header logo
لَسنا بِحاجَة للاِندِفَاع إذا كَانَ هُناكَ شَيءٌ سَيَحصَل

مقابل تغيرات العصر أيّ تربية؟

بداية سوف أتحدث عن بعض الأسس في التربية ثم سأتوقف على بعض المواقف والحالات التي يواجهها الأهل بتكرار ويطلبون الحلول.

ملاحظة 1: كثير من الناس هنا يتحدثون عن التربية الحديثة مقابل التربية القديمة. وينسبون للتربية الحديثة أموراً خاطئة مئة بالمئة. لا وجود لتربية قديمة وأُخرى حديثة بمعنى أننا نحن أبناء اليوم أكثر فهماً من الذين سبقونا؛ جل ما هنالك تتطور أساليب التربية مقابل التغيرات التي تحدث لدى الأجيال اللاحقة.

ملاحظة2: في المجال الإنساني لا وجود لثوابت ولمطلقات، بمعنى أنه لا وجد لحلول كاملة ولا لقرارات صحيحة كليّة. كل اختيار، كل قرار له وجه سلبي ووجه إيجابي. هذا الأمر مهم للغاية لأنه يدعونا للخروج من المثالية القاتلة. كلنا بدون استثناء نريد أن نكون ويكون العالم مثالياً ولكن.... كما يقول الإنجيل القمح والزؤان مختلطان دائماً وفقط في يوم الحصاد يمكننا الفصل بينهما.

مسيرة كل إنسان هي مسيرة أي لا تعرف التوقف. وهذه المسير هي باتجاه تحقيق إنسانيته، أي باتجاه النضج والاستقلالية والمسؤولية والحرية. هذه المسيرة تعبر بمراحل وكل انتقال من مرحلة إلى أُخرى يتطلب تخلي من أجل ما هو أفضل: الخروج من الرحم لحياة أفضل حتى ولو اعتقد الإنسان العكس، الفطام من أجل حرية واستقلالية ونضج أكبر حتى ولو اعتقد الإنسان العكس وهكذا دواليك. لكن بما أن كل تخلي صعب ومؤلم، فهو بحد ذاته يترك أثر سلبي لدى الفرد ممّا يجعلنا نقول بأن لا وجود للمثالية ولا للإنسان التام. المسيح وحده إنسان تام.

هذه المسيرة تعبر وتتحقق من خلال ما نسميه بالآلية النفسية. هذه الآلية تعمل بتأرجح بين مبدأ اللذة ومبدأ الواقع. وهذا التأرجح يرافقنا طوال حياتنا. مبدأ اللذة يعني أن ألبي حاجاتي ورغباتي مباشرة مع رفض كل رفض أو كل عائق. بينما مبدأ اللذة يقبل الواقع، يقبل بأن الواقع لا يمكن أن يكون كما يريده الإنسان وبالتالي يقبل بتأجيل تلبية ما يريد: حاجاته ورغباته. جميعنا نختبر أحياناً بأننا أقرب إلى مبدأ اللذة (مثلاً صعوبة الانتظار، أو صعوبة تأقلمنا وقبولنا لواقعنا كما هو)، أي مبدأ الطفولة وأحياناً أُخرى أقرب لمبدأ الواقع. حياتنا الإنسانية هي بتأرجح مستمر بين الاثنين وأحياناً يتم ما يمكن تسميته بالتثبيت بمرحلة ما، مما يجعلنا نجد أنفسنا أمام أُناس بالغين سناً وجسداً لكن تصرفاتهم الشخصية أقرب بكثير وشبه دائم إلى بدأ اللذة.

قبول الواقع يعني أولاً أن أقبل بأنه عليَّ أنا أن أتأقلم معه وليس العكس: لن يكون الواقع كما أتمناه؛ ثانياً هذا يعني القبول بعدم الحصول على ما أريد وأتمناه، استحالة تلبية حاجاتي ورغباتي في الوقت والطريقة التي أريدها.

فالعائلة، والمدرسة والمجتمع عليهم مسؤولية مساعدة الطفل للانتقال باتجاه الواقع أكثر. هذا العبور يتم من خلال القانون. فالقانون، ليس أيّ قانون هو الذي يساعد الفرد على أن يصبح إنسان:يعرف ذاته، حدوده، يقبل الآخر على أنه غيره، مختلف تماماَ عنه الخ. قلت ليس أي قانون، فالقانون الذي أتحدث عنه هو الذي يساعد الفرد على العبور باتجاه الواقع: قبوله، التأقلم معه. قبوله أي أقبل بتقاليده مثلاً: إحدى الصعوبات التي يواجهها الشباب هنا تكمن في رغبتهم بعيش ما يشاهدونه ويسمعونه على الشاشات الغربية في مجتمعنا. إنهم غير قادرين على الاستيعاب بأنه لا يمكن عيش مجتمع ضمن مجتمع آخر، فكما أنت الشرقي لا يمكنك عيش الغرب هنا، لا يستطيع الغربي أن يعيش الشرق في مجتمعه.

