header logo
الحَقيقةَ مُسَتقِلّة عَن الأعمال

ابراهيم وسارة: من التملك إلى الحرية

لماذا هذا الموضوع؟ أولاً، أريد أن أبين لكم كيف يمكن للتحليل النفسي أن يساعدنا في فهم النصوص الإنجيلية بشكل أفضل في بعض الأحيان، بمعنى آخر، أريد أن أقول لكم كيف أنه لا يمكننا اليوم، للتعبير عن إيماننا المسيحي بشكل جيد، التغاضي عن اللغة أو اللغات، عن كل الإمكانيات الأدبية والعلمية منها، الموجودة بين أيدينا للتعبير عن هذا الإيمان. وهذا أمر مهم جداً، لكونه يبين لنا كيف أن الله يكشف عن ذاته من خلال الإنسان، وبالتالي من خلال إمكانيات الإنسان العديدة لكي لا نقول غير المحدودة.

ثانياً، لقد اخترت هذا النص لأنه يروي لنا قصة، ظاهرياً قصة عادية تعود إلى التاريخ القديم ولا علاقة لها بنا سوى أنها تقول لنا مدى ثقة ابراهيم بالله، وكيف علينا نحن أيضاً بدورنا أن نثق بالله. كما أنها تعبر لنا عن كيفية تدخل الله في حياة الإنسان وبالتالي عن قدرة الله بخصوص الأمور المستحيلة. ألم يقل المسيح بخصوص الشاب الغني وموضوع دخول الأغنياء إلى الملكوت: "هذا شيء يعجز الناس ولا يعجز الله، فإن الله على كل شيء قدير"؟ في الحقيقة قصة ابراهيم وسارة تظهر لنا بأن تدخل الله ليس تدخلاً سحرياً بل من خلال الواقع، الله يدفع الإنسان للقيام بمسيرة قد تكون شاقة في بعض الأحيان وهذا ما سنراه مع كل من ابراهيم وسارة.

ثالثاً، قد نقول بأن قصة العقم قصة خاصة ولا تخص سوى البعض من الناس. فيزيولوجياً، هذا القول صائب ولكن هذه القصة تتحدث لنا عن العقم بالمعنى الشامل للكلمة أي العقم بالمعنى الرمزي أو بمعنى آخر تتحدث لنا عن العقم في أية علاقة إنسانية. وبهذا المعنى نقول بأن هذه القصة تخص كل واحد منا، تلمس كل إنسان. خصوصاً، عندما نعلم إلى أي حد علاقات الإنسان شائكة، معقدة. كم من العلاقات (صداقة، زواج، زمالة الخ....) تنكسر في اليوم!

وأخيراً، اخترت هذا الموضوع لكي نرى معاً كيف أن الكتاب المقدس يروي لنا حقائق إلهية وإنسانية معاً لأنهما في النهاية حقيقتان لأمر واحد. لهذه الأسباب إذن اخترت هذا الموضوع.

القصة: قصة ابراهيم وسارة هي في النهاية قصة تحرر، تحول، قيامة إن صح التعبير. مسيرة انتقال من العقم إلى الخصوبة، بالمعنى الشامل للكلمة. بهذا المعنى هي قصة تمس كل إنسان، كما قلت. أبرام دعي للتخلي عن أرضه وبيت أبيه نحو الأرض المجهولة التي سيريه إياها الله. أبرام يثق بالله وينفذ ولهذا السبب يقول الكتاب المقدس أن ذلك "حسب له براً". أبرام متزوج من ساراي أخته من أبيه. وتقول القصة بأنها عاقر، عقيمة. يصل أبرام خلال مسيرته إلى مصر فيخاف على نفسه من المصريين فيقول لساراي امرأته: "أنا أعلم أنك امرأة جميلة المنظر، فيكون، إذا رآك المصريون، أنهم يقولون: هذه امرأته، فيقتلونني ويبقونك على قيد الحياة. فقولي أنك أختي، حتى يحسن إلي بسببك وتحيا نفسي بفضلك". وهذا ما يحصل. يأخذ فرعون ساراي زوجة له، ولكنها لم تنجب له بسبب عقمها، ثم يكتشف فرعون الأمر فيوبخ أبرام ويعيد له زوجته.

وعندما ترى ساراي بأن وعد الله لم يتحقق بعد تطلب من أبرام إقامة علاقة مع الخادمة هاجر -وهذا طلب شرعي آنذاك- فأعطته ولداً سماه اسماعيل. بعد ولادة اسماعيل يتدخل الله ثانية ليغيّر اسم كل من أبرام وساراي: فيصبح اسم أبرام، ابراهيم وساراي، سارة. ويتم العهد بين الله وابراهيم في أن يختن كل ذكر.

