header logo
لَسنا بِحاجَة للاِندِفَاع إذا كَانَ هُناكَ شَيءٌ سَيَحصَل

مفهوم الجسد الإنساني الجزء الثاني

شيء ليس كباقي الأشياء.

ظاهرياً الجسد هو شيء من بين الأشياء، ومع ذلك ليس كباقي الأشياء، أنه واقع خاص ومميز. هذه الميزات تظهر أقله بطريقتين مختلفتين:

1. بالطريقة التي أتكلم فيها عن جسدي. فأنا لا أستطيع القول «بأنني جسدي» ولا «أنني أملك جسداً». فمن المؤكد بأنني أكثر من جسدي، حتى ولو أنني لا أوجد خارجاً عنه. كما أنني لا أستطيع القول «أنني أملك جسداً» لأن جسدي ليس خارجاً عني.

2. من خلال العلاقة مع الجسد الميت، فالإنسان يتميّز بكونه يدفن موتاه. وهذا في كل الحضارات الإنسانية بمختلف أشكالها. هنا يمكننا التوقف على ظاهرتين:

للتعبير عن الجسد الميت نستعمل كلمة الجثة.

الجسد الذي تحول إلى جثة أصبح موضوع للدفن.

هاتين الظاهرتين تبينان لنا بأن الموضوع ليس فقط موضوع جسد، فهو يمس واقع إنساني: الجسد الميت، لم يعد سوى غنيمة، كما أنه لم يعد مركز للعلاقات؛ لم يعد جسداً لأنه لم يعد حياً ومع ذلك يبقى واقع إنساني. ولكن ليس لأي كان: بالنسبة لمن كانوا على علاقة معه، وأن هذه العلاقة كانت قوية وحميمة، بالنسبة لمن عرفوا هذا الميت، الغنيمة تلخص كل تاريخه، وكل الاختبارات التي عاشوها معه.

من المعروف أن الإنسان هو الحيوان الذي يدفن موتاه. هذه المقولة المهمة على صعيد البحث التاريخي وخاصة مرحلة ما قبل التاريخ، لها أهمية قاطعة على الصعيد الأنثروبولوجي: الإنسان هو الحيوان الذي يتذكر من عاش معهم، ويتفاعل معهم كمن، بطريقة أو بأخرى، لا يزالوا حاضرين معه.

فالطقس الشامل للدفن يقول لنا أمرين: أولاً، مأساة الوجود الإنساني، وثانياً، الرجاء الخفي للأحياء. أولاً، المأساة ، لأنه مهما كان هادئاً وخفيفاً وطبيعياً يبقى الموت قطع، نهاية مطلقة للكائن المحبوب. فالموت يدشن، مرحلة جديدة، مرحلة ما «لم يعد». إنه الفشل بحد ذاته للوجود الإنساني، إنه فعلاً التعاسة الشاملة التي لا يمكن مداواتها، ولهذا السبب، برأي، نراه وراء كل أنواع مخاوفنا. إنما بالمقابل الاحترام الكبير للجثة من خلال مراسم الدفن يعبّر عن رجاء يقول لنا بأن كل شيء لم ينتهي.

بحسب التقاليد الدينية يستسلم الأحياء للفكرة القائلة بأن المتوفي يحيا دائماً، حتى ولو كان وجوداً أدنى، هزيلاً، حياة ظل أو حياة شبح. ما نقوله هنا عن الجسد الميت محفور في عمق كل كائن بشري، وتوضحه ردود فعل البشر حول اغتصاب القبور، أو في حال اكتشاف مقابر جماعية وهذا الأمر لا يعود إلى الماضي البعيد. فالرعب الذي يولده هذا الأمر، الاحترام العفوي للجسد الميت يجعلوننا نقول أنا هنا بعد شامل قد تم لمسه.