القانون يساعد الإنسان على القبول باستحالة تلبية ما يريد، كما يريد، وبالطريقة التي يريدها ومع من يريد. وهذا أساسي جداً. هذا ما نسميه بقانون المحارم الذي يمنع وجود علاقات جسدية جنسية بين أفراد العائلة الواحدة بالطبع ما عدا الأهل. ولكن مع الأسف هذا الاختراق موجود بكثرة وفي كل المجتمعات.

كيف سيتم تحقيق هذا الأمر؟

قبل الجواب على هذا السؤال الجوهري، علينا التساؤل عن التغيرات التي يعيشها مجتمعنا اليوم. قد نقول بأن الستالايت والانترنت غيروا تفكير الجيل الحالي ولهم تأثير كبير عليهم وهذا أمر صحيح جداً ولا يمكن الشك به أبداً. ولكن في الحقيقة التغيرات التي طرأت هي جوهرياً «ولادية» بمعنى أن أطفال اليوم لديهم إمكانيات وطاقات لم تكن موجودة مثلاً عندما كنّا نحن بسنهم اليوم. عندما يتحدث الأهل عن أطفالهم يعبرون بكل وضوح عن اندهاشهم أمام حديثهم وأجوبتهم. وهذا لم يأتي لا من الانترنت ولا من أية وسيلة خارجية. ممّا يعني أنه لا يمكننا مساعدتهم للدخول في عالم البالغين ولا الوصول إلى الواقع إن لم نقبلهم كما هم «أبناء جيل اليوم» وخاصة دون أية مقارنة مع أنفسنا عندما كنّا بسنهم ولا إطلاق أحكام مسبقة عليهم؛ آنذاك نحن في طريق مسدود ولا مجال للحوار والثقة بيننا وبينهم. بالمناسبة كل مقارنة قاتل للطفل بشكل خاص وحتى للبالغ بشكل عام.

إذا قبلنا هذا الأمر الواقع، دورنا كمربين يكمن في بناء الثقة والحوار معهم. أولاً وقبل كل شيء الحوار مع أطفالنا وشبابنا ولكن بشكل خاص مع الأطفال هدفه معرفتهم، معرفة لغتهم وطريقة تفكيرهم ورؤيتهم للأمور (كل طفل يجب اعتباره والتعامل معه على أنه إنسان له عالمه ورغباته الخ.). لكي نستطيع بناء الحوار والثقة معهم. عندما نقول حوار وثقة هذا لا يلغي أبداً دور الأهل، بمعنى أنه لا يمنع من أن يكون الأهل أصحاب القرار، إنما علينا أن نوضح لهم لماذا نقبل أو لا نقبل بهذا التصرف أو هذا الطلب أو.... والثقة بمعنى أنني أُشعر الطفل باستعدادي للتحاور معه بكل شيء، بأي موضوع يشاء ودون حكم مسبق، مما يجعله ينفتح على أهله ويصارحهم ويشاركهم بما يعيشه ويختبره مع أصدقاءه، في المدرسة الخ. يصارحهم لا يعني أنه يصبح ورقة بيضاء أمامنا، هذا مجرد وهم لا بل غير صحي. فمن الطبيعي أن يحتفظ الطفل كالبالغ بأمور معينة لنفسه ولا يصارح بها إلاَّ لمن يريد أو لا يصارح بها مطلقاً (أن أقبل حميميته وعالمه الخاص)، وقبول هذه الناحية هي جزء مهم لبناء الثقة المتبادلة. بقدر ما أعطيه الثقة يبادلني إياها وبالعكس. وعندما نعطي الثقة علينا أن نعي مباشرة أنه لن يكون أمين لها بشكل كامل، وأعتقد أننا نختبر هذا الأمر نحن البالغين أيضاً: ما من أحد في الدنيا يستطيع الادعاء بأنه أمين للثقة المُعطاة له بشكل كامل. المهم أن لا تكون «خيانة» هذه الثقة عن قصد وسابق تصميم كما يقال.