تتكرر قصة ابراهيم والمصريين مع أبيملك. إنما أبيملك لم يلمسها لأنه سمع في الحلم أنها زوجة ابراهيم وليست أخته. وأخيراً تتمولادة اسحق، وطرد هاجر.

إذن أبرام متزوج من ساراي. أبرام يعني الأب المرتفع أو المتعالي. ساراي تعني ملكتي. أبرام متزوج من أخته من أبيه. ساراي عاقر. ما سبب عقمها؟ تدخل الله يبين لنا أن سبب العقم هو وجود خطأ أساسي في العلاقة، في الرمزية في العلاقة. وعندما يكون هناك خطأ في العلاقة فالنتيجة حتماً: العقم، بالطبع بالمعنى الرمزي والشامل للكلمة. أي أن العلاقة آنذاك لا تسمح للنمو أن يتحقق، النمو يتوقف.

ساراي تعني ملكتي. إنها ملك أبيها واسمها لم يتغير مع الزواج. من هنا نقول بوجود عائق مهم وأساسي في مسيرة سارة الحياتية والموجهة لكي تصبح أم. هذا يعيقها في أن تصبح أم. فالتشديد على الملكية يلغي إمكانية قيام زواج حقيقي مع أبرام لأنها لا تزال ملك أبيها. ونحن نرى ذلك في الواقع: عقم العلاقة في الكثير من الأحيان عائد إلى عدم قطع حبل السرة مع الأم أو مع الأهل. ساراي لا يمكنها أن تكون متزوجة فعلياً. ورمزياً أيضاً غير متزوجة، عقيمة. ليس المهم الزواج الاجتماعي والجسدي إنما الزواج الحقيقي الفعلي والرمزي.عقم سارة يعبر عن عدم زواجها، بهذا المعنى نقول بأن العارض، المشكلة تعبر عن حقيقة خفية: هنا الحقيقة الخفية هي الملكية، عدم الانفصال. فالله يتدخل لأنه يريد الحياة للإنسان: "جئت لتكون لهم الحياة وتفيض فيهم". يتدخل الله فيقول لأبرام: "انطلق من أرضك وعشيرتك وبيت أبيك، إلى الأرض التي أريك".

الترجمة الحرفية تعطي ما يلي: "انطلق من أجل ذاتك أو انطلق نحو ذاتك، من أرضك ..." انطلق من المكان الموجود فيه الآن، انطلق من هذه الموانع، أخرج منها، لأن أبرام هو أيضاً أسير اسمه: الأب المرتفع، المتعالي. كيف يمكنه أن يرى أو يلتقي بزوجة على نفس "المستوى". إذن هو أيضاً لا يمكنه أن يقيم حياة زوجية حقيقية. هنا نرى أهمية الاسم الذي يميز الإنسان عن غيره. لهذا السبب من المهم جداً تسمية الطفل منذ ولادته. أحياناً الأسماء تشكل مشكلة، بمعنى آخر: كم من الأشخاص يرفضون أسماءهم لأسباب عديدة. كم من الأشخاص لديهم مشكلة مع الاسم لأنهم لا يستطيعون أن يتطابقوا مع اسمهم مثلاً: أمل.

فالله يطلب إذن من ابراهيم الإنطلاق نحو الذات. أبرام لا يعرف ذاته: "إلى الأرض التي أريك"، الله هو الوحيد الذي يستطيع أن يعرفنا بالفعل على ذواتنا. انطلق من أجل خيرك وسعادتك. إنها دعوة الله لإبراهيم، ولكنها دعوة كل إنسان. كل إنسان مدعو ليعيش ذاته. والمشكلة دائماً هي في الصراع بين أن أعيش ذاتي أو أن أعيش المجتمع أو الآخرين. هذه مشكلة ابراهيم وسارة أيضاً. والتحليل النفسي يسعى لمساعدة الإنسان على أن يعيش ذاته، حقيقته. الله يدعو الإنسان باتجاه الإنسان: "ماذا ينفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه؟". الله إنساني، قبل أن يكون الهي إن صح التعبير. وهذا هو سر التجسد. هذه هي رغبة الإنسان الحقيقية والموجودة في أعماقه ولكنها، مع الأسف، غالباً ما تكون مكبوتة، لكونه يعيش المجتمع، الآخرين أكثر مما يعيش ذاته.

