header logo
وُلِدتُ دُونَ أن أطلُبَ، وسَأمُوتُ دُونَ أن أُريد، فَدَعُوني أَعيشُ حَياتي كَما أَرغَبْ

معنى الجسد الإنساني

الجسد بين التمجيد وعدم التقدير


البعد الأنثروبولوجي:

توجد قناعة منتشرة بأن الكنيسة لم تُقدر بالكفاية قيمة الجسد، لا بل أكثر من ذلك فقد ذهبت، من خلال تاريخها، إلى احتقار الجسد وأنها كانت تقمع بشكل كبير بعداً مهماً من كيان الإنسان ألا وهو الجنس.
الكنيسة متهمة بأنها تعتبر الجسد "chair" المكان المفضل للخطيئة. بينما لا نرى هذا في الإنجيل بتاتاً. تتهم بأنها أكثرت من أعداد الممنوعات، كما أنها تتهم أيضاً بأنها أهملت أو أغفلت القيمة الإيجابية للذة ودورها المهم في بناء الإنسان.

 

كل هذه الاتهامات فيها شيء من الصحة. وإذا أصغينا لهذه المحاكمة، نستخلص بأن الجنس، خلال عشرون قرناً، لم يكن بالنسبة للمسيحيين سوى ثمرة ممنوعة، لا يمكن استهلاكها إلاً من أجل الإنجاب.
الواقع والحقيقة ليسوا بهذه السهولة. في سنة 1985 ظهر كتاب اسمه "الثمرة الممنوعة" كتبة أربعة من أساتذة الجامعة في فرنسا يحاولون فيه تبرئة الكنيسة من هذه الاتهامات الثقيلة، مبينين بأن الأخلاقيات المسيحية أخذت الكثير من الديانات القديمة بالإضافة إلى أن هناك ما نسميه "بالأخلاق البرجوازية" إن صح التعبير والتي ليس أقل قساوة من أخلاقيات الكنيسة.

صورة الجسد الممجدة:

مهما كان الأمر علينا أن تساءل: ماذا نلاحظ اليوم؟ بسبب ردة فعل قوية، ولأن الأخلاق المسيحية لم تعد هي النموذج (في المجتمع الغربي)، ولأسباب أخرى نعرفها أو نجهلها، نلاحظ أن مجتمع اليوم، المجتمع الاستهلاكي، الرأي العام ووسائل الاتصال، والدعايات، كلها تعطي أهمية كبيرة جداً للجسد، أو أكثر تحديداً لصورة الجسد.
ولكن ليست أية صورة ما يلفت النظر في كل هذه الوسائل هو التركيز على جمال وشباب الجسد. جسد جميل ومرغوب. جسد لذة لا يمكن تلبيتها تماماً، جسد لا يعرف الكبر أو العجز أو الشيخوخة، جسد جاهز دائماً للاستمتاع ولجعل الآخر يستمتع بدوره.
وليس من باب الصدفة أن نلاحظ، في الوقت نفسه، ظهور نظريات وتقنيات متعددة ومتنوعة موضوعها هو الجسد. كلها تهدف لخلق الانسجام الكامل بين الجسد والروح. رقص حديث، يوغا، «فنون حربية» … كلها تهدف للانسجام ولوحدة الجسد. ولكن ما هو الموضوع في الحقيقة؟ استغلال، وجرد كل المصادر والطاقات المخفية في الجسد وادمج بشكل متجانس الأحاسيس، مما يولد لذة وسلام.
في إحدى الكتب التي تعالج هذه التقنيات نقرأ ما يلي: «إذا وعيتم لجسدكم تلاحظون أنه يتغير، يصبح فعال وجميل، وبالتالي يتغير تفكيركم». «أياً كنتم، إذا أردتم أن تتحولوا فبدأوا بجسدكم».
نلاحظ أنه يتحدث عن جسد بريء للغاية ودون أي غموض، دون وجود شعرة من الشذوذ؛ فالهدف هو السيطرة على كل المشاعر السلبية: الحسد والغيرة والغضب الخ. لا بل هناك أفضل: حتى الخطايا المميتة يمكن إقصاؤها بفضل هذه التقنيات.
من خلال هذا التفكير هناك ما يجب علينا أن نصغي إليه. لأننا جميعاً نرغب في تحقيق الوحدة، تلك الوحدة التي تبقى هشة ولا يمكن بلوغ كمالها، وحدة بين متطلبات الجسد ونداءات الروح. كما أن في أعماقنا وعد، مباح به أو لا يزال خفي، وعد بالهروب من محدودية الزمن والشيخوخة، والألم، وأخيراً الموت. وبالمناسبة تطور الطب اليوم يعكس لنا مجدداً هذه الصورة لعالم ألغي فيه كل من الألم والموت.
ومع ذلك، فنون الجسد هذه، صور الدعايات التي تعرف كيف تمسنا في أعماقنا، تطرح سؤالاً مهماً: ماهي غاية هذه التقنيات؟ بإمكاننا التعبير عنها بكل بساطة؟