من خلال الحوار أُساعد الطفل على القبول بأن عليه احترام البيت:قوانينه، تقاليده الخ... علينا أن لا نخاف من الرفض، سواء من رفضه لما نطلبه منه، أو رفضنا نحن لتلبية ما يريد، وهذه الناحية مهمة للغاية. اليوم أصبحت لازمة نسمعها دائماً من الأهل: «لا نرفض لهم شيء، كل ما يريدونه موجود»، هذا الموقف من الأهل هو أفضل طريقة ليجعلوا من أبناءهم ما نسميه بلغتنا «الطفل الملك»، أي يصبح هو من يقرر ويفرض قانونه في العائلة بدلاً من العكس.

فأن نطلب من الطفل الطاعة هذا أمر بديهي وعلينا أن لا نخاف منه أبداً. فالطاعة تختلف تماماً عن الخضوع والخنوع. فالخضوع يُحطّ من الإنسان، بينما الطاعة تنميه وتحرره. وبقدر ما يتعلم الطفل أن يطيع بقدر ما يكون قادراً على رفض الطاعة عند الضرورة وأمام قوانين غير عادلة، وبقدر ما نلبي له كل ما يريد، يبقى رافضاً لنا حباً بالرفض وفرض إرادته، وبقدر ما يكون ( وهذا أسواء) عاجزاً على مخالفة آراء أصدقاءه ومن هم حوله مع أنه غير مقتنع بها أو سيئة برأيه الشخصي. لا يمكننا تعلم عدم الطاعة أمام بعض القرارات، إن لم نتعلم الطاعة أولاً.

لا شك بأن الطاعة صعبة من الطرفين، لذلك علينا تعلمها، إنها تتطلب من البالغ أن يسيطر على ذاته لكي «لا يستغل» سلطته على الطفل، إنها تتم من خلال الكلام واللغة والحوار. فلأن الطفل مسموح له بشكل منتظم (يمكنه أن يطلب من البالغ إن كان مسموح له أن يقوم بهذا العمل أم لا) يأخذ المنع معنى. الخضوع يُحط، بينما الطاعة تنمي كما قلت. فالطفل الذي لم يتعلم الطاعة يعيش بقلق وضياع. في الماضي كنا نستقبل أطفال عُصابيين أو «مكبوحين، مثبطين» بسبب التربية القاسية، بينما اليوم نرى أطفالاً ضائعين وقلقين بسبب فقدان المرجعية. مهم أيضاً أن نجعل الأطفال يدركون أنهم في النهاية لا يطيعون أهلهم بل قوانين البيت وبالتالي قوانين المجتمع، أي القوانين المشتركة والمتفق عليها.

تربية حرية الطفل

أن نحب الطفل، هذا لا يعني أن نعطيه كل شيء، ولا القبول بكل ما يقوم به، ولا أن نكون كلية له. حبّ الطفل لا يعني فقط الاعتناء به، و الإصغاء له ولا اللعب معه والسهر على صحته وحياته الاجتماعية، ومساندته في الدراسة، ولا تنمية إمكانياته الخلاّقة ،حبّ الطفل يعني أيضاً تذكيره بأن سلطتكم عليه تأتي من القانون وأنكم لا تستطيعون أن تفرضوا عليه ما يحلو لكم.

تربية الطفل تعني أيضا فرض الحدود والممنوعات، وإعطاءه قواعد الحياة والحياة المشتركة ومساعدته في قبول القانون. معاقبته عند الضرورة بعمل إصلاح من قبله في حال مخالفته له. ولكن بالمقابل عدم نسيان تشجيعه وتهنئته في حال أطاع بحريته. لا يجوز إعلان عقاب لن نمارسه، والسماح له بأمور تتناسب مع سنه، أي لا تضعه في خطر ولا في عدم أمان.

التربية والحب لا يتعارضان مع عيش الطفل بعض الحرمان ولا خيبة الأمل التي تحملها له الحياة. التربية والحبّ يتطلبان أيضاً التعبير عن ثقتكم بإمكانياته ليتجاوز بشجاعة الفشل وتجارب الحياة؛ وعدم الهروب من الصراع معه (لا ينمو الإنسان إلاَّ من خلال الصراعات والأزمات، والمواجهة بين الطفل وسلطة الأهل هي التي ستسمح له ببناء شخصيته)؛ القبول بعدم نجاحه في كل شيء وأن يخيب ظنكم أحياناً؛ ممارسة المسامحة معه، أي إعادة الثقة إليه، أو ثقتكم به. تربية واحترام شخصيته، حريته وتمييزه للأمور ومسؤوليته. عدم مطالبته بتحقيق سعادتكم ولا أن تحققوها له بدلاً منه. تشجيعه لاحترام سلطة البالغين الآخرين الذين نأتمنهم عليه (الأساتذة، المنشطين، الخ.) أن نبين له ونقول له كيف أن القيم الروحية والأخلاقية تجعلنا أكثر سعادة من تملك الخيرات المادية.