هنا نرى تشابه مهم مع قصة الإبن الضال: بعد أن جاع الإبن يقول النص أنه "رجع إلى ذاته". والترجمة الحرفية هنا تعطي: "أتى إلى ذاته". لأنه إن قلنا أنه رجع إلى ذاته هذا يعني أنه كان مع ذاته، ثم ضاع فرجع مجدداً. بينما في الواقع وحسب الترجمة الحرفية نقول أنه أتى إلى ذاته لأنه كان يجهلها. لم يكن مع ذاته قبلاً، أو منذ البدء. لقد كان غريباً عن ذاته. وعندما يتحرر من علاقته مع الأب بفقدان كل ما يأتي من الأب استطاع أن يلتقي مع ذاته، ولأول مرة يستعمل عبارة: "أنا". يترك أباه ليلتقي مع ذاته. عندما يعود إلى الأب يأتي جديداً للأب، بعلاقة جديدة مع ذاته ومع أبيه. إنه يلتقي مع أب مختلف عما كان يعرفه، لأنه الآن يعرفه بالحقيقة.

يقول لأبيه: "لا أستحق بعد أن أدعى لك ابناً". بينما يتصرف الأب عكس ذلك تماماً: بالنسبة للأب الآن هو مستحق أن يكون ابناً أو بالأحرى الآن هو ابن بالحقيقة. إنه ابن فعلي، يقول: "أنا". له شخصيته، استقلاليته. فالإنسان الغير مستقل هو ليس ابن لا بمكنه أن يكون ابناً. كذلك الأمر بالنسبة للجنة في سفر التكوين: الكتاب المقدس لا يتحدث لنا عن جنة مفقودة بل عن جنة موعودة. على الإنسان أن يصبح على صورة الله كمثاله، فهو ليس بعد كذلك.

يبدأ ابراهيم مسيرة التخلي على مثال الإبن الضال، لكي يلتقي مع ذاته (الأرض المجهولة). إنه يتخلى عن كل العوائق، عن كل الخلافات. على مثال سارة، ظاهرياً، هما يملكان الكثير ولكن في الحقيقة هما ملك للآخرين. ابراهيم ترك الأرض لكنه لم يترك أباه، لأنه أخذه معه. هنا يأتي التدخل الإلهي في مكانه مجدداً. لابد من تدخل خارجي لكي نعي عدم سلامة علاقاتنا. هذه هي دعوة الله لإبراهيم، هذه هي دعوة الله لكل إنسان: التخلي عن كل ما يمنعني من اللقاء مع ذاتي. والتحليل النفسي يسعى لوعي الذات وبالتالي للتحرر من كل ما يمنع الإنسان من عيش ذاته حقيقته.

هذا التدخل الإلهي، أو بالأحرى، طريقة التدخل الإلهي مهمة جداً، لأنه يبين لنا بأن الله لا يتدخل بشكل سحري إنما من خلال الواقع ومن خلال إمكانياتنا البشرية حتى ولو كلف ذلك الأمر الكثير من الألم وغيره. في التحليل النفسي يسمع الإنسان رغبته الحقيقية فيؤدي ذلك إلزاماً إلى التحرر. كما أن التحليل النفسي يدفعني لكي أغيّر علاقتي مع اسمي في حال وجود مشكلة على هذا الصعيد.

ينتقل ابراهيم من تعال إلي (دعوة المجتمع) إلى تعال إلى ذاتك (الدعوة الحقيقية). اذهب إلى نفسك، إلى: "الأنا، أناك". الأرض هي الذات هي: "أنا" ابراهيم. الله يدعوه إلى اكتشاف هذه الأرض الواسعة وآنذاك بإمكانه أن يصبح خصباً، "أبا لأمم كثيرة". هنا تتدخل بركة الله لإبراهيم.

الأرض هي الذات وبالتالي هي المكان الذي سيصير فيه ابراهيم إنسان. مسيرته، تدخل الله في حياة ابراهيم، في حياة كل إنسان، يشكل عمل خلاصي بكل معنى الكلمة. خصوصاً، عندما نعلم أن الخلاص هو إعطاء الحياة الحقيقية. واسم يسوع يعني الله معنا والله المخلص أيضاً، أي مجرد أن يكون الله معنا فنحن في الخلاص، في الحياة، في الحقيقة.

