header logo
هناك من يحاول أن يحتفظ بنا بقبور مكلّسة. أتمنى أن نكون قادرين أن ندع القائم من بين الأموات أن يحولها كقبره قبور فارغة

من أنت أيها الإنسان: مقدمة

 

                                     الفصل الأول: مقدمة عامة للنظرة الأنتروبولوجية.

 

1 - طبيعة الأنثروبولوجيا:

       

        كما يشير الاسم، علم الأنثروبولوجيا هو خطاب حول الإنسان. ولكن بمجرد أن نقول ذلك، تبدأ الصعوبات. فالصعوبة الأولى تعود، دون شك، إلى كون صاحب هذا الخطاب حول الإنسان هو الإنسان عينه. هل من الممكن في هذه الحالة أن يكون الإنسان موضوعيا؟ هل بإمكانه أن ينسى أنه يتكلم عن ذاته؟

 

 وهل من المستحسن أن ينسى هذه النظرة التي يحملها عن ذاته، عن طبيعته الإنسانية؟ ألا يشكل هذا النسيان فخا غالبا ما يقع فيه علماء الطبيعة والتجريبيين إذ أنهم ينسوا بأن الإنسان ليس موضوعا كباقي الموضوعات لكونه، على خلاف الآخرين، يعتبر ذاته موضوع ذاته؟ هكذا نلاحظ أنه وراء هذه الصعوبة الأساسية في علم الأنثروبولوجيا تكمن صعوبات أخرى.

 إنه لمن الواضح أن الإنسان كموضوع ليس بهذا الوضوح. ولهذا السبب يبدو أنه من المفضل لا بل من الضروري أن نأخذ بعين الاعتبار مختلف النظرات أو النظريات التي تخص الإنسان وتحاول فهمه. والسؤال: أية نظرية يجب تبنيها أكثر من غيرها؟ هل هناك بعض النقاط التي يمكنها أن تساعدنا على فهم أفضل لطبيعة الإنسان؟ وكيف يمكننا تحديد الأفضلية؟

 على أي أساس تبنى دون الوقوع بالمقارنات ما بين مختلف النظريات؟ ألا يعني ذلك أن الموضوع واضح إذ أننا نفترض أن الإنسان معروف من قبلنا، وأننا نعلم مسبقا أية وجهة نظر المناسبة لفهمه واستيعابه؟

لمحة مختصرة عن تاريخية هذا الأمر تسمح لنا بأن نلمس بشكل واقعي أصل وأساس هذه الصعوبات. يبدو أن علم الأنثروبولوجيا ظهر في القرن السادس عشر لكي يقوم بوصف علمي للإنسان، وخاصة ليحلل واقعه النفسي ــــ الفيزيولوجي. هكذا تطور علم خاص جديد وأصبح يدرس في كليات الطب والفلسفة معا.

 ولكن هذا الانتساب المزدوج (طب/فلسفة) يكشف لنا صعوبة أخرى: هذه النظرة إلى الإنسان تتعلق بالعلم أم بالفلسفة، بالاختبار أم بالتجريد، بالتحليل التجريبي أو بالتحديد النظري؟ في الواقع الأنثروبولوجيا أتت من تمايز وحتى من تعارضها مع النظرة المجردة للإنسان.

إنها تريد أن تلقي نظرة تجريبية، وتبعد كل اعتبار ميتافيزيقي أو أخلاقي يحدد مسبقا نهاية أو هدف الواقع الإنساني. لابد من قول بعض الأمور الفكرية حول الإنسان ولكن علينا أن نختبرها حسيا. هذه النظرية تبقى سارية المفعول لغاية القرن التاسع عشر، حيث تعني العلم الفيزيولوجي للكائن البشري. هذه الدراسة تنطلق من دراسة الجماجم البشرية. 

هذه الطريقة لدراسة الإنسان، بالرغم من أنها طريقة علمية وصحيحة (بما أن الإنسان هو أيضا واقعة فيزيولوجية ملموسة، يمكن تحليلها)، هذه الطريقة سرعان ما بدت محدودة: فالإنسان ليس فقط تشريح.

إننا ندرك آنذاك أنه إذا أردنا أن نمارس علم الإنسان باتجاه الخط الأولي للأنثروبولوجيا، علينا القبول بأن الواقع الإنساني متعدد الأوجه، أو بإمكاننا دراسته من أوجه متعددة ومختلفة: فيزيولوجية، اجتماعية، عرقية، نفسية، دينية الخ...وهكذا ظهرت أنواع عدة من الدراسات كلها تحمل الاسم عينه.

