header logo
لَسنا بِحاجَة للاِندِفَاع إذا كَانَ هُناكَ شَيءٌ سَيَحصَل

من أنت أيها الإنسان 6

2 - بنية الجسد

         اعتبار الجسد الإنساني في علاقته مع المحيط، يقود إلى الاعتراف بحركيته وتحرره النسبي بالنسبة للمحيط كأمر نموذجي. ولكني أركز على كلمة نسبية «التحرر» إذ أننا شبه مهوسين بالبحث عن درجات تعتبر كاجتياز مطلق وجذري، مثلا الدرجة بين الحيوانية والإنسانية، بين الطبيعي والمرضي، بين الوعي واللاوعي الخ..

هذا المنظار يعتبر باطلا. فالمشكلة لم تعد في إيجاد عتبة

جذرية أو لا يمكن تجاوزها، إنما في إيجاد الاختلافات وهذا هو المهم. فبالنتيجة علينا أن لا نعطي لحركية الجسم صفة مطلقة: فالمهم هو أن نفهم نسبية فرادتها «بالنسبة لبقية الأحياء. والحال هذه الحركية مرتبطة بالنسبة للجسم الإنساني بوضعية الوقوف. إنها مرتبطة بقامة الجسد.

 هذا ما يجعلنا نفهم بأن ما يهم الأنثروبولوجيا الحديثة هو هذه القامة الجسدية ككل وليس ناحية أو عضو ما من الجسد: علينا التوقف على أهمية وضعية الوقوف لدى الإنسان لكي نفهم التغيرات التي فرضتها هذه الوضعية بالذات. فالأمر الأساسي هو أن الإنسان أخذ وضعية الوقوف على الأرجل ولهذا السبب نقول بأن نبالة الإنسان تكمن في أرجله وليس فقط في العقل أو الدماغ. وهذا له أهمية كبيرة بالنسبة للحياة الدينية (الرهبانية).

        وضعية الوقوف هذه حررت اليد. على عكس الحيوان الذي يسير على الأربع، وضعية الوقوف حررت اليد. وهذا أمر مهم للغاية، فاليد حررت من مهمة التنقل من أجل العديد من النشاطات الأخرى. إنه موضوع اندهاش بالنسبة لعالم الأنثروبولوجيا أن يكون هذا العضو المتعدد الأوجه مستعد للقيام بأي شيء دون أن يكون موجها أو مبرمجا لأي نشاط محدد، هذا العضو قادر على القيام بنشاطات عدة.

هذا التحرر مهم أيضا لأنه مرتبط بتقويم الوجه - والأمران مرتبطان ببعض - مما يدخل تعديلا في علاقة الجسد الإنساني مع المحيط وخاصة بما يخص حاسة الشم (وهنا كما تلاحظون لسنا بعيدين عن الجنس). تحرر حاسة الشم لأنه لدى الحيوان، الوجه، الأنف، الخرطوم، كلها تسمح له بالتوجه، بتحديد موقعه من المجموعة ذاتها ومن المحيط الكوني أيضا.

 فمنذ اللحظة التي أصبح فيها الإنسان واقفا، لم يعد للوجه من وظيفة للدلالة على الرائحة أو على المحيط. من هنا تم تغير شكل الفم أيضا الذي لم يعد مجندا بشكل كلي لنشاطات الشفعة، للتحقيق، للسحق بما أن اليد قد أصبحت مستعدة، جاهزة. وفي نفس الوقت أصبح الفم جاهزا للأمور الأخرى، وفي الواقع من أجل الكلام.

 هذا الأمر مهم للغاية لأن هذا التغير ولّد مسافة بين الإنسان والمحيط، أخذ الإنسان بعدا مع المحيط وبالتالي لم تعد علاقته مع المحيط علاقة مباشرة، أي ولدت إمكانية الاتصال مع المحيط عن بعد من خلال الكلام.

        تحرر اليد، تحرر الوجه، هذه التحررات أحدثت تغيرات هامة على صعيد تشكل الجسد الإنساني وعلى الصعيد الفيزيولوجي، بشكل خاص بما يخص الدماغ. لأنه على ما يبدو أنه مع وصول الإنسان إلى وضعية الوقوف، تم تطور الدماغ شيئا فشيئا: المنطقة القفوية امتلأت تدريجيا: الكعكة المحجرية «المنطقة الجبهية امتدت أي أن الدماغ انتشر باتجاه الأمام ونحو الخلف.

 بهذه الطريقة تم تحرر منطقة كاملة ومنطقة عذراء إلى حد ما وهي القشرة الدماغية الوسطية، هذا يولّد منطقة بيضاء جاهزة لترابط جديد للخلايا العصبية. ويبدو أن هذه المنطقة ستكون مكان ولادة العديد من المراكز وبشكل خاص مركز النطق لدى الإنسان.

        نلاحظ إذن ترابطا قويا بين الوقوف على الأرجل وتحرر اليد والوجه مع امتداد الدماغ. كل هذا يقدم للإنسان إمكانيات جديدة عصبية. هذا يعني أنه إذا أردنا أن نبحث عن ميزة للإنسان لا يمكننا البحث عنها في عضو معين وبشكل خاص لا يمكننا البحث عنها في الدماغ. فهذا الأخير هو نتيجة لتطور ميكانيكي وتشكلي لجسم الإنسان. فالحركة الفيزيولوجية سبقت الكلام وجعلته ممكنا. 

جديد الموقع
أسئلة وأجوبة
كيفة يسمى sوnمغناطيسي

عذرا لم أفهم السؤال

في انجيل متى مكتوب ان النسوة امسكت قدمي يسوعوإِذا يسوعُ قد جاءَ لِلِقائِهما، فقالَ لهما: «السَّلامُ علَيكُما!» فتَقَدَّمَتا وأَمسَكَتا قَدَمَيه ساجِدَتَينِ له.اما في انجيل يوحنا منعها يسوع من ان تمسكه فقالَ لها يسوع: «لا تُمسِكيني، إِنِّي لم أَصعَدْ
  • هذا يعني أن كل إنجيلي يريد التركيز على نقطة معينة. بالنسبة لمتى إنه هو المصلوب وقد قام. بالنسبة ليوحنا القائم من بين الموات لم يعد خاضع للزمان والمكان فلا يمكن الامساك به