول هذا الواقع. إمّا يشكّون:« أَلَيسَ هو ذاكَ الَّذي كانَ يَقعُدُ فيَستَعْطي؟»، وإمّا يرفضون الفكرة بكل بساطة:«إنه يشبهه». قلّة هم الذين عرفوه:«إنه هو!».

 

 فكرة شفاء أعمى منذ مولده تتجاوز العقل بالنسبة لليهود لدرجة أنهم يسألون أهله:« أَهذا ابنُكما الَّذي تَقولانِ إِنَّه وُلِدَ أَعمى؟». وحتى بعد جواب الأهل بقي هذا الأعمى محكوم عليه بنظر اليهود « وُلِدتَ كُلُّكَ في الخَطايا».

 ففي تلك الفترة كان المرض يعتبر على أنه حكم على الإنسان بسبب خطيئته. إنه الكشف عنها. ولكن الرواية لا تحدد لنا أية خطيئة يفترضها اليهود في هذه الحالة: بدون شك هي جزء ممّا لا يقال ويعرقل أو يسمم العلاقات طالما لم يُكشف عنها.

       إنهاعملية كبيرة لرفع الذنب عن المجتمع؟ فالأعمى استطاع بشكل جيد، وبدون وعي منه، أن يمنع ذاته من الرؤية، متبنياً في رأيه، الحكم الصادر.

 لسبب نجهله بالطبع، حكم عليه المجتمع لأنه بحاجة إلى مذنب؛ بالطبع لا يحق له أن يفهم، أن يرى إن صح التعبير، الحقيقة الخفية لمأساته؛ فما كان بوسعه سوى أن ينفذ تاركاً المجال لنزوات الموت فيه تعبّر عن ذاتها على صعيد النظر بالتحديد.

يسوع لا يشترك بالإعدام النفسي التعسفي. فهو أول من حمل نظرة جديدة على المولود أعمى. على سؤال التلاميذ حول المسؤول عن الخطيئة يجيب وبدون أي تردد وبطريقة جازمة :« لا هذا خَطِئَ ولا والِداه».

 يمكننا القول بطريقة ما، أنه في هذه اللحظة خلص هذا الرجل. لقد خلّصه يسوع من الانغلاق الذي كان فيه من قبل الآخرين. ولكن الإنجيلي يوحنا يُدخلنا في واقع إنساني أكثر عمقاً: يدعو يسوع الأعمى بأن يقوم بخطوة، أن يحرّر ذاته من الحكم بذهابه إلى بركة سلوام:«إهب فاغتسل في بركة سلوام».

 وضع على عينيه طيناً: ألا يمثل الطين الخطيئة التي يتهمونه فيها؟ كل شيء يتم كما لو أن يسوع يريد أن يُفهمه بأن التحرر يعود إليه، أي للأعمى ذاته؛ وبالتالي عليه أن لا يأخذ على عاتقه حكم المجتمع عليه؛ لقد ولد مع هذا الحكم، ويتماهى معه.

 لقد حكم على ذاته بذاته، وبقدر ما يفرض على ذاته الحكم يعجز عن الشفاء. فأمر التحرر منه يعود إليه الآن. لذلك يذهب الأعمى إلى البركة ويغسل عينيه ويبدأ بالنظر للمرّة الأولى. هذه المرّة يرى بعينيه وليس من خلال نظر المجتمع.

 هنا أيضاً ليس يسوع من يصنع الحدث: إنه يعطي الإمكانية للإنسان بأن يأخذ مبادرة تحرير ذاته، مما يجعله أكثر حرية. في هذه الرواية الأعمى هو الذي حرر ذاته فعلياً؛ وكان بإمكانه أن يرفض.

رواية المولود أعمى هي رواية ولادة إنسان. في البداية الأعمى لا يتكلم: أمر طبيعي! فالمجتمع فرض عليه أن يلعب دوراً ليس بدوره، فكيف يمكنه أن يقول «أنا»؟ هذا الإنسان ليس له هوية، سوى الهوية التي فرضها عليه الآخرون.

 والبرهان على ذلك:«إنه شحاذ». يمكننا أن نضيف أيضاً بأن ليس له جسداً، أو على الأقل، لا يمكنه أن يسكن جسداّ ليس بجسده. فقط على مبادرة يسوع وبذهابه إلى البركة، يقوم لأول مرة بعمل حرّ ويصبح له جسده الخاص.

 بطريقة ما، كلمته الأولى هي حركته باتجاه البركة: هنا يعبّر عن رغبته في الحياة. لاحقاً عندما عاد إليه النظر، وبسبب ضغط أسئلة الناس، بدأ يتكلم فعلياً. ماذا يريد أن يقول؟ «أنا هو!». بمعنى آخر أنا موجود! ويقولها بشيء من الانتشاء.

