header logo
وُلِدتُ دُونَ أن أطلُبَ، وسَأمُوتُ دُونَ أن أُريد، فَدَعُوني أَعيشُ حَياتي كَما أَرغَبْ

من أنت أيها الإنسان 3

مقابل هذه الميزات الأربع للأنثروبولوجيا الكلاسيكية، يمكننا أن نقيم ميزات أربع للأنثروبولوجيا المعاصرة أو الحديثة:

        1 – الأنثروبولوجيا الحديثة تركز على فكرة التكوين والسلالة في محاولتها لفهم الواقع الإنساني. هذا يعني أن الكائن البشري يبدو جوهريا كواقعة في قيد التطور، في قيد البناء وبنيويا مبنى لكي يتطور من خلال سلسلة معقدة من العلاقات، وبشكل خاص من خلال التاريخ (تاريخ الجسد ولكن أيضا من خلال تاريخ العلاقات مع المحيط)، والجزء الكبير من هذا التاريخ ومن هذا التطور ليس للإنسان من سلطة عليه.

الأنثروبولوجيا الحديثة تهتم أكثر بتحليل عملية أو مسيرة التطور

الفيزيولوجية، البيولوجية، النفسية والاجتماعية التي تبني مستقبل الإنسان، إنما هذه العملية تتم على الصعيد اللاواعي أو بمعنى آخر هذه العملية تتم في الإنسان دون أن يدري بها. هذا بالطبع يضع حقائق الأنثروبولوجيا الكلاسيكية موضع تساؤل.

        2 - التركيز على السلالة يذهب بعيدا: هذا لا يعني أنها صيرورة مؤقتة كموحلة من مراحل التطور، على مثال الإسقالة التي نبنيها خلال مرحلة البناء والتي نتخلى عنها في النهاية لكونها أصبحت غير مفيدة.  في الواقع التكوين هو دائما آني، معاصر لكل تاريخ الفرد، بمعنى أنه يترك آثارا على الأقل، أو بشكل أعمق، يمنع الإنسان من الاعتقاد بأن الفرد قد بلغ يوما ما أو يبلغ يوما ما نقطة الوصول: كما يقول فرويد إن الطفولة معاصرة للبلوغ.

 فالوحدة (وحدة الفرد) إذا وجدت، علينا دائما أن نسعى لبلوغها، والنهاية، إن كان هناك من نهاية، لا يمكن بلوغها بشكل كلي على الإطلاق، والعقل ليس بملكة معينة نبلغها في عمر ما، عندما نحرج من ضبابية العاطفة، علينا أن نريد العقل ونسعى باتجاهه وهذا يتم من خلال ومع وجود النزوات المختلفة، والرغبات التي تسكننا والتي قد تعاكس ممارستنا له.

 هذا الأمر له دوره على الصعيد النفسي، كما يوضح لنا ما سبق، ولكن أيضا على الصعيد الاجتماعي: فالارتباط بطبقة اجتماعية معينة أو بثقافة أو حضارة ما، هذا الارتباط يبقى قوي لدرجة أنه يبدو لنا من الوهم محاولة التحرر منه بشكل كلي يسمح لنا بلوغ الإنسان الشامل.

        3 - لهذا السبب الأنثروبولوجيا الحديثة بما فيها من التركيز على أهمية اللاوعي الفردي والجماعي، وبما فيها من التركيز على التكوين الذي لا ينتهي أبدا، هذه الأنثروبولوجيا لها ناحية نقدية مهمة وقد تبدو في الكثير من الأحيان هدامة. ما وراء الثابت تظهر لنا المتحرك ; وراء الفاعل، تظهر لنا العمليات المعقدة التي من خلالها يسعى هذا الفاعل لكي يحقق ذاته.

 هكذا تبدو لنا هذه الانثروبولوجيات وكأنها تضع مكان الثابت الشبه وهمي الذي نجده لدى الانثروبولوجيات الكلاسيكية، تضع لنا المتحرك أو بالأحرى عدم الثبات المدوخ. فأين نحن من الطبيعة الإنسانية الممكن تحديدها، إذا كان الإنسان لا يصل إلى ذاته إلا بطريقة إشكالية أو مشكوك بها، وبشكل يبقى المستقبل حاضرا في المرحلة التي وصل إليها؟ أين نحن من سيادة الإنسان على ذاته، أو من عقل سيد أفكاره واختياراته؟

        4 - في الحقيقة هذه الانثروبولوجيات تقدم ذاتها تحت شكل نقدي: نقد للفاعل، للمثالية الأخلاقية، للإيديولوجيات الاجتماعية. باختصار نقد لكل النظريات والمحاولات التي تدعي الوصول إلى موضوعها (الإنسان) بدون ثقل أو بدون كثافة، أو على الأقل تدعي إلغاء هذا الثقل أو هذه الكثافة أو السيطرة عليها بشكل كلي.

 هذه الانثروبولوجيات هي نقدية خاصة لأنها ت تنزع الإنسان من القمة التي يضع نفسه فيها ، سواء بالنسبة للكون ( ونذكر بأن الأرض ليست مركز الكون) ، سواء بالنسبة لأنواع الحيوان ( ونحن نعلم جيدا  بأن الإنسان أقل تأقلما  مع المحيط من الحيوان) ، أو سواء بالنسبة للنموذج أو الموديل الأوروبي للبشرية ( أو للعقل).

 وتظهر لنا لأي درجة تناسبت سيطرة العقل والتنوير مع تاريخ الاستغلال والتخريب، وذلك بالنسبة للإنسان في عمق فرديته الأكثر حميمية (ونكتشف هنا الهوة التي تدعى اللاوعي والتي لا يمكن للعقل الواعي السيطرة عليه أو أقله يبدو محدود بالنسبة له وعاجز).

جديد الموقع
أسئلة وأجوبة
كيفة يسمى sوnمغناطيسي

عذرا لم أفهم السؤال

في انجيل متى مكتوب ان النسوة امسكت قدمي يسوعوإِذا يسوعُ قد جاءَ لِلِقائِهما، فقالَ لهما: «السَّلامُ علَيكُما!» فتَقَدَّمَتا وأَمسَكَتا قَدَمَيه ساجِدَتَينِ له.اما في انجيل يوحنا منعها يسوع من ان تمسكه فقالَ لها يسوع: «لا تُمسِكيني، إِنِّي لم أَصعَدْ
  • هذا يعني أن كل إنجيلي يريد التركيز على نقطة معينة. بالنسبة لمتى إنه هو المصلوب وقد قام. بالنسبة ليوحنا القائم من بين الموات لم يعد خاضع للزمان والمكان فلا يمكن الامساك به