header logo
العِزلة الحَقيقية مفتَاح السَلامَ الدَاخِلي

كيف أواجه التغيير المطلوب على الصعيد الزوجي والعائلي؟

مقدمة: أريد بداية التذكير بأن هدف هذه الأحاديث التي انطلقت بسبب وباء الكورونا فايروس، تهدف للوقوف مع الذات بهدف الذهاب إلى ما هو جوهري في حياتنا لكي نعيش علاقات إنسانية حقيقية منمّية ومُفرحة.

بمعنى آخر، كما بينا سابقاً، وباء الكورونا فايروس هو فرصة لنحدث تغيرات على كل الأصعدة محققين بذلك أن علاقاتنا بمختلف أشكالها لن تكون بعد الوباء كما كانت عليه قبل.

الخميس الماضي تحدثت عن التغيرات المفترض تحقيقها على صعيد الذات. وقلت إن كل شيء يبدأ بالذات. فكما أتعامل مع ذاتي أتعامل مع الآخرين. ورأينا أن الإنسان كنز لا يمكن سبره بالكامل وبالتالي مسيرة الغوص في الذات، معرفة الذات، هي مسيرة لا تنتهي وهذا يحمي حياتي من الوقوع بالملل والركود وفقدان المعنى.

اليوم حديثي يمس العلاقة الزوجية والعائلية. بشكل عام يقول الناس بأنهم يتزوجون لأنهم يحبون بعضهم ويريدون الاستقرار. بالطبع بالإضافة إلى الرغبة في تكوين عائلة، الخ. دون أن ننسى المفهوم الشائع للزواج على أنه علاقة بين شخصين يكملان بعضهما البعض. هاتين الكلمتين: الحب والاستقرار تستحق التوقف عندهما.

أولاً نحب بعضنا. ماذا تعني هذه الكلمة؟ وما هو مقياس الحب الحقيقي؟ مقياس الحب الحقيقي هو بكل بساطة غياب كل مقياس. لأنه طالما أني أحب الآخر لهذا أو ذاك السبب أو لهذه او تلك الصفة، فانا لا أحب الشخص، إنما هذه أو تلك الصفة. وعندما لسبب ما تغيب هذه الصفة يذهب الحب معها وتنتهي العلاقة.

هذا يعني، أنه من الممكن إعطاء بعض من جوانب الحب، لكن لا يمكننا أن نحده بتعريف. لا شك الحب يكمن في العطاء فوق كل شيء. لكن ليس أي عطاء. إنما عطاء الذات ككل. لا يذهب تفكيركم مباشرة إلى الموت أو إلى الصليب، لنختبئ خلف إصبعنا الصغير ونقول هذا أمر مستحيل.

عطاء الذات يعني القبول بأنني لم أعد ملكاً ذاتي: «لا سُلطَةَ لِلمَرأَةِ على جَسَدِها فإِنَّما السُّلطَةُ لِزَوجِها، وكذلِك الزَّوجُ لا سُلطَةَ لَه على جسَدِه فإِنَّما السُّلطَةُ لامرَأَتِه». لم أجد جملة أقوى وأعمق من هذه الآية لبولس الرسول.

هذا يعني إنه في الحب نعطي ذاتنا كلية للآخر فتصبح رغبة الآخر هي رغبتي وبالعكس، بمعنى آخر انطلق من رغبة الآخر لا من رغبتي، وهذا هو معنى الآية: يصبح الاثنان جسداً واحداً.

أوضح أكثر. الإنسان هو وليد الكلمة: ما يجعل رجل وامرأة يرتبطان ببعضهما وينجبان الأطفال هو كلمة النعم المتبادلة بينهما. وبالتالي، هذا العطاء يكمن قبل كل شيء بالكلمة. أُعطي ذاتي بالكلمة، يعني أُعري ذاتي أمام الآخر بالكلمة.

أقول له ذاتي حلاوتي ومرارتي، ضعفي وقوتي، وهذا ليس بالأمر السهل، لكي، لاحقاً، تتجسد هذه الكلمة العارية في العلاقة الجسدية. أي أن هذه الكلمة تصبح جسداً! بمعنى آخر، لقاء الأجساد يصبح لقاء بين كائنين بكليتهما، تجسيد للكلمة. في البدء كان الكلمة والكلمة صار جسداً.

بهذه الطريقة يكون الاثنان في صدد السير باتجاه الوحدة الحقيقة. وهذه الوحدة لا تعني الاندماجية، فهذه الأخيرة قاتلة. وهذا ما عبر عنه جبران خليل جبران في كتابه النبي: «فليكن بين وجودكم معاً فسحات تفصلكم بعضكم عن بعض حتى ترقص رياح السماوات فيما بينكم».