 لقد حصل على هوية شخصية لدرجة أن الناس لم يعرفوه، حتى «الذين كانوا يرونه سابقاً»: في الحقيقة تغيّر وجهه. مع هويته التي وجدها، «يمكننا القول وجدها مجدداً كما نقول عن الأعمى أنه استعاد النظر»، والتي تعبر بأصله الجديد، الحرية، عبر الأعمى إلى الكلام، إلى كلمة شخصية. فيستفيد من هذه الفرصة ويبدأ بالسخرية من الفريسيين:« أَتُراكم تَرغَبونَ في أَن تَصيروا أَنتُم أَيضاً تلاميذَه؟».

       فالحدث الذي تم في هذه الرواية هو الحصول على الحرية، حرية اتجاه الحكم الاجتماعي الذي كان قد أغلقه في دور ليس دوره وفي خطيئة لم يرتكبها. ولكن ما هو دور يسوع في هذا الموضوع؟ إنه في أصل الحدث. فكلمته هي التي سمحت للأعمى بأن يحرر ذاته.

 كلمة تعيد له حريته. كلمة هي مسبقاً حرية، فهي لا تحكم؛ بل تجعل ممكناً بناء مستقبل. إنها تصالح الإنسان مع ذاته. يبقى عليه أن يستند على رغبته في أن يحيا هكذا مُحرراً ليكون في حركة ويأخذ الكلمة بدوره في المجتمع الذي كان قد حرمه منها.

 وهذا ما سيقوم به. إنه يجيب بثقة كبيرة ورباطة جأش على الفريسيين الذين يطرحون عليه السؤال عينه مراراً مما يعبّر عن ضياعهم الكامل أمام الحدث: « أَجابَهم: "لقد قُلتُه لَكم فلَم تُصغُوا، فلِماذا تُريدونَ أَن تَسمَعوه ثانِيَةً ؟». كلمة يسوع فتحت للأعمى مساحة ليولد لذاته مجدداً. ويسوع يؤكد له وجود الجديد بالتوجه إليه شخصياً لأول مرّة عندما التقى به ثانية ويقول له «أنت».

اعتراف يسوع بالأعمى كشخص اعتباري حر بمستقبله يعيد له النظر والكلام معاً، جسد وهوية مع حق المبادرة والتفكير الشخصي وأن يجد مكاناَ في المجتمع.

تحوله، كتحول أي إنسان، يتم بشكل تدرجي. فهو يجد أولاً النظر ثم الكلام وأخيراً المبادرة في الردّ على الأسئلة مع التساؤل حول ما عاشه.

 في المرحلة الأولى يجيب بحذر على السؤال حول كيفية عودة النظر إليه:«لا أعلم» لكي يتجرأ لا حقاً ويعلن بأن الإنسان الذي التقى به هو نبي وينتهي بتلقين الفريسيين، درساً لاهوتياً «نَحنُ نَعلَمُ أَنَّ اللهَ لا يَستَجيبُ لِلخاطِئين، بل يَستَجيبُ لِمَنِ اتَّقاهُ وعَمِلَ بِمَشيئتِه. ولَم يُسمَعْ يَوماً أَنَّ أَحداً مِنَ النَّاسِ فتَحَ عَينَي مَن وُلِدَ أَعْمى. فلَو لم يَكُن هذا الرَّجُلُ مِنَ الله، لَما استَطاعَ أَن يَصنَعَ شَيئاً».

جرأة الإنسان الذي عاد إليه النظر في تصاعد، لكن مقابل هذه الجرأة وبينما يحاول الفريسيين أن يبقوه في موقفه السابق، يريد هذا الرجل أن يعلم ما الذي حدث. الآن هو من يتساءل ويقوم بإعادة قراءة الحدث بطرحه السؤال الأساسي:« من هذا الذي شفاه؟».

 فهو الآن من يلتفت إلى يسوع ويسأله:« ومَن هو. يا ربّ، فأُومِنَ به؟». يريد الآن أن يفهم. فانطلاقاً ممّا عاشه واختبره وبسؤاله حول المعنى يطرح سؤال هوية الآخر هوية الذي التقى به وبكلمته أعاد إليه النظر.

إذا كان حدث رواية المولود أعمى هو قرار إنسان بأن يعيش رغبته في الحياة بتحرره من حكم الآخرين، فالحدث ضمن الحدث هو لقاء الله مع هذا الإنسان من خلال يسوع الناصري. وهذا اللقاء هو أساساً عمل إيمان.

 فالمولود أعمى يثق بكلمة يسوع الموجهة له: يذهب إلى بركة سلوام التي تعني المرسل دون أن يطلب أي توضيح أو يطرح أي سؤال. والسؤال لماذا يثق بهذا الرجل؟ لأن كلمة يسوع التي لا تحكم، تعطيه مساحة تسمح لرغبته في الحياة أن تعبّر عن ذاتها، فهي غير منفية.

 إنه يعترف للمرة الأولى برغبته الشخصية من خلال رغبة الآخر.آنذاك وآنذاك فقط هذا الآخر الذي يتحدث إليه يكشف عن ذاته أنه الله بأخذه مكان المخلص. وبطرحه السؤال الجوهري على يسوع « ومَن هو. يا ربّ، فأُومِنَ به؟» يعلن الأعمى إيمانه. في هذه اللحظة يمكن ليسوع أن يعلن له هويته « قد رَأَيتَه، هو الَّذي يكَلِّمُكَ ».