مختلف الأقنية التلفزيونية التي نشاهدها يومياً، تعرض لنا، بمناسبة الحروب والكوارث الطبيعية، بعض الجثث البريئة المتروكة على الأرصفة. هذه الجثة المعروضة تعبر عن إنسان أصبح مجرد شيء بسبب عنف إنسان آخر أو بسبب بعض الناس. إنها تعرض هذه الجثث تحت شكلين: إمّا بتغطية الوجه، وإمّا بوضعها على الوجه. هذه الطريقة في «العرض»، تبين لنا بأنه هذه الجثة ليست بمجرد شيء.

لقد قلت بأن جسدي هو حضوري للعالم أو في العالم، والحضور ليس من مجال الأشياء، إنه من المجال الروحي. إنه يعبر من خلال الجسد، ولكن يمكنه أحياناً التخلي عنه أو تجاوزه. فعندما يكون المتحابان بعيدان عن بعضهما البعض يبقان متحابين، حتى ولو كان الحب يتطلب الحضور الكلي، أي جسد وروح.

لهذا السبب أعدل التعريف الذي أعطيته في البداية عن الجسد وأقول: الجسد هو الوسيلة التي من خلالها يعبّر الإنسان عن ذاته في العالم، يصنع العالم ويتأثر ويتحول من قبل العالم.

الجسد كوسيلة للروح:

الآن سوف أتوقف على بعض الأماكن المميزة التي تبين على أن الجسد هو وسيلة للروح… وأعتقد أنه علينا أن نقول أكثر من ذلك: الجسد معطى لنا لكي يظهر الروح.

اليد: اليد هي نهاية عضو أمامي، ولكن لدى الإنسان وبسبب وضعية الوقوف، اليد حرة لأعمال متعددة.

القديس والمعلم توما الأكويني يقول لنا شيئاً مذهلاً: «ما يكِّون الإنسان هو الروح واليد». لا شك بأن اليد هي إحدى العلامات الهامة على الذكاء. فبواسطة اليد يسيطر ويتحكم الإنسان بالعالم: واللغة تعبر تماماً عن ذلك، عندما تتحدث عن وضع اليد أو الاستيلاء على كل شيء. فالأدوات التي يستعملها الإنسان تعتبر امتداد ليده. يمكننا القول بأن اليد هي عملة للروح.

الوجه: كلمة وجه خاصة بالإنسان: الوجه هو الوجه الإنساني. علماء الأنثروبولوجيا يوضحون لنا بأن اليد هي التي سمحت لوجه الإنسان أن يظهر. ما هو خاص بالإنسان في وضعية الوقوف، هو أن اليد يمكنها أن تأخذ الطعام وأن الوجه محرر من أجل وظائف أخرى غير الأكل. بتحضر الإنسان يصبح الخطم وجهاً، كلمة لا تستعمل إلا للإنسان.

التحدث عن الوجه، يعني التحدث عن شيء يتعلق بالإنسان: بشكل خاص الضحك وبالطبع الكلام.

لن أتكلم عن الكلام، إلاّ لكي أقول بأن الإنسان هو الوحيد الناطق، أي أنه ينطق بمجموعة منظمة من الأصوات مرتبطة بسلسلة من المعاني. فالكلام هو عبارة عن نظام رمزي من الأصوات مرتبط بنظام من المعاني. فمن خلال الكلام يتأنسن الطفل الصغير. من خلال الكلمة ينفتح الإنسان على عالم اللقاء، على عالم العلاقة الإنسانية وعلى الحوار. ولكن أيضاً على عالم الفكر، لأن كل الأمور مترابطة: لا يمكن للإنسان أن يفكر إن لم يكن قادر على الكلام. لا وجود لفكر مفكر أو متبصر إلاّ حيث توجد اللغة. « واللغة هي الإمكانية التي يمتلكها البشر في الاتصال بينهم والتعبير عن فكرهم من خلال العلامات الصوتية» هذه العلامات ينتجها الجسد.

