header logo
الغِيرة تُوَلِّد الطُموحَات، أمّا الحَسَد فَيقتُلَها.

كورونا فايروس، نعمة أم نقمة؟

أعتقد أن كثير من الناس يعتبرون هذا العنوان غريب، إن لم نقل جنوني. كيف وهل يمكن اعتبار وباء كهذا الوباء نعمة؟ والبعض الآخر قد يقول الجواب واضح إنه نقمة وعقاب من الله. في الحالتين هناك مشكلة.

إن قلنا نعمة، فهذا يعني، ولو بطريقة لا واعية، أن الله يجربنا ليقوي إيماننا بما أننا نقول إن الله يجرب محبيه، مع أن رسالة يعقوب تنفي كلية هذا الأمر: «إذا جرب أحد فلا يقل إن الله يجربني. إن الله لا يجربه الشر ولا يجرب أحداً».

وإن قلنا نقمة، فالمشكلة أسوأ، لأنه بنفس أسلوب التفكير سنقول هذا عقاب من الله، بينما هو بريء كلية من هذا الأمر. في إنجيل يوحنا يقول: «إن الله أحب العالم حتى أنه جاد بابنه الوحيد لا يدين العالم، بل ليُخلًص به العالم والدينونة هي أن النور أتى إلى العالم ففضل الناس الظلام على النور... من يسمع كلامي ولا يعمل به فأنا لا أدينه، له ما يدينه الكلام الذي قلته له».

حديثي مؤلف من قسمين: القسم الأول يخص الناحية العلمية: ماذا يقول لنا العلم والواقع، والقسم الثاني ماذا يقول لنا الكتاب المقدس؟ وهذا يسمح لنا بلمس التلاقي بينهما. لأنه، برأيي، العلم والدين لا يتناقضان، بل ينور الواحد الآخر إن صح التعبير: العلم يساعد على فهم الدين بطريقة واقعية ملموسة، بطريقة حياتية، خارجاً عن التجريد، والدين يحمي العلم من الوقوع في فخ المطلق والديكتاتورية.

منذ بداية الكون والإنسان في صراع مع الطبيعة في محاولة لتطويعها والسيطرة عليها لتكون في خدمته وتعطيه كل ما يلزم لكي يستمر في الحياة. ولكننا نعلم، بالمقابل أنه، لكي تلبي الطبيعة الإنسان، عليه أن يعتني بها، وخاصة أن يحترم قوانينها وهنا تكمن المشكلة!

مثلاً عندما قرر الإنسان أن يطير، بغض النظر عن وسيلة الطيران، كان عليه أن يأخذ بعين الاعتبار قانون الجاذبية ويحترمه وإلاَ لما استطاع تحقيق هذا الحلم. والأمثلة عديدة. لكن طموح الإنسان لا حدود له وهذا سيف ذو حدين.

فهو، من جهة، لا يقبل الحدود بشتى أشكالها وبالتالي لا يقبل النقص في حياته: مثلاً يريد أن يأكل من صنف معين من الخضار أو الفاكهة متى يشاء، خارجاً عن موسمها كما نقول، فأنشأ البيوت البلاستيكية. وبالرغم من أن الدراسات تقول بأن هذه البيوت قد تولد السرطان، فهو لا يأبه بذلك وعندما يصاب يتساءل لماذا؟

ومن جهة أُخرى، من المعروف أنه من الضروري إراحة الأرض لمدة سنة كل فترة وأُخرى، والكتاب المقدس، مع أنه ليس بكتاب علمي، يقول تفلح أرضك ست سنوات والسنة السابعة تكون سنة سبتية، أي سنة راحة للأرض وإلاَّ فأنت إيها الإنسان لن تترك للأرض إمكانية تلبيتك كما تشاء بما أنك استهلكت كل مواردها. والوقع يثبت لنا اليوم هذا الأمر. ومع ذلك يستغرب الإنسان عدم تلبية الأرض له كما يشاء.