عندما يجد المولود أعمى هويته يصبح قادراً على أن يجد هوية من سمح له بمعرفتها:الحدث ضمن الحدث.إنه يؤمن لأنه رأى:«آمنت يا رب». معرفته هي إذن من مجال الخبرة المعاشة، خبرة لقاء حرره فعلياً. فاللقاء مع يسوع هو لقاء مع إنسان يكشف الله عن ذاته من خلاله، الله الذي يسمح للإنسان بأن يحقق ذاته إنسان في تاريخ الخلق وفي آنية حياته الخاصة.

يستفيد يوحنا هذه المرة ليتحدث عن «نور العالم»، موضوع غالي عليه جداً مشيراً بذلك إلى يسوع. من خلال هذا الموضوع يريد أن يتحدث عن واقع الكلمة، كلمة يسوع الناصري.

بهذا المعنى يدعو يسوع الإنسان للخروج من «الليل» الذي فيه، وأن يحيا في وضح النهار مع ذاته كالآخرين. يريد يوحنا أن يشرح لنا أنه فقط من خلال خطوة الحقيقة هذه يستطيع الإنسان أن يبني تاريخه بقوله «أنا» على مثال الذي كان أعمى منذ مولده، وبإمكانه أن يفهم شيئاً من كلمة يسوع وأن يختبر اللقاء مع الله.

 فالبحث عن الحقيقة، عن حقيقته التي هي بحث عن المعنى هو بحد ذاته لقاء مع الله، أقلّه مع الله الذي يتحدث عنه يسوع. فما الذي يميز الفريسيين عن المولود أعمى؟ ما يلفت الانتباه لدى الفريسيين هو عدوانيتهم وتصلبهم.

 إنهم مسمّرين في المعرفة لدرجة أنهم ينكرون البديهي: الأعمى وجد في النهاية البصر! إنهم ينكرون الواقع ولكن من أجل أية فائدة؟ كل شيء يتم كما لو أن الخطاب، هنا حول السبت، يشكل هويتهم: بدونه لا وجود لهم. وكل ما يمكن أن يعرّض منطق هذا الخطاب، للخطر، يعتبر أمر لا يطاق ولا يحتمل لأنه يهددهم جسدياً.

 لهذا السبب علاقتهم مع الواقع مختلفة تماماً عن علاقة المولود أعمى. فالفريسيون لا يرغبون في الحياة، إنهم يخافون الرغبة وكل ما يكشفهم لنفسهم. إنهم يفضلون التمسك بنص لا يحتوي على أية مفاجأة بما أنه يقول مسبقاً ما يجب القيام به وما يجب أن لا يقام.

إنهم يريدون بشكل خاص أن لا شيء يتحرك من مكانه؛ بطريقة ما هم أنفسهم لا جسد لهم، سوى جسد الخطاب الذي حفظوه عن ظهر قلب؛ إنهم في موقف الميت. أمّا المولود أعمى فهو على العكس. إنه في انتظار الحياة، هذه الرغبة التي لا تطلب سوى التعبير عن ذاتها بمجرد أن تجد الفرصة التي تسمح لها بذلك.

معنى سر العماد موجود في وسط وجود الإنسان – ولادته – الموصوفة من قبل يوحنا في هذه الرواية. فالسر لا يأتي إضافة، إنه يشترك في العملية ويجعلها ممكنة ويُظهر ما هو جوهري في الموضوع؛ إنه اللغة.

 فالعماد هولقاء الله مع رجل أو امرأة يطلب أن يحيا في حقيقة وجوده ليحقق ذاته رجل أو امرأة. فالله هو الذي يفتح الإنسان على واقعه ككائن يطلب الحب، على حريته ككائن بحسب الرغبة والذي في الوقت عينه يعني حبّه.

 إنه العبور من الموت – الموقف الفريسي – إلى الحياة وهو موقف المولود أعمى. إنها ولادة على البعد الإنساني كما هي مُعلنة من قبل الأنبياء وكما هي مكشوفة في كلام وأعمال المسيح.

جديد الموقع
أسئلة وأجوبة
كيفة يسمى sوnمغناطيسي

عذرا لم أفهم السؤال

في انجيل متى مكتوب ان النسوة امسكت قدمي يسوعوإِذا يسوعُ قد جاءَ لِلِقائِهما، فقالَ لهما: «السَّلامُ علَيكُما!» فتَقَدَّمَتا وأَمسَكَتا قَدَمَيه ساجِدَتَينِ له.اما في انجيل يوحنا منعها يسوع من ان تمسكه فقالَ لها يسوع: «لا تُمسِكيني، إِنِّي لم أَصعَدْ
  • هذا يعني أن كل إنجيلي يريد التركيز على نقطة معينة. بالنسبة لمتى إنه هو المصلوب وقد قام. بالنسبة ليوحنا القائم من بين الموات لم يعد خاضع للزمان والمكان فلا يمكن الامساك به