جسد لماذا ولمن؟

منذ البدء والإنسان يهتم بالجسد، ولكننا اليوم في بداية هذا القرن، الذي أطلقت فيه طريقة جديدة في التربية الرياضية والتي تدعى بالتربية الطبيعية، نحن على نقيض قول (هيبير: Hébert) «أن أكون قوياً لكي أخدم بشكل أفضل». بينما شعار اليوم هو أن أكون مرتاحاً مع ذاتي (جسدي).
إنه لطبيعي ومستحسن أن يكون الإنسان منسجماً مع ذاته. خصوصاً أن انسجام الإنسان مع ذاته، سكن الإنسان لجسده لهم تأثيرات إيجابية على علاقاته مع الآخرين.
ولكن في هذه التقنيات التي نوهنا إليها يتم التركيز على ألذات وعلى اللذة الذاتية. فالتعبير بحد ذاته «أن أكون مرتاحاً مع ذاتي» (جسدي) يشير جيداً إلى أن المهم في الأمر كله هو ذاتي، داخلي أنا وليس ما هو في الخارج. فالتركيز والانتباه على ألذات بهذه الطريقة، هذا النوع من التناغم مع ألذات يتطابق مع النزعة إلى الفردية، ولكن هذا لا يعني أن نتخلى عن هذا البحث عن ألذات إنما علينا أن نصغي إليه.
كما أننا نلاحظ بأن المجتمع الذي يلجأ، من خلال هذه الصور والتقنيات، لتمجيد الجسد، يسعى في نفس الوقت لنفي أو لإخفاء الجسد المتألم والجسد الذي يكبر وفي النهاية الموت. اليوم نخبئ الموت إلاَّ إذا كان مهيب.
بالمقابل، ومنذ بضع سنين، ظهرت مواقف حقيقية بالنسبة للشيخوخة وللألم. يمكننا هنا التفكير بالتقنيات المتعلقة بالعلاج المؤقت أو بالعلاج المهدئ، بالإضافة إلى كل أنواع العلاجات التي تهدئ الألم دون أن ننسى ظاهرة مرافقة من يقتربون من الموت. هذا العمل إيجابي للغاية، لأن السعي إلى الموت الرحيم يرتبط غالباً بالخوف من الموت بآلام رهيبة لا تحتمل.
يبقى أن نلفت الانتباه إلى أن وسائل الإعلام تنسى أو بالأحرى تتناسى أمراً مهماً للغاية: هذا الجسد الممجد، هذا الجسد المعروض من أجل الاستمتاع، هو أيضاً جسد متألم وعلينا أن نأخذ على عاتقنا الوجهين.
أعتقد أنه بسبب هذا التمجيد للجسد من قبل المجتمع، إنسان اليوم لم يعد مستعداً لقبول شيخوخة جسده الحتمية، وأن هذا الجسد قد يتغير ويصبح جسداً مجروحاً، مائتاً وأقل رغبة أو بالأحرى غير مرغوب نهائياً. وهذا الأمر يتم في الوقت الذي نسعى فيه لإطالة عمر الإنسان.
بعد أن عرضناً هذا التمجيد للجسد يبقى السؤال: أي مكان للجسد بين التمجيد وعدم التقدير؟ كيف يمكن إقامة علاقة صحيحة مع جسدي وجسد الآخر؟ وما الذي يستطيع أن يؤسس أو يبني حقيقية هذه العلاقة؟ هذه الأسئلة تفترض سؤالاً سابقاً لها.