هذه الفسحة هي التي تمنع كل طرف من أن يتملك الآخر ويتصرف به وبالتالي تسمح له بقبول اختلاف الآخر عنه، اختلاف رغباته، نظرته للأمور وللحياة. والأهم تسمح بالتعامل مع الآخر ككل وليس كوسيلة من أجل اللذة أو تلبية رغبة ما.

لتوضيح هذا الكلام، قلت الحميس الماضي بأن الإنسان كنز، واليوم أُضيف بأن الإنسان هو كائن روحاني. لا بمعنى أنه يمضي وقته في الصلاة والعبادة مع أهميتهما بالطبع؛

 إنما بمعنى أنه أكثر من مجرد جسد فيزيولوجي، بيولوجي، وبالتالي في كل مرة يتم التعامل مع الآخر كجسد فهذا يعني إلغائه كإنسان واعتباره مجرد شيء، وسيلة للتمتع، وهذا هو معنى الآية «من نظر إلى امرأة فاشتهاها فقد زنى بها في قلبه». أي أنه شيئها بالنظر.

فالعلاقة الإنسانية تُبنى على الرغبة، والرغبة هي دائماً الرغبة في الآخر المختلف عني. وما يميز الرغبة هو استحالة تلبيتها بالكامل ممّا يجعل العلاقة دائما دينامية، حية، لا تتوقف. أي أن ما يميز الرغبة هو نقص تلبيتها. لا يمكن للإنسان أن يشبع من حضور الآخر في حياته. وهذا ما رأيناه في الحديث الأول حيث ظهرت بقوة أهمية العلاقة مع الآخر في ظل الحجر الصحي.

فالعلامة المميزة للإنسان، إن صح التعبير، هي النقص، نقص تلبية الرغبة بالكامل. هنا نلمس كيف أن اعتبار الزواج على أنه علاقة بين شخصين يكملان بعضهما، أي يسدان النقص، هو مفهوم قاتل بكل معنى الكلمة.  

الإنسان كنز، الإنسان كائن روحاني، أُضيف بأن الإنسان كائن ثالوثي: المرأة والرجل والعلاقة المتبادلة بينهما. وهذا الكلام ينطبق على كل علاقة حتى بين شخصين من الجنس نفسه. فالعلاقة الإنسانية الصحيحة هي دائماً ثالوثية: الرجل والمرأة، (أو رجل ورجل أو امرأة وامرأة)، ثالثهما هو النقص. وقبول هذا النقص هو الضمان الوحيد لعدم الوقوع في تشيء الآخر. 

هذا القبول، هذه الطريقة في التعامل مع الآخر، هو حجر أساس، العمود الفقري للحياة الزوجية. للتقدم بهذا الاتجاه يأتي دور الحوار. القاعدة الذهبية للحوار هي البحث عمّا هو حقيقي وصحيح في كلام الآخر، لأن ما من أحد يملك الحقيقة. وهذا ليس بالأمر السهل لكوننا تربينا على الجدل المبني على أقناع الآخر بوجهة نظري ومفاهيمي.

نتزوج لأننا نحب بعضنا ونريد الاستقرار. هل الاستقرار يعني الجمود. أم أن الاستقرار هو أيضاً مسيرة، مسيرة ترافق كل التطور سلبي كان أم إيجابي، يعيشه الزوج معاً. ما من شيء في حياة الإنسان ثابت بمعنى الجمود. فالجمود يعني بكل بساطة الموت. «الروح يأتي من حيث لا ندري ويذهب إلى حيث يشاء وتلك هي حالة مولود الروح»، يقول يسوع لنيقوديمس.  

في نهاية مراسم الزواج يقول الناس بأن فلان وفلانة تزوجوا. هذا الكلام دليل على مفهوم الزواج والاستقرار على أنه جمود. شخصياً أقول: إنهم بدأوا المسيرة ليصبحوا زوج وزوجة. فالاثنين هما، نظراً لاختلافهما الطبيعي، بمثابة خطان متوازيان، ولكي يلتقيا فلا بد من الحوار الذي منه يولد خط ثالث مشترك بينهما وهذا الخط هو الحياة الزوجية الحقيقية.