وهذا ما حدث أيضاّ عندما تم خرق طبقة الأوزون وكلنا نعلم نتائج هذا الاختراق: التغيير المناخي الذي نشهده اليوم، تلوث، مصادر مياه الشرب مهددة، فقدان التنوع البيولوجي، وارتفاع درجة حرارة الأرض وذوبان سريع للثلج والجليد في القطب الجنوبي. وبحسب المختصين إذا لم يتم العمل بجدية للحد من هذا الارتفاع الحراري للأرض، إذا استمر ارتفاع درجة حرارة الأرض بهذه الطريقة فقريبا ستُمحى أغلبية المدن الساحلية في العالم لأن مياه البحار والمحيطات سترتفع بين 5 – 10 أمتار. والمختصين سبق لهم أن أطلقوا ناقوس الخطر. لكن هل من مستجيب؟

في عام 1992 تم توقيع اتفاقية عالمية سميت بقمة الأرض في ريو دي جانيرو، البرازيل وفي عام 1997 خمس سنوات بعد قمة الأرض، تم توقيع معاهدة كيوتو، في اليابان، التي تعتبر كمعاهدة تنفيذية لقمة الأرض، للتخفيض من نسبة الغازات الدفينة في الغلاف الجوي والمفترض أن تدخل حيز التنفيذ عام 2005.

في شهر تشرين الثاني «2005» 182 دولة من أصل 192 وافقوا وصادقوا على المعاهدة. في العام 2009 الولايات المتحدة الأمريكية وقعت لكن لم تصادق. وكما نعلم عام 2017 انسحب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من اتفاقية المناخ التي انعقدت في باريس.

كل ذلك، يبين لنا أنه عندما لا يحترم الإنسان الطبيعة وقوانينها، فمن الطبيعي أن تنقلب عليه إن صح التعبير. فهذه هي مسؤولية الإنسان اتجاه الطبيعة. والسؤال؟ هل ما يحدث اليوم مع الكورونا فايروس سيجعل العالم يعترف بعنجهيته ويقبل حدوده ويستوعب بأنه ليس سيد الكون، بالرغم من أنه مدعو لذلك لكن ليس من خلال كسر قوانين الطبيعة؟

عام 2014 اجتاح وباء أيبولا أفريقيا الغربية. وأمام المعاهد الوطنية للصحة ألقى الرئيس باراك أوباما خطابا شدد فيه على ضرورة أن يكون العالم جاهز على صعيد البنى التحتية لمواجهة وباء ممكن. ومارس ضغطاً كبيراً على مجلس الشيوخ للموافقة على ميزانية جديدة تخصص لهذا الأمر.

يقول باراك أوباما: «من المرجح أن يأتي الوقت الذي ستحدث فيه الأمراض المعدية والقاتلة للغاية. ولمكافحتها بشكل فعال، نحتاج إلى إنشاء بنية تحتية، ليس فقط هنا في الولايات المتحدة الأمريكية، ولكن عالميًا، مما يسمح لنا بعزلها وفهمها والاستجابة لها بسرعة... إذا ظهر شكل جديد من الأنفلونزا، مثل الأنفلونزا الإسبانية، في غضون خمس سنوات أو عقد من الزمان، فسيتعين علينا القيام بالاستثمارات اللازمة في المنبع حتى نتمكن من القضاء عليه». وهذا ما يحدث اليوم!

فيديو هذا الخطاب له ضجة كبيرة اليوم في أمريكا ويأخذ بعداً سياسياً كبيراً بسبب اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية. واليوم نسمع بأن التلوث بدأ يخف في العالم بسبب توقف كل مصادره عن العمل. في الهند، مثلاً، لأول مرة يستطيع الناس أن يروا جبال همالايا التي لم يكن باستطاعتهم رؤيتها بسبب التلوث!

إذا كان هذا ما يقوله لنا العلم، فماذا يقول لنا الكتاب المقدس؟  بداية يقول بأن الله خلق الكون والإنسان وسلمه إياه: «اِنْموا واَكْثُروا وأمْلأُوا الأَرضَ وأَخضِعوها وَتَسَلَّطوا على أَسْماكِ البَحرِ وطُيورِ السَّماءِ وَكُلِّ حَيَوانٍ يَدِبُّ على الأَرض».