لا أريد الإطالة في الكلام. هذه هي الأسس الأهم في التربية، يمكننا التحدث ساعات وساعات ولكن ليس المطلوب. سأتوقف الآن على بعض المواقف التي يواجهها الأهل وتربكهم.

عندما يتشبث الطفل في محل تجاري للحصول على شيء ما وأنتم غير مقتنعين به. لا تترددوا في عدم التلبية موضحين له لماذا. مثلاً لا أرى من ضرورة لشرائه الآن؛ لم أحسب حسابي لشرائه اليوم. من الطبيعي احترام رغبات الطفل، لكن هذا لا يعني أبداً الخضوع لها. فالأهل ليسوا «بابا نويل».

أمام الموبايل، الانترنت والتلفزيون: يقول الأهل بأنهم يعطون الطفل موبايل للاطمئنان عليه. شخصياً لا أؤمن بهذا التبرير؛ كثير من الناس لا يملكون هذه الوسيلة ولا يعيشون بقلق دائم بخصوص أطفاله. الأهم: تريدون تعليم أطفالكم الكذب! أعطوهم موبايل. دون التحدث عن أهمية تعليمهم كيفية استعماله وما هو الهدف منه. يتم تحديد مبلغ معين وفي حال تجاوزه يتم سحب الموبايل منه.

الانترنت: في البيت لا يجوز وضع الكمبيوتر في غرفة الطفل، بل في المكان المشترك بحيث يستطيع الأهل متابعة كيفية استعماله له وتحديد أوقات معينة لاستعماله كذلك التلفزيون.

الخروج والعودة إلى البيت: هنا أيضاً يتم تحدد ساعات معينة ولا يجوز التساهل كثيراً فيها فسرعان ما تصبح القاعدة. بالطبع كل هذه الأمور يجب أن تتم في الطفولة ولا يجوز انتظار مرحلة المراهقة لتحقيقها فيكون قد فاتنا القطار كما يُقال.

ترتيب الغرفة: من الضروري تعليم الطفل على مسؤوليته عن غرفته الخاصة إن وجدت مع القبول في الوقت نفسه بأنها تشكل مساحته الخاصة وبالتالي يستحسن عدم التدخل فيها. لا يجوز أبداً ترتيبها بدلاً منه. لا ننسى بأن الفوضى الخارجية دليل على فوضى داخلية وبالتالي أمام هذه الفوضى يمكننا القول له بشكل سؤال: ألا تعتقد بأنها تعبير عن فوضى داخلية لديك؟ بهذه الطريقة نحول ما هو سلبي بنظرنا إلى وسيلة لبناء الحوار والثقة.

بالنسبة للدراسة: كلنا عبرنا من هنا، وكلنا نعلم بأن ما من أحد إلاّ في حالات خاصة، كان يستيقظ فرحاً لذهابه إلى المدرسة. فلنكن واقعيين. من واجبنا السهر على دراستهم ولكن دون أن تصبح هاجساً:مهم جداً تدريب الطفل على الدراسة لوحده، ومن السيئ جداً حضور أحد الأهل أمامه، حتى دون أي تدخل، أثناء دراسته، لأنه لا حقاً لن يستطيع الدراسة إلاّ إذا كان أحد ما بالقرب منه ومن المفضل حتماً الأم.

في النهاية التربية تبقى فن. فن التوازن بين المتطرفات لكي نتعامل بتوازن مع أبناءنا وهذا دون شك ليس بالأمر السهل.

جديد الموقع
أسئلة وأجوبة
كيفة يسمى sوnمغناطيسي

عذرا لم أفهم السؤال

في انجيل متى مكتوب ان النسوة امسكت قدمي يسوعوإِذا يسوعُ قد جاءَ لِلِقائِهما، فقالَ لهما: «السَّلامُ علَيكُما!» فتَقَدَّمَتا وأَمسَكَتا قَدَمَيه ساجِدَتَينِ له.اما في انجيل يوحنا منعها يسوع من ان تمسكه فقالَ لها يسوع: «لا تُمسِكيني، إِنِّي لم أَصعَدْ
  • هذا يعني أن كل إنجيلي يريد التركيز على نقطة معينة. بالنسبة لمتى إنه هو المصلوب وقد قام. بالنسبة ليوحنا القائم من بين الموات لم يعد خاضع للزمان والمكان فلا يمكن الامساك به