ما هو الجسد؟
* شيئاً من بين الأشياء: الجسد، ظاهرياً هو شيء من بين الأشياء، وككل شيء محدود، كامد أو كثيف، محدد؛ شيء من الممكن وصفه، تحليله جسدياً، كيميائياً، بيولوجياً.
جسدي يفرض عليّ حدود معينة. هو قبل كل شيء ما يمنعني أن أكون في مكانين في آن معاً.
بالإضافة إلى أن جسدي يحدد ما هو في الداخل وما هو في الخارج وعلى الحدود هناك جلدي – هذا «الكيس من الجلد» إن صح التعبير يحتويني، يغلق عليَّ، يفصلني، يعزلني ولكن – في نفس الوقت هو إمكانيتي في الاتصال مع كل من هو ليس أنا، مع العالم ومع الآخرين. ومع الله، إذا كان لهذا معنى بالنسبة لي. هذا التباين يكمن إذاً في كون جسدي هو ما يغلقني على ذاتي ويفصلني عن الآخرين، وفي نفس الوقت هو الوسيلة التي من خلالها أتصل معهم. باختصار جسدي هو مساحتي الاجتماعية (وجودي الاجتماعي) إن صح التعبير. والمختصين بأمراض الجلد يدركون تماماً العلاقة بين بعض أمراض الجلد والمشاكل المتعلقة بالعلاقة مع الآخرين.
محدود في المكان، علينا أن لا ننسى أن الجسد محدود في الزمن أيضاً، وبذلك يصبح تاريخ. يمكننا القول بأن تاريخنا الشخصي يوجد في جسدنا بقدر ما نعيش ونصنع هذا التاريخ. تجعداتنا التي تزداد مع الزمن هي إحدى العلامات الواضحة لهذا التاريخ. جسدي هو إذن حضوري في العالم، بمعنى آخر خارجاً عن جسدي ليس لي من وجود إنساني. إنه الوسيلة الرائعة لحضوري للعالم والتي دفعت صاحب المزمور إلى القول:" عجيبة أعمالك" وهو يتكلم عن صنع الله له.
فما هو الجسد إذن؟ إنه الوسيلة التي بها ومن خلالها يعيش الإنسان وجوداً شخصياً، ويمارس ويظهر حريته في علاقاته مع ذاته ومع الآخرين ومع العالم وأخيراً مع الله. إنه ما يجعل من الإنسان كائن ذو علاقة – وأعتقد أنه لا نستطيع أن نقول شيئاً أكثر جوهرياً من ذلك عن الإنسان.
فبجسده ومن خلال جسده يحب الإنسان، ويستمتع، ويتألم ويعمل، ويصلي. باختصار كل شيء يمر عبر الجسد.
شيء ليس كباقي الأشياء:
ظاهرياً الجسد هو شيء من بين الأشياء، ومع ذلك ليس كباقي الأشياء، ولكنه واقع خاص ومميز. هذه الميزات تظهر أقله بطريقتين مختلفتين:
1- بالطريقة التي أتكلم فيها عن جسدي. لا أستطيع القول «أنني جسدي» ولا «أنني أملك جسداً». لأنه من المؤكد بأنني أكثر من جسدي، حتى ولو أنني لا أوجد خارجاً عنه. كما أنني لا أستطيع القول «أنني أملك جسداً» لآن جسدي ليس خارجاً عني: لا أعلم ما يمكن أن يكون الفاعل هنا.
2- ما يميز الجسد الإنساني وما يجعله فريداً يظهر من خلال العلاقة مع الجسد الميت، وهذا في كل الحضارات الإنسانية بمختلف أشكالها. هنا يمكننا التوقف على ظاهرتين:
هناك كلمة تستعمل للتعبير عن الجسد الميت: الجثة. بالمقابل الجسد الذي تحول إلى جثة أصبح موضوع للدفن.
هاتين الظاهرتين تبين لنا بأن الموضوع ليس فقط موضوع جسد، وأنه مع ذلك يمس واقع إنساني: لم يعد سوى غنيمة، كما أنه لم يعد مركز للعلاقات. لم يعد جسداً لأنه لم يعد حياً ومع ذلك يبقى واقع إنساني. ولكن ليس لأي كان: بالنسبة لم كانوا على علاقة معه، وأن هذه العلاقة كانت قوية وحميمة. بالنسبة لمن عرفوا هذا الميت، الغنيمة تلخص كل تاريخه، وكل الاختبارات التي عاشوها معه. إنها الأثر المؤقت.
من المعروف أن الإنسان هو الحيوان الذي يدفن موتاه. هذه المقولة المهمة على صعيد البحث التاريخي وخاصة مرحلة ما قبل التاريخ، لها أهمية قاطعة على الصعيد الأنثروبولوجي: الإنسان هو الحيوان الذي يتذكر من عاش معهم، ويتفاعل معهم كمن، بطريقة أو بأخرى، لا يزالون حاضرين معه.
فالطقس الشامل للدفن يقول لنا أمرين: مأساة الوجود الإنساني، والرجاء الخفي للأحياء. المأساة، لأنه مهما كان هادئاً وخفيفاً وطبيعياً يبقى الموت قطع، نهاية مطلقة للكائن المحبوب. فالموت يدشن، مرحلة جديدة، مرحلة ما «لم يعد» تلك المرحلة التي بدورها تحدد مرحلة «ما قبل» ومرحلة «ما بعد». إنه الفشل بحد ذاته للوجود الإنساني، إنه فعلاً التعاسة الشاملة والتي لا يمكن مداواتها. ولهذا السبب، برأي، نراه وراء كل أنواع مخاوفنا. ولكن بالمقابل الاحترام الكبير للجثة من خلال مراسم الدفن يعبر عن رجاء يقول لنا بأن كل شيء لم ينتهي.
بحسب التقاليد الدينية يستسلم الأحياء للفكرة القائلة بأن المتوفي يحيا دائماً، حتى ولو كان وجوداً أدنى، هزيلاً، حياة ظل أو حياة شبح. بحسب بعض الثقافات أو الحضارات يقدم للميت طعاماً، أو نسعى بشتى الوسائل للحفاظ على الجسد من التلاشي لأكبر فترة زمنية ممكنة. هذه الطقوس تسمى بالتحنيط أو بالتصبير. ما نقوله هنا عن الجسد الميت محفور في عمق كل كائن بشري. هذا ما توضحه ردود فعل البشر حول اغتصاب القبور، أو في حال اكتشاف مقابر جماعية وهذا الأمر لا يعود إلى الماضي البعيد. فالرعب الذي يولده هذا الأمر، الاحترام العفوي للجسد الميت يجعلوننا نقول أنا هنا بعد شامل قد تم لمسه.
يمكننا أن نضيف إلى ذلك كل الصور التلفزيونية التي نشاهدها يومياً وخاصة عندما، بمناسبة وجود معارك أو حروب، يعرضون لنا بعض الجثث البريئة (ولكن ليس لكل الناس) والمتروكة على الأرصفة. إنسان أصبح مجرد شيء بسبب عنف إنسان آخر أو بسبب بعض الناس. ولكن بالحقيقة لم يصبح بالفعل مجرد شيء لأنه عادة إما يغطى الوجه أن يوضع الميت على بطنه. إنها صور سخيفة وغير محتملة في آن معاً. شخصياً في هذه الحالة أفكر بأن هذا الإنسان كان طفلاً صغيراً مرغوباً ومنتظراً ومحبوباً وأن أهله قاموا بالكثير لكي ينمو ويكبر. أفكر بكمية الحب والانتباه والسهر الذي يتطلبه تحقيق إنسان ما. أفكر بالذين أحبهم وأحبوه. في كل الأحوال وبدون أي شك، هذا الجسد ليس شيئاً كباقي الأشياء، وعندما يصبح مجرد جثة هذا الأمر يظهر أكثر.
لقد قلت أن جسدي هو حضوري للعالم أو في العالم، والحضور ليس شيئاً إنه من المجال الروحي. إنه يمر من خلال الجسد، ولكن يمكنه أحياناً التخلي عنه أو تجاوزه. فعندما يكون المتحابان بعيدين عن بعضهما البعض يبقان متحابين، حتى ولو كان الحب يتطلب الحضور الكلي، أي جسد وروح.
لهذا السبب أعدل التعريف الذي أعطيته في البداية عن الجسد وأقول: جسدي هوالوسيلة التي من خلالها يعبر عن ذاته في العالم، يصنع العالم ويتأثر ويتحول من قبل العالم.