أول أمر يلفت الانتباه هو أن السيطرة مُعطاة للإنسان على كل شيء، ماعدا السيطرة على أخيه الإنسان. وكلنا نعلم أن ما من سيطرة، أيا كان نوعها، يمكن أن تتم بدون توتر، بدون صراع وبدون خسائر حتى! وغالباً تكون الخسائر كبيرة.

بالمقابل في إنجيل يوحنا الفصل 9 أمام طفل مولود أعمى، يسأل التلاميذ يسوع: «رابِّي، مَن خطئ، أَهذا أَم والِداه، حَتَّى وُلِدَ أعْمى؟». ويجيب يسوع: «لا هذا خَطِئَ ولا والِداه، ولكِن كانَ ذلك لِتَظهَرَ فيه أَعمالُ الله».

بالطبع هناك من يقول بأن هذه الآية تعني أن الله خلقه أعمى لكي يشفيه. عذراً هذا الكلام معاكس لمفهوم كل من الإنجيل ويسوع المسيح نفسه. هذه الآية تعني أن الله يعمل دائماً كما يقول في إنجيل يوحنا: «إِنَّ أَبي ما يَزالُ يَعمَل، وأَنا أَعملُ أَيضاً». والكتاب المقدس يقول أيضاً بأن الله يصنع من الشر خيراً، ومن الخطيئة والموت حياة.

فعمل الله يظهر بشكل عام في كل مكان وزمان، لكن يمكننا القول إنه يظهر بشكل خاص في مثل هذه الحالات، في ظلماتنا وقبورنا أمراضنا وأزماتنا، لكن علينا نحن، بالإيمان أن نكتشف عمله هو من يقول إنه أتى ليخلص المرضى، أي كل الذين يعانون من الحياة، بسبب العديد من الصعوبات المختلفة والمتنوعة التي تمنعهم من تحقيق إنسانيتهم وتحقيق ذاتهم على صورة الله كمثاله.

أليس هذا هو معنى الميلاد: أتى لينير ظلماتنا؟ كما يقول النبي أشعيا: «الشعب الساكن في الظلمة أبصر نوراً عظيماً والمقيمون في بقعة الظلام أشرق عليهم النور».

أليس هذا هو معنى القيامة حيث انتصر الله، كما يقول لنا بولس الرسول، على آخر عدو ألا وهو الموت. انتصر على الموت لكنه لم يلغيه. انتصر على الشر، لكن الشر مستمر، انتصر على الخطيئة لكنها لا تزال تعمل بقوة فينا.

لأن هذا الانتصار يتم بالتعاون بين الإنسان والله. وعندما نقول الله فنحن نقول الحب. فعندما يعمل الإنسان بحب لا يمكن أن يستغل أحداً أو يسيطر على الآخر، وينمو على حساب أحد. كما يقول القديس اغسطينس: «أحبب وأفعل ما تشاء».

هذا الواقع، يكشف لنا إلى أي حد لا نزال بعيدين عن تحقيق إنسانيتنا. طالما تسعى فئة من الناس للسيطرة على فئة أُخرى، فعبثاّ يتعب البناؤون! لأنه لا يمكن الفصل، كما يقول البابا فرنسيس بين التقدم التكنولوجي والتقدم الاجتماعي. ومشكلة البشرية اليوم هي في الفصل القائم بين الاثنين.

طالما أن الإنسان يعطي للبعد التكنولوجي ــــ الاقتصادي الأولوية وعلى حساب الاجتماعي لا يمكن أن يتحقق عالماً إنسانياً لأنه بقدر ما نكون إنسانيين، نجعل الكون وعالمنا أكثر إنسانية.

كورونا فايروس، نعمة أم نقمة؟ بحد ذاته لا نعمة ولا نقمة. إنه مصيبة، كارثة. لكن نحن من نحوله إلى نعمة. نحن من نجعل منه قيامة حقيقية بوعينا وإدراكنا لمسؤوليتنا في تراجع الطبيعة والكون وبالتالي الحياة الإنسانية. نجعل منه نعمة تساعدنا على الخروج من أنانيتنا حيث فقدنا أجمل مل في الحياة الإنسانية والذي اعتدنا أن نسميه: الخير العام.