الجنس: الجنس الإنساني هو، بالإضافة إلى نواحيه الأخرى، لغة الجسد التي تقول أكثر من الجسد. فالجسد المجنَّس معطى لنا لكي يستطيع الروح أن يعبر عن ذاته من خلاله. ولكن الجنس قد يكون المكان الذي فيه تظهر بشكل أوضح هشاشة وحدتنا الإنسانية: وحدة الجسد والروح. لأن الغريزة تعبر عن ذاتها من خلاله بشكل قوي جداً قد تخنق فيه الروح. لهذا السبب أنسنة الجنس هي عملية لا يمكن أن تنتهي إطلاقاً.

وحدة الشخص الإنساني

ما يبدو من خلال هذه الأفكار التي تحدثنا عنها هو أننا واحد بدون انفصال جسد وروح.

علينا التركيز على هذه الفكرة، لأنه شئنا أم أبينا، يبقى فكرنا متأثر بالفكر اليوناني القديم: الإنسان كائن مزدوج وليس موحد(جسد فان وروح خالدة).

كل الفكر الغربي خاصة الذي أثر بنا بما فيه الكفاية والذي تأثر بدوره بالفكر اليوناني القديم، علمنا هذا "الانفصال" بين الجسد والروح، مع شيء من عدم الثقة بالجسد، أو النظرة السلبية له، لكونه معتبر مصدر فوضى، أو ضعف، وبالفكر المسيحي مصدر للخطيئة. فالروح أو النفس عليها أن تخرج من الجسد، سجنها، وإلاّ تبقى سجينة لهذا الجسد الذي يقودها للظلمات.

بينما الفكر السامي، فكر الكتاب المقدس بعيد تماماً عن هذا المعتقد. في نظر الكتاب المقدس، الجسد ليس بعنصر خارجي يمكن للروح الاستعاضة عنه. فالجسد هو جزء أساسي وجوهري من كياننا الإنساني. والفيلسوف نيتشه يقول" لدي كلمتين أقولها لمن يفكر سلباً بالجسد. ليبدؤوا بالتخلي عنه…ثم ليأتوا ويتحدثون معي".

إذا قارنا بين وحدتنا والكلام يمكننا القول بأن الجسد والروح مترابطين بعضهم ببعض على صعيد الوجود، كارتباط الصوت والمعنى على صعيد اللغة. فالروح لا يوجد أبداً بدون جسد، والجسد بدون الروح يصبح جثة. كل ما هو متعلق بوجودنا الإنساني يعبر من خلال الجسد. كل شيء مرموز له من خلال الجسد. في أعمالنا الأكثر روحية الجسد حاضر ويفرض علينا متطلباته، حدوده، ولكنه يجعل هذه الأعمال ممكنة أيضاً. فليس الروح هو الذي يصلي، الإنسان بكليته هو الذي يصلي. والمفكر الفرنسي باسكال يقول: « من أراد أن يكون ملاكاً كان غبياً» «Qui veut faire l'ange, fait la bête»

فوحدتنا إذن هي دائماً هشة، مشكوك بها، علينا دائماً أن نصنعها، ولكن لا يمكننا التخلي عن هذه المهمة. لأن المهمة، ومن خلال كل التعقيدات التي تمسنا، هي أن نجعل الروح يقود المسيرة. والقديس أوغسطينوس يقول :«إن لم تصبحوا روحانيين حتى في عمق أجسادكم، تصبحون جسديين في صميم روحكم».

جديد الموقع
أسئلة وأجوبة
كيفة يسمى sوnمغناطيسي

عذرا لم أفهم السؤال

في انجيل متى مكتوب ان النسوة امسكت قدمي يسوعوإِذا يسوعُ قد جاءَ لِلِقائِهما، فقالَ لهما: «السَّلامُ علَيكُما!» فتَقَدَّمَتا وأَمسَكَتا قَدَمَيه ساجِدَتَينِ له.اما في انجيل يوحنا منعها يسوع من ان تمسكه فقالَ لها يسوع: «لا تُمسِكيني، إِنِّي لم أَصعَدْ
  • هذا يعني أن كل إنجيلي يريد التركيز على نقطة معينة. بالنسبة لمتى إنه هو المصلوب وقد قام. بالنسبة ليوحنا القائم من بين الموات لم يعد خاضع للزمان والمكان فلا يمكن الامساك به