الجسد كوسيلة للروح:

الآن سوف أتوقف على بعض الأماكن المميزة التي تبين على أن الجسد هو وسيلة للروح… وأعتقد أنه علينا أن نقول أكثر من ذلك: الجسد معطى لنا لكي يظهر الروح.
اليد: اليد هي نهاية عضو أمامي، ولكن لدى الإنسان وبسبب وضعية الوقوف، اليد حرة لأعمال متعددة.. غير السير على الأربعة. حتى ولو أننا بدأنا جميعا من هنا.
القديس والمعلم توما الأكويني يقول لنا شيئاً مذهلاً: «ما يكوّن الإنسان هو الروح واليد». لا شك بأن اليد هي إحدى العلامات الهامة على الذكاء. فبواسطة اليد يسيطر ويتحكم الإنسان بالعالم: واللغة تعبر تماماً عن ذلك، عندما تتحدث عن وضع اليد أو الاستيلاء على كل شيء. أكثر تحديداً الإنسان هو صانع العالم من خلال الأدوات، التي يصنعها والتي تعتبر امتداد ليده.
يمكننا القول بأن اليد هي عملة للروح. فبفعل اليد كل إنتاج الإنسان من علم أو فن أو ثقافة هم امتداد لجسد الإنسان. العالم المتحضر والمؤَنّسن، هو بالفعل جسد الإنسان المتمدد، المنتشر في العالم، ليس فقط لأننا متجذرين في هذا العالم من خلال ما يوجد لدينا من بيولوجي أو من غريزي، من خلال الجزء الحيواني الذي فينا، إنما لأن هذه هي دعوتنا: عملية إتمام الخلق تركت للإنسان لكي يجعل من عالم الطبيعة عالم حضاري، وهذا من خلال اليد، حيث يظهر الإنسان على أنه روح خلاق.
الوجه: كلمة وجه خاصة بالإنسان: الوجه هو الوجه الإنساني. علماء الأنثروبولوجيا يوضحون لنا بأن اليد هي التي سمحت لوجه الإنسان أن يظهر. بالنسبة للحيوان، ما هو محوري ومهم، هو ما يسمح له بالأكل، بما أن الأكل هو ضرورة حياتية. من هنا أتت أهمية وضرورة الفك، والمنقار، كلها أعضاء تدل على وجود عنف من أجل الهجوم على الطعام. لأن الحيوان لا يملك يد لكي يأخذ الطعام بها. ما هو خاص بالإنسان في وضعية الوقوف، هو أن اليد يمكنها أن تأخذ الطعام وأن الوجه محرر من أجل وظائف أخرى غير الأكل. بتحضر الإنسان يصبح الخطم وجهاً، كلمة لا تستعمل إلا للإنسان.
التحدث عن الوجه، يعني التحدث عن شيء يتعلق بالإنسان: بشكل خاص الضحك وبالطبع الكلام.
لن أتكلم عن الكلام، إلاّ لكي أقول بأن الإنسان هو الوحيد الناطق، أي أنه ينطق بمجموعة منظمة من الأصوات مرتبطة بسلسلة من المعاني. فالكلام هو عبارة عن نظام رمزي من الأصوات مرتبط بنظام من المعاني. فمن خلال الكلام يتأنسن الطفل الصغير: فالأمهات والرضع يعرفون جيداً هذا الأمر بما أنهن يتحدثن بشكل عفوي تماماً مع أطفالهن أو تغنين لهم بعض الأغاني. من خلال الكلمة ينفتح الإنسان على عالم اللقاء، على عالم العلاقة الإنسانية وعلى الحوار. ولكن أيضاً على عالم الفكر، لأن كل الأمور مترابطة: لا يمكن للإنسان أن يفكر إن لم يكن قادر على الكلام. لا وجود لفكر مفكر أو متبصر إلاّ حيث توجد اللغة. «واللغة هي الإمكانية التي يمتلكها البشر في الاتصال بينهم والتعبير عن فكرهم من خلال العلامات الصوتية» هذه العلامات ينتجها الجسد.
الجنس: الجنس الإنساني هو، بالإضافة إلى نواحيه الأخرى، لغة الجسد التي تقول أكثر من الجسد. فالجسد المجنَّس معطى لنا لكي يستطيع الروح أن يعبر عن ذاته من خلاله. ولكن الجنس قد يكون المكان الذي فيه تظهر بشكل أوضح هشاشة وحدتنا الإنسانية: وحدة الجسد والروح. لأن الغريزة تعبر عن ذاتها من خلاله بشكل قوي جداً قد تخنق فيه الروح. لهذا السبب أنسنة الجنس هي عملية لا يمكن أن تنتهي إطلاقاً.

وحدة الشخص الإنساني:

ما يبدو من خلال هذه الأفكار التي تحدثنا عنها هو أننا واحد بدون انفصال جسد وروح.
علينا التركيز على هذه الفكرة، لأنه شئنا أم أبينا، يبقى فكرنا متأثر بالفكر اليوناني القديم: الإنسان كائن مزدوج وليس موحد (جسد فان وروح خالدة).
كل الفكر الغربي خاصة الذي أثر بنا بما فيه الكفاية والذي تأثر بدوره بالفكر اليوناني القديم، علمنا هذا "الانفصال" بين الجسد والروح، مع شيء من عدم الثقة بالجسد، أو النظرة السلبية له، لكونه معتبر مصدر فوضى، أو ضعف، وبالفكر المسيحي مصدر للخطيئة. فالروح أو النفس عليها أن تخرج من الجسد، سجنها، وإلاّ تبقى سجينة لهذا الجسد الذي يقودها للظلمات.
بينما الفكر السامي، فكر الكتاب المقدس بعيد تماماً عن هذا المعتقد. في نظر الكتاب المقدس، الجسد ليس بعنصر خارجي يمكن للروح الاستعاضة عنه. فالجسد هو جزء أساسي وجوهري من كياننا الإنساني. والفيلسوف نيتشه يقول «لدي كلمتين أقولها لمن يفكر سلباً بالجسد. ليبدؤوا بالتخلي عنه…ثم ليأتوا ويتحدثون معي».
إذا قارنا بين وحدتنا والكلام يمكننا القول بأن الجسد والروح مترابطين بعضهم ببعض على صعيد الوجود، كارتباط الصوت والمعنى على صعيد اللغة. فالروح لا يوجد أبداً بدون جسد – والجسد بدون الروح يصبح جثة. كل ما هو متعلق بوجودنا الإنساني يعبر من خلال الجسد. كل شيء مرموز له من خلال الجسد. في أعمالنا الأكثر روحية الجسد حاضر ويفرض علينا متطلباته، حدوده، ولكنه يجعل هذه الأعمال ممكنة أيضاً. فليس الروح هو الذي يصلي، الإنسان بكليته هو الذي يصلي.
على ما أعتقد المسيحيين بدءوا يكتشفون دور الجسد في التعبير الديني الطقسي والإيماني. وبشكل عام إنهم يخرجون من نوع من الازدواجية، أو من ملائكية خطيرة يعبر عنها المفكر الفرنسي باسكال: «من أراد أن يكون ملاكاً كان غبياً».
فوحدتنا إذن هي دائماً هشة، مشكوك بها، علينا دائماً أن نصنعها، ولكن لا يمكننا التخلي عن هذه المهمة. لأن المهمة، ومن خلال كل التعقيدات التي تمسنا، هي أن نجعل الروح يقود المسيرة. ما هو مصيري في الموضوع هو تحقيق ذاتنا، شخصيتنا، في النهاية تحقيق نمونا الصحيح. إنها مهمة أو عمل ولكنها أيضاً اختيار: إذا لم نعمل بصبر لكي يكون الروح فينا هو الذي يقودنا، نستسلم آنذاك لنزواتنا مع كل ما تحمله من فوضى: مستبقين قليلاً الموضوع يمكننا أن نذكر قول القديس أغوسطينوس: «إن لم تصبحوا روحانيين حتى في عمق أجسادكم، تصبحون جسديين في صميم روحكم».