نحوله إلى نعمة تساعدنا لنولد من جديد ونبني علاقتنا مع العالم والكون على أسس سليمة. اليوم، بسبب الحجر الصحي اكتشف الناس أن الحياة لا طعم لها خارجاً عن العلاقة مع الآخر، على حد القول الشعبي: «جنة بلا ناس ما بتنداس».

الوباء نعمة تساعدنا على بناء علاقات أكثر حقيقية، أكثر إنسانية، حيث الآخر مهم بحد ذاته، خارجاً عمّا يحمله لي، وأن الآخر هو من يعطي المعنى لوجودي. وبقدر ما أجعله يوجد أكون فرحاً وإنساناً حقيقياً.

نعمة تساعدنا لندرك بأنه لا يمكننا أن ننمو، أن نفرح، وأن نحزن لوحدنا. الكورونا فايروس كشف لنا بشكل فظ كم نحن متساويين شئنا أم أبينا وأن ما من أحد أفضل من غيره «ما في حدا على راسه خيمة».

كشف لنا بأنه لا المال ولا السلطة وغيرها، يعطون المعنى والقيمة لحياتنا، إنما العلاقات المبنية على الاحترام المتبادل. كما أنهم لا يستطيعون حمايتنا من الأمراض والوباءات.

نعمة تساعدنا لكي ندرك بأننا «مديري أعمال» هذا الكون إن صح التعبير ودورنا يكمن في تنميته وجعله أكثر إنسانية ومن أجل الجميع، وهذا هو معنى السيطرة المدعوين إليها.

ندرك أننا لسنا بأسياد الكون إلاّ بقدر ما نعمل من أجل الخير العام لأن العالم ليس ملكاً لأحد إنه، كما يقول البابا فرنسيس في رسالته الرعوية «كن مسبحاً: Laudato ci»، إنه منزلنا المشترك! فعلينا الاهتمام به.

كورونا فايروس يمكنه أن يكون فرصة ذهبية لولادة إنسانية جديدة مبينة قدر المستطاع على المجانية لا على المنفعة والمصلحة الشخصية. فرصة لنختبر بأن القيامة هي هنا وقادرون على عيشها على مثال مرتا ومريم.

إذا أمعنا النظر في رواية قيامة لعازر نرى أن القيامة الحقيقية التي حققها يسوع هي قيامة مرتا ومريم. لقد كانتا أحياء موتى، منغلقات في منزلهم وفي ألمهم كما في الموت. والمسيح أخرجهم من مكان الموت إلى الحياة، بخروجهم إليه فتغيرت حياتهم.

ونحن اليوم قابعين في منازلنا ونشعر بأننا أحياء موتى، فليكن هذا الوباء وسيلة لنعيش منذ الآن رغبتنا الحقيقية في الحياة التي دفناها في أعماقنا، ولنجعلها تخرج إلى أرض الواقع فتولد أرضاَ جديدة وسماء جديدة وإنسانية جديدة. وكما يقول بولس الرسول: «إِن لم يَكُنْ لِلأَمواتِ مِن قِيامة، فإِنَّ المسيحَ لم يَقُمْ أَيضًا».    

جديد الموقع
أسئلة وأجوبة
يعطيك العافية ابونا انا اسمي حسين عندي متل سؤال عم دور عأجوبة وكمل بحوثي من خلالو وهوو اصل الروح الها جنس؟ (السؤال) هوو الروح هل لها جنس او اذا مالها جنس كيف الطريقة او هل خيرت انها تختار جسد ذكوري او انثوي.. هل تم تخيير الروح.. هل تم توزيعها بارادة عليا.

الروح مبدأيا هو روح الله وبالتالي لا جنس له. الروح مرتبط بالإنسان بمعنى أن الروح هو من يعبر على ما يميز الإنسان عن باقي الخليقة. بمعنى آخر عندما خلق الله الإنسان خلقه جسد ووضع فيه من روحه.

هل من فرق بين إنسان طيب القلب وإنسان يمتلك المحبة وهل من رابط بينهما

القلب الطيب دليل مهم على المحبة. ما من أحد يمتلك المحبة إنما العكس صحيح أي المحبة هي التي تمتلكه