هذا الخط يرمز إليه الطفل. لكنه ليس هو الخط الثالث. فالطفل لديه شيء من أبيه، ومن أمه، وهناك ناحية أُخرى خاصة به، تميزه، تميز شخصيته. كل ذلك يبين لنا بأن العلاقة الإنسانية تتطلب جهد، حوار، ولا يمكن أن تعرف الثبات أو الجمود!

إذا قبلنا بذلك نفهم بأن العلاقة الإنسانية بهذا المفهوم، والعلاقة الزوجية بشكل خاص هي من الأماكن المهمة لنمو كل طرف من أطراف العلاقة. في حال بنيت على الحوار والقبول المتبادل، مهما واجهت من صعوبات وأزمات لا يمكن أن تتزعزع، بل على العكس تصبح أقوى وأعمق لأنها مبنية على الصخر، صخرة قبول الاختلاف.

بالإضافة إلى أن الإنسان ينمو من خلال الأزمات، وكل حياته فيها أزمات. منذ الولادة حتى القبر. حتى لا يكون كلامي نظري أُعطي مثلاً للتوضيح: العبور من مرحلة الفطام هو أزمة، قبول النظافة وتلبية الحاجات الطبيعية كما يتطلبها المجتمع، أزمة، المراهقة أزمة، وهكذا دواليك.

أعتقد أنني تحدثت بالكفاية عن العلاقة الزوجية. والآن انطلاقاً من هذه العلاقة ما هي التغيرات التي يجب أن تتم على صعيد العلاقة العائلية. إذا كانت العلاقة مع الذات، والعلاقة الزوجية هي مسيرة، فكذلك الأمر بالنسبة للعائلة. بمعنى أن العلاقة أو الحياة العائلية هي عبور من السلطة إلى المرافقة، من التبعية إلى الاستقلالية.

من الطبيعي أن يكون الأهل بموقع السلطة لدى الطفل الصغير. لكن عليهم في الوقت نفسه أن يبدأوا بإعطائه الثقة وخاصة تنمية ثقته بنفسه من خلال التشجيع، بدلاً من التمنين: ضيعان المال وحرمان الذات الذي قمنا به لكي تنجح. هذا هو حجر أساس مستقبل الطفل. لأن الثقة هي أهم شيء في حياة الإنسان!

المشكلة اليوم، ينطلق الأهل من أفكار خاطئة عن التربية: من جهة، الأهل هم السلطة، هم من يعرفون مصلحة أبنائهم ويقررون عنه، ومن جهة أُخرى يفتخرون، باسم ما يسمونه بالتربية الحديثة، بأن الطفل الصغير ينادي أهله بأسمائهم! وبالتالي يستغربون غياب المسافة المطلوبة بينهم وبينه.

من الطبيعي والجيد العبور من السلطة إلى المرافقة ولكن هذا لا يعني إلغاء البعد الذي يحمي من الوقوع في الفوضى وفقدان المرجعيات. فالمرافقة تعني إعطاء الثقة، حوار مفتوح بين أعضاء العائلة، والحوار هنا بالمعنى الذي تحدثت عنه، وخاصة حوار خالي من الأحكام وردود الأفعال المباشرة، ممّا يمنع تصنيف كل طرف للطرف الآخر: أهلنا دقة قديمة، هاد الجيل الله يعنّا عليه، الخ.

بهذه الطريقة يصبح الطفل إنسان ناضج، واثق من نفسه، وجاهز لعيش استقلالية صحيحة. وفي الوقت نفسه تتحقق عائلة سعيدة، تسر بالأوقات التي يقضونها سوية، أوقات محببة ومفرحة وبالتالي منمية للجميع.  

جديد الموقع
أسئلة وأجوبة
يعطيك العافية ابونا انا اسمي حسين عندي متل سؤال عم دور عأجوبة وكمل بحوثي من خلالو وهوو اصل الروح الها جنس؟ (السؤال) هوو الروح هل لها جنس او اذا مالها جنس كيف الطريقة او هل خيرت انها تختار جسد ذكوري او انثوي.. هل تم تخيير الروح.. هل تم توزيعها بارادة عليا.

الروح مبدأيا هو روح الله وبالتالي لا جنس له. الروح مرتبط بالإنسان بمعنى أن الروح هو من يعبر على ما يميز الإنسان عن باقي الخليقة. بمعنى آخر عندما خلق الله الإنسان خلقه جسد ووضع فيه من روحه.

هل من فرق بين إنسان طيب القلب وإنسان يمتلك المحبة وهل من رابط بينهما

القلب الطيب دليل مهم على المحبة. ما من أحد يمتلك المحبة إنما العكس صحيح أي المحبة هي التي تمتلكه