بعض الأفكار الكتابية:
الجسد في العهد القديم: إنسان العهد القديم لا يعرف المعارضة بين الجسد والروح. والمزمور 84 يقول : «ما أحب مساكنك يا رب القوات تشتاق وتذوب نفسي إلى ديار الرب». فالرغبة في رؤية الله في الجسد نجتاز مجمل الكتاب المقدس. بعض الأمثلة:
- أيوب يتحدث عن القيامة على أنها قيامة الإنسان بمجمله: «فاديَّ حيٌّ وسيقوم الأخير على التراب. وبعد أن يكون جلدي قد تمزَّق أعاين الله في جسدي» (أي 19، 26).
- موسى يطلب إلى الله: «أرني وجهك»
- وفيليب يقول ليسوع: «أرنا الآب ويسوع يجيبه بالكلمات عينها: من رآني فقد رأى الآب».

هذا يعني أنه بالنسبة لفيليب ولنا أيضاً ليس هناك وسيلة أخرى لرؤية الآب سوى رؤية يسوع نفسه. ولكن بالنسبة لنا يسوع اختفى، حجب عن عيوننا، عيون الجسد. ما من أحد يستطيع أن يلتقي به يوماً على إحدى مفارق الطرق. علينا إذن أن نجدد نظرتنا لكي نراه حيث يبدو أنه غير موجود، بينما يقول لنا بأنه حاضر فيها: في كل إنسان وبشكل خاص في الإنسان الضعيف، في الأكثر فقراً؛ أي في الجسد المتألم. حضور الله في الإنسان المريض يجعلنا نفكر في موت المفكر الفرنسي باسكال (Blaise Pascal) الذي، بسبب آرائه اللاهوتية رفضت المناولة له لدى اقترابه من الموت. فطلب أن يوضع بجانبه مريض فقير ويكون له نفس العلاج الذي يخضع به باسكال قائلاً: «بسبب عدم استطاعته المشاركة (الاتحاد) بجسد المسيح، فإنه على الأقل يتحد مع أحد أعضائه المتألم». في الحقيقة نلمس هنا المعنى المسيحي المرهف لمعنى الجسد المتألم، وما هو جسد المسيح السري.
- في تصوراتنا عن الإنسان نضع بسهولة كبيرة ردود الفعل والصلاة على الصعيد العقلي، بينما إنسان الكتاب المقدس يقول «بأن الله فاحص القلوب والكلى» (مز 7، 10).

دائماً في الكتاب المقدس، يُستعمل الجسد البشري يطرق مختلفة للتحدث عن الله. يتحدث لنا عن ذراع الله الذي يحقق المآثر، وعن صوته الذي ينادي ويعزي، وعن قلبه لكي يقول حبه، وحنانه واستطاعته على المغفرة.
دون شك التحدث عن الله بهذه الطريقة، يشكل خطر الوقوع في تشبيه الله بالإنسان، أن نصنع من الله على صورتنا.... ولكن هل يمكن للإنسان التحدث عن الله بطريقة أخرى غير الكلمات الإنسانية، وانطلاقاً من خبرته كإنسان؟
ولكن في الحقيقة كاتب الإنجيل ليس بمغفل وبالتالي لا يأخذ هذه الصور بحرفيتها ولا على أنها الواقع. حدثين يوضحان لنا هذه الناحية:
- للحماية من الوقوع بهذا النوع من التشبيه، يمنع العهد القديم كل صور عن الله، كل تصور حسي عن الله يحاول أن يعطي لله هيئة جسد إنساني. والوصايا تقول لنا:«لا تصنع لك منحوتاً ولا صورة شيء مما في السماء من فوق، ولا مما في الأرض من أسفل، ولا مما في المياه من تحت الأرض» (خر 20، 4). فالهدف في النهاية هو حماية تعالي الله، غيريته المطلقة بالنسبة للإنسان؛ إنه الآخر يحد ذاته.
- الحدث الثاني، الطريقة التي يعبر عنها الكتاب المقدس عن كيفية خلق الله للعالم. خلافاً للأساطير القديمة حيث الآلهة تخلق بالولادة ومن مادة مسبقة الوجود، بينما إله الكتاب المقدس ليس بمنجب؛ إنه الخالق، خارجاُ عن كل جنس. لم يولد الإنسان: شعبه هو شعب مُتبنى.