 لدرجة أنه ليوجد حتى الآن من اتفاق بين الباحثين والعلماء في هذا المجال على تعريف موحد لما هي الأنثروبولوجيا. ولكن بإمكاننا القول أن هناك اتجاهين ضمن هذه الدراسة:

الأنثروبولوجيا الفيزيولوجية هي دراسة ترتكز على علم المتحجرات الإنسانية من جهة، وعلى علم البيولوجيا الإنسانية من جهة أخرى. إنها تدرس الإنسان في ماضيه البيولوجي وانطلاقا من هذا الماضي تلقي الأضواء على الحاضر.

الأنثروبولوجيا الثقافية أو الحضارية إنها تتطابق مع علم الأجناس البشرية. مع أن مؤسس هذا العلم؛ كلود ليفي ستروس «يحتفظ بعلم الأنثروبولوجيا لدراسة المجتمعات التي لا تملك الكتابة.

        في الواقع هذا لا يعني أن هناك تعارض بين الأنثروبولوجيا الفيزيولوجية والأنثروبولوجيا الثقافية إنما، بحسب الحالات هو اختلاف في النظرة الجوهرية، ولكن انطلاقا من هنا وجهتي النظر هذه تتكاملان: الأنثروبولوجيا الفيزيولوجية لا تهمل في النهاية الناحية الحضارية أو الثقافية.

        ماذا يمكننا أن نستخلص الآن؟ جوهريا الأنثروبولوجيا الفلسفية، أو اللاهوتية التي تدعي الإجابة على السؤال: من هو الإنسان؟ «عليها بالضرورة أن تأخذ بعين الاعتبار مختلف أنواع العلوم الإنسانية والتي تحمل الاسم عينه: الأنثروبولوجيا. ما قلناه حتى الآن يبين لنا بأن المهمة ليست بالأمر السهل لا بل تحمل شيئا من المستحيل وهذا لسبب أساسي ومهم جدا: كيف يمكن الادعاء بفهم واستيعاب الإنسان في الوقت الذي لا يمكن أن يكون الإنسان موضوع ذاته وبشكل موضوعي تماما.

هذه الملاحظة مهمة لأنها تجعلنا نلمس تناقضا جوهريا يمس الإنسان. والصعوبة تكبر لكون هذه العلوم الإنسانية لا تملك نظرة موحدة فيما بينها أو لا تشكل بحد ذاتها معرفة موحدة، كما أنه لا يمكننا أن نجمع مختلف الخلاصات النابعة عنها لأنها تؤدي بنا إلى متاهة نحن بغنى عنها. فالتحدث عن الإنسان يعني القبول بوجود حقول تحليل مختلفة، طرق لمعالجة الموضوع متعددة.

 فعلى السؤال: من هو الإنسان؟ «لابد من التخلي عن الرغبة في الحصول على جواب واحد كاف ومرضي. هذا الأمر يبدو للبعض على أنه محبط، وقد يأخذ شكل من أشكال استقالة الفكر الإنساني في البحث. ولكن من الممكن أن نتساءل فيما إذا لم يكن العكس هو الصحيح: القبول بغنى وتنوع الواقع الإنساني هو أكثر احتراما، لهذا السر الذي يدعى الإنسان، من إعطاء خطاب موحد حتى ولو كان مسيحيا.

        علينا إذن أن نقبل هذا الواقع ونعيش حزننا محاولين التخلي عن الحنين إلى انتروبولوجيات واحدة موحدة، مسيحية شاملة نستطيع أن نجدها في الكتب المقدسة (كما لو أن الكتب المقدسة تعطينا الجواب الوحيد والتلقائي للسؤال الذي نطرحه عليها)، أو في علم المسيح. فبمقدار ما نقبل تعددية الخطابات التي يقولها الإنسان عن ذاته اليوم نستطيع آنذاك أن نسبر عمق السر الذي يسكنه.

جديد الموقع
أسئلة وأجوبة
أُصبتُ بحالة فصام منذ أربع سنين واليوم تحسنتُ وزالت الأوهام لكنّ مستواي الدراسي قد تراجع وأصبحت أعاني من الدراسة وأخاف أن أستنفذ سنواتي الجامعية وألا أتخرّج.

مع الأسف العلاج الوحيد هو دوائي ضروري مراجعة الطبيب بهذا الخصوص.

مكتوب بسفر الخروج فاني اجتاز في ارض مصر هذه الليلة و اضرب كل بكر في ارض مصر من الناس و البهائم و اصنع أحكاما بكل الهه المصريين أنا الرب ..وهذا يعني أن الله قاتل وهذا يتناقض مع تعاليم الإنجيل..ونحن بالكنيسة بعد القراءة نقول كلام الرب..يعني الكنيسة تؤمن أن

لا يمكن قراءة أي نص في العالم وبشكل خاص الكتاب المقدس قراءة حرفية فهي تقودنا دائماً إلى طريق مسدود. وبالتالي علينا الذهاب إلى ما رواء الكلمات، إلى الرسالة التي يريد النص إيصالها لنا. بالمقابل، شعب العهد القديم، مثلنا نحن، تصور الله على صورته كمثاله بينما