ثم يدخل ابراهيم إلى مصر. هنا يقول بأن ساراي هي أخته. هذا التصرف غريب من قبل ابراهيم نظراً لدعوته. إنه يتخلى عن دوره كزوج، كمن يحمي، لكي ينقذ ذاته. ساراي تصبح ملك المصريين. قولي أنك أختي. في الواقع هي أخته من أبيه، أخته لأنه يعيش معها ليس كزوج بل كأخ. فيتدخل الله مرة ثانية. فيقول ابراهيم لله: "أيها السيد الرب، ماذا تعطيني؟ إني منصرف عقيماً، وقيّم بيتي هو أليعازر الدمشقي". وقال ابراهيم: "إنك لم ترزقني نسلاً، فهوذا ربيب بيتي يرثني".

يدفع الله ابراهيم للخروج من فكرة قدرية العقم، من قدرية خطأ العلاقة ليصبح إنساناً خصباً. ساراي بدورها تعيش الأمر عينه. إنها مرتبطة = عقيمة. لا يمكنها أن تكون زوجة لأي شخص كان: لم تلد لفرعون.

ساراي تطلب من ابراهيم الإنجاب من الخادمة هاجر. (فكرة شرعية آنذاك). مقارنة العلاقتين مهمة جداً: ابراهيم وهاجر/ فرعون وساراي.

ساراي (ملكتي) تعطى لملك (فرعون). وابراهيم (الأب المتعالي) يعطى لإمرأة أقل علواً منه، إن صح التعبير. علاقة ساراي مع فرعون عقيمة على عكس علاقة ابراهيم مع هاجر.

خاف ابراهيم على ذاته / سارة تخاف أن تأخذ هاجر مكانها فتطردها مع ابنها.

كل طرف يبحث عن حل والحلول كلها تبدو مزيفة، غير حقيقية. فتدخل الله هو الوحيد الحقيقي والمنقذ (تدخل غير سحري).

فتغيير الأسماء يحررهم من أي ارتباط كان، أبرام يصبح ابراهيم أي رجل عادي جداً، إنه ينزل إلى أرض الواقع. إنه لم يعد ملكاً لأحد، كما أنه لا يملك زوجته أيضا: "ساراي امرأتك لا تسميها ساراي، بل سمّها سارة".

بين تغيير اسم سارة واسم ابراهيم تتم عملية الختن، التي توقع النقص، قبول النقص. على عكس الأب المرتفع. خصوصاً، أن الختن يلمس المكان الذي يشكل الجسر بين الرجل والمرأة. لهذا السبب عملية الختن توقع قبول النقص. والزواج بهذا المعنى هو علاقة بين شخصين يحبان بعضهما البعض ولكن غير متكاملان، إنما يكشف كل واحد للآخر نقصه.

ثم يتم المرور عن طريق أبيملك: سارة لا تحمل فوراً. إنما تعيش مسيرة، مرحلة جديدة مع أبيملك: ملك عادل، إنساني ويتقي الله (مع أنه غير مؤمن) يأخذ سارة كزوجة والله يتدخل في المنام (اللاوعي) ويقول له: لا يحق لك أن تأخذ سارة زوجة لك لأنها زوجة ابراهيم. فيرجعها أبيملك إلى ابراهيم دون أن يمسها ويعاتبه. مثل فرعون الذي عاتب ابراهيم. ولكن هنا يوجد فارق مهم: أبيملك يقيم حفلة ويقدم الهدايا إلى ابراهيم ويعطي سارة "دوتا" لأنه أبيملك، أي أبي ملك. فيتصرف كما لو أنه يزوّج ابنته، أي يقبل فصلها عنه: لم تعد بعد الآن مرتبطة بأبيها، فيمكنها أن تكون زوجة وإمرأة خصبة.

 

الأب رامي الياس اليسوعي

دمشق 3،11،99

 

 

 

 

 

جديد الموقع
أسئلة وأجوبة
كيفة يسمى sوnمغناطيسي

عذرا لم أفهم السؤال

في انجيل متى مكتوب ان النسوة امسكت قدمي يسوعوإِذا يسوعُ قد جاءَ لِلِقائِهما، فقالَ لهما: «السَّلامُ علَيكُما!» فتَقَدَّمَتا وأَمسَكَتا قَدَمَيه ساجِدَتَينِ له.اما في انجيل يوحنا منعها يسوع من ان تمسكه فقالَ لها يسوع: «لا تُمسِكيني، إِنِّي لم أَصعَدْ
  • هذا يعني أن كل إنجيلي يريد التركيز على نقطة معينة. بالنسبة لمتى إنه هو المصلوب وقد قام. بالنسبة ليوحنا القائم من بين الموات لم يعد خاضع للزمان والمكان فلا يمكن الامساك به