عملية الخلق كما يقدمها لنا سفر التكوين تقول لنا أمراً آخر: جسد الإنسان الذي خرج من الطين- وهذا يبين لنا أصلنا الترابي، الكوني – هذا الجسد المائت ككل ما هو حي يتميز بما يلي: المخلوق الوحيد الذي قيل فيه أنه مخلوق على صورة الله كمثاله مما يشير إلى وجود دعوة، ورسالة: لم يخلق الله إنساناً محققاً، بل إنسان يجب تحقيقه، مسلم لحكمته الشخصية كما يقول لنا سفر الحكمة. إنسان خلاًّق، مثل الله نفسه، ولكن قبل كل شيء خلاًّق لذاته. إنسان يبلغ ذروة إنسانيته في يسوع. فليس آدم هو الإنسان الكامل. فالإنسان الكامل. آدم، يقول بولس الرسول، ليس سوى ظل ما سيأتي. فالإنسان الكامل، الإنسان المُحقًّق، هو ما يسميه بولس آدم الجديد: يسوع المسيح. وآباء الكنيسة اليونان يقولون بخصوص المقارنة بين آدم ويسوع: عندما خلق الله الإنسان كان يفكر بالمسيح، على أنه الإتمام الناجح للبدء الذي يشكله آدم.

الجسد في العهد الجديد:
العهد الجديد يساعدنا على تجديد موقع الجسد الإنساني في الكتاب المقدس وكرامته.
أقول بداية أن احتقار أو ازدراء الجسد الذي كان موجوداً لدى المسيحيين أمر غريب جداً، بما أنه لا وجود لدين آخر يعطي للجسد الأهمية التي يعطيها الإيمان المسيحي، بما أنه لا يكتفي بالقول بأن جسدنا مخلوق من قبل الله، بل أن الله لم يتردد في أخذ جسدنا كما هو، بضعفه، وبمحدوديته، وبهشاشته، وبموته. أخذه لا ليتركه لنفسه (لنفس الإنسان) بل لكي يؤلهه. بهذا المعنى يقول لنا القديس إيريناوس أحد آباء الكنيسة: «المسيح هو الله الذي صار إنساناً لكي يصبح الإنسان إلهاً».
فالمسيح القائم من بين الأموات كشف كامل للإنسان. إنه يقول للإنسان دعوته. إنه يعلمنا من أين نأتي وإلى أين نذهب. وبشكل خاص يقول لنا ما هي دعوة أجسادنا: إلى ماذا هي مدعوة؟
ظهورات القائم من بين الأموات: بداية أقول بأن هذه الروايات لها وضع خاص ومختلف عمًّا روي لنا عن يسوع التاريخي. فالقيامة ليست حدث تاريخي بالمعنى الحصري للكلمة، بما أن القائم من الموت، من خلال القيامة، لم يعد خاضع للتاريخ. وبالتالي من المفضل التحدث عن حدث خارج التاريخ.
ما هو تاريخي بالمعنى الدقيق للكلمة هو خبرة وشهادة الرسل: نساء ورجال عاشوا مع يسوع واعتبروه المسيح يشهدوا بأنهم رأوه بعد موته على الصليب. وقالوه بقوة وهم مستعدون للموت بدلاُ من أن ينكروا إيمانهم بيسوع الحي.
في روايات القيامة، معرفة يسوع القائم والاعتراف به على أنه هو ليس بالأمر البديهي، ولا المباشر. لماذا؟ لأنه يعني الانطلاق من اختبار حسي ملموس (النظر واللمس والسمع) والوصول إلى معرفة إيمانية؛ مما يتطلب مفهوماً جديداً لما قاله يسوع التاريخي، ولتصرفاته السابقة، ولتنبؤاته عن موته. هذه الناحية واضحة جداً في رواية تلميذي عمَّاوس.
قلت معرفة، لأن يسوع لا يظهر إلاَّ للرجال والنساء الذين عرفوه سابقاً. وهذا يساعدنا لكي نفهم أسباب الظهورات. بالإضافة إلى أن المعرفة في الكتاب المقدس لا تعني مطلقاً معرفة عقلية، إنما علاقة وخبرة حياتية: «فعرف الإنسان حواء امرأته فحملت وولدت قاين» (تك 4، 1) «كيف يكون لي هذا وأنا لا أعرف رجلاً» تجيب مريم الملاك جبرائيل.

وظيفة الظهورات: هناك شيء من الضرورة للظهورات، حتى ولو كان زمنها محدود جداً.
في الحقيقة حتى ولو كان عمل القيامة لا يمكن إدراكه والوصول إليه، فالموضوع هو السماح لهؤلاء الناس بأن يشهدوا لحدث القيامة. فالموضوع هو إمكانية استيعاب الأمر بأن المسيح حي ما وراء الموت، وأن القائم في يوم الفصح هو عينه المصلوب في يوم الجمعة العظيمة. فالظهورات تلعب دور الجسر، همزة الوصل، استمرارية الهوية، بين الموت والقيامة للإنسان نفسه: يسوع الناصري.
إذن لا بد ليسوع من أن يظهر ذاته، ويسمعونه، ويلمسونه، هو الذي فلت من سيطرة التاريخ والعالم، يظهر ذاته لرجال ونساء لا يزالون هم في التاريخ. من هنا يأتي هذا الأسلوب الغريب للظهورات كما يرويه لنا الإنجيل.
إنه يظهر لتلاميذه وهذا مصدر مفاجأة ومصدر فرح أيضاً. (لو 24، 41) وهذا الأمر لا يخلو لديهم من الشك: ويسوع يرفع هذا الشك من خلال تكراره لأعمال معروفة من قبلهم مبيناً لهم أن له جسداً وليس بشبح. يطلب طعاماً ويأكل أمامهم شيء من السمك المشوي. ليس فقط لديه جسد، بل هو مصلوب يوم الجمعة.
فالقائم من الموت هو نفسه المصلوب، لكنه لا يخضع للعوامل المكانية ـ الزمانية: موجود حيث يريد وعندما يريد. لا تقول لنا الروايات بأنه كان يدخل ويخرج، بل كان يظهر ويختفي. يظهر والأبواب مغلقة.
لهذه الروايات ناحية أخرى: هناك غموض حول هوية القائم. من المركبة يعتقد التلاميذ أنه أحد سكان المنطقة الغير معروف، ومريم المجدلية تعتقد أنه البستاني، وتلميذي عمَّاوس لم يعرفاه وهو معهم في الطريق.
لماذا هذه الصعوبة في معرفته؟ لوقا يقول «بأن أعينهم حجبت عن معرفته». كان لا بد من القراءة المطولة للكتب المقدسة مع أعمال تقسيم الخبز في المنزل لكي يصلا إلى معرفته. وعندما عرفاه، أي عندما أصبح إيمانهم حياً من جديد، اختفى مجدداً: الآن يعرفان بأنه حيُّ. فالوقت الآن هو للشهادة. وهذا ما يفعلونه: يذهبون مسرعين لملاقاة الجماعة وإعلان النبأ.
هذا يبين لنا بأن الإيمان بيسوع يتطلب اهتداء، تحول في النظر: لا يمكن معرفته كما هو إلاَّ بعيون الإيمان، ولهذا السبب مريم أمه لم تشعر بالضرورة للذهاب إلى القبر. وهذا الأمر ينطبق حتى على مرحلة ما قبل القيامة: كثيرون راؤه لكنهم لم يؤمنوا به.
هذا الغموض في الهوية يقول لنا أمراً آخر: أن يظهر بمظهر أحد السكان، أم بمظهر البستاني، هذا يعني أننا مدعوون لمعرفته في كل إنسان. علينا أن نكتشفه في الآخرين وأن نكتشف الآخرين به.

الجسد الروحاني: فجسد القائم من الموت لا يخضع إذن لقيود المكان الزمان، فبإمكاننا القول بأنه جسد له مواصفات الروح والذي، كالروح، يفلت منا. وبولس الرسول يتحدث عن الجسد الروحاني (soma pneumatikon). لغة صعبة، ولكن هذا أفضل تعبير عن الوحدة بين الروح والجسد. جسد حقق الوحدة المطلقة بين الجسد والروح وبالتالي يعيش كلية انطلاقاً من الروح. بهذا المعنى هو جسد روحاني. هذه الوحدة هي وحدة القائم من بين الأموات. ونحن مدعوون لتحقيقها في حياتنا.
والأب فرنسوا فاريون يتجرأ ويقول بأن هناك جسد إنساني، جسد متجلي، متحول، روحاني دون شك لكنه جسد إنساني ضمن الثالوث. علينا في الحقيقة التأمل مراراً في هذه الأمور، بما أن الوعي المسيحي مملوء من التصورات الغير متجسدة. بينما تجسد الله، نزوله في جسد إنساني هو أمر لا يمكن التراجع عنه.
فالتأكيد على أن المسيح حيُّ إلى الأبد، هذا يعني التأكيد على كرامة الجسد الإنساني بشكل مطلق، التأكيد على الاحترام الذي علينا أن نكنه لهذا الجسد. هذا يعني أن جسدنا، الذي هو، منذ الآن، بطريقة مخفية أو غير كاملة، هيكل الروح، هذا الجسد مدعو لكي يعيش كلية من هذا الروح.
هذا يعني أيضاً أن عبارة قيامة الأجساد غير كافية، لأن القيامة الموعودين بها هي قيامة شخصنا بكليته، جسد وروح.
علينا إذن القول أنه في القيامة، سيكون جسدنا مُتمماً، مُحققاً ــــــ وأنه سيكون بشكل كلي، ولو بطريقة لا يمكننا تصورها، وسيلة حضور ــــــ حضور لله وحضور لبعضنا البعض، من خلال علاقة لا تعرف الظل، علاقة واتحاد كامل، حيث علاقاتنا ـ سواء علاقة حب أو صداقة ـ ما هي سوى البداية، ( بالرغم من أنها تعطينا شيء من الطعم المسبق لما ستكونه العلاقة الناجحة تماماً). هذا يعني اتحاد متبادل الذي يعبر عنه القديس يوحنا من خلال علاقة يسوع مع أبيه: «الآب فيًّ وأنا في الآب».

الجسد المتألم كشف للحرية: لنفكر الآن بالجسد المتألم بصفته كشف عن الحرية، حرية الإنسان، انطلاقاُ من يسوع أمام الآلام، آلامه هو وآلام البشر.
يسوع ليس بإنسان غير اعتيادي (ليس سوبرمان) إنما إنسان مثلنا، مع جسد كجسدنا، يتعب، هش، ومائت. جسده هو أيضاً جسد متألم، حتى ولو كانت الآلام لا قيمة لها بحد ذاتها. وعلينا التشديد على هذه الناحية، نظراُ لما تربينا عليه في السابق بخصوص الآلام وأهميتها في حياة المسيحي.
ما هو مهم في موت المسيح، قيمة موت المسيح لا تكمن في كمية الآلام التي تحملها، إذ يمكننا أن نتخيل أعظم منها. ما يعطي قيمة لهذا الموت، هو أنه بالرغم من معرفته له على أنه أمر حتمي، من هذا الموت الذي سيمارس عليه من قبل البشر، والذي هو نتيجة طبيعية لما قاله وفعله، من هذا الموت الذي هو بحد ذاته جريمة، يجعل المسيح منه (من هذا الموت) عطاء حراً. في اللحظة التي ستنتزع منه حياته نسمعه يقول: «إذا كان الآب يحبني فلآني أبذل نفسي.. حياتي ما من أحد يستطيع أن يسلبني إياها، فلي أن أبذلها ولي أن أستردها وهذا الأمر تلقيته من أبي». من هذه الحياة المبذولة بحرية يجعل علامة لحب أعظم، لأكبر حب ممكن أن نشاهده أو نسع به. إذا كان بالفعل لا قيمة للآلام بحد ذاتها، يسوع يبين لنا ما يمكن أن نصنع منها عندما توجد ومهما كانت الظروف.
علينا أن نفهم هذا بشكل جيد: على مثال المسيح، كل جسد متألم، مريض أو مجروح يكشف لنا بأن الإنسان هو حرية.
إذا أصبت بمرض خطير، أو داهمني السن، ماذا أعمل؟ هل سأثور؟ هل سأناضل؟ كيف يمكنني أن آخذ هذا الأمر على عاتقي؟ هل سأستسلم على أنه قدر لا يمكن مقاومته؟ أم سأحاول أن أعطي معنى لما ليس له، من معنى؟
في رأي، ما هو مكشوف في حالات الجسد المتألم هو عظمة الحرية التي ليس لها من ثمن. عظمة الإنسان معبر عنها هنا، أي أن المعنى لا يكمن في الأشياء، إنما علينا نحن أن نعطي المعنى، لما ليس له معنى.
لم يكن لدى المسيح أي تواطئ مع الألم أو مع الموت، الذي عاش أمامه قلق كبير جداً. بالمقابل كل مرة يأتون إليه بالمرضى كان يشفيهم.

في الحقيقة هناك حالتان تنتزعان من يسوع العجائب: آلام البشر والثقة التي تعطى له. لا يستطيع يسوع أن يتحمل آلام البشر، مبيناً بذلك أن الألم هو شر البشر وشر الله، والذي لا بد من النضال ضده ومهما كلف الأمر.
لهذا السبب يشفي. معنى هذه الشفاءات واضح: الإنسان خلق من أجل الصحة وليس من أجل المرض، من أجل السعادة وليس من أجل الشقاء. صحيح أن يسوع انسحب شيئا فشيئاً من هذه الأعاجيب نظراُ لأستعمل واستغلال الناس لها. إنه يقوم بها ليقول لنا لماذا أتى بيننا: أتى بيننا ليحي الإنسان. وإذا رفض أحياناً القيام بها فلكي يقول لنا بأن جوهر رسالته لا يكمن هنا. وأنه لم يأت ليبني عالماً عجائبياً يعفي من الألم ومن الموت. برفضه القيام بالعجائب، يرجع البشر لمسؤوليتهم – مسؤولية تزداد بسبب الرفض: هذا الرفض يعني أن شفاء الإنسان، لباس الإنسان، إطعام الإنسان، هم من مهام البشر، كذلك الأمر بالنسبة للنضال ضد قوى الشر. وأنه على هذا المستوى لا يمكننا أن ننتظر العجائب.
دون شك القبول بأن هؤلاء الأشخاص المخدومين والذين تم شفائهم والمحبوبين (لعازر وكل من شفاهم المسيح) هم أيضاً معرضين للموت، هذا يعني القبول بأننا لسنا الله.

خلاصة: مقابل هذا التمجيد للجسد وعدم التقدير هذا، إذا سألنا الإنجيل نرى بأنه إذا تجسد الكلمة، إذا أخذ جسدنا البشري، فليس من أجل استعراض غنى الجسد الإنساني إنما لكي يلتقي بالإنسان، ولكي يُرى ويُسمَع ويُلمس من قبل الفقراء والصغار. الإنجيلي يوحنا يشدد: «ذاك الذي سمعناه ذاك الذي رأيناه بعينينا ذاك الذي تأملناه ولمسته أيدينا من كلمة الحياة لأن الحياة ظهرت فرأينا ونشهد وبشرناكم بتلك الحياة» (1 يو 1،1).
جسد يسوع يسمح لنا بأن نجيب على السؤال: جسد لمن ولماذا؟ بكل يقين جسد المسيح هو جسد من أجل الآخر، وسيلة حضور أخوي للبشر، جسد معرض، جسد مبذول، ليس فقط وسيلة حضور، إنما هو سر حضوره المقدم لنا.
هذا ما يجب أن يكونه جسد كل واحد منا. بالنسبة للذين غطسوا في ماء العماد وشاركوا رمزياً في موت المسيح، معنى الجسد هو أن يكون سر اللقاء: في الحب، وفي الصداقة، وفي الخدمة.
بالطبع هذا لا يعني أن نكون غير مكترثين بأن يكون الجسد جميلاً متناسقاً، لأن جمال الجسد ليس جمال شيء، بل جمال حياة، والذي من خلاله يقول لنا الروح شيئاً مما هو، أيضاً لأن هذا الجمال مؤقت وبالنتيجة أكثر قيمة لأنه هش وضعيف.
إنما الجسد الهرم والجسد المعاق والجسد المريض بإمكانه أيضاً أن يكون وسيلة حضور، ويكشف جماله الحقيقي: أن يكون سر اللقاء الأخوي كما أن الروح يكشف عن ذاته حتى من خلال ضعف الجسد.

 

جديد الموقع
أسئلة وأجوبة
كيفة يسمى sوnمغناطيسي

عذرا لم أفهم السؤال

في انجيل متى مكتوب ان النسوة امسكت قدمي يسوعوإِذا يسوعُ قد جاءَ لِلِقائِهما، فقالَ لهما: «السَّلامُ علَيكُما!» فتَقَدَّمَتا وأَمسَكَتا قَدَمَيه ساجِدَتَينِ له.اما في انجيل يوحنا منعها يسوع من ان تمسكه فقالَ لها يسوع: «لا تُمسِكيني، إِنِّي لم أَصعَدْ
  • هذا يعني أن كل إنجيلي يريد التركيز على نقطة معينة. بالنسبة لمتى إنه هو المصلوب وقد قام. بالنسبة ليوحنا القائم من بين الموات لم يعد خاضع للزمان والمكان فلا يمكن الامساك به