header logo
وُلِدتُ دُونَ أن أطلُبَ، وسَأمُوتُ دُونَ أن أُريد، فَدَعُوني أَعيشُ حَياتي كَما أَرغَبْ

من أنت أيها الإنسان 9

1 – لا يمكن للفرد أن يأخذ على عاتقة جسده الفيزيولوجي إلا من خلال المجتمع أو التقليد الاجتماعي. هذا يعني أنه لا يصل إلى تحقيق ذلك إلا من خلال عالم القوانين. يمكننا القول بأن هذا هو الثمن الذي علينا أن ندفعه لكوننا لا نجد في جسدنا السلوك أو التصرفات الغريزية الملائمة.

 

 يمكننا القول أيضا أن هناك إنسانية بمجرد وجود القوانين أو نماذج جاهزة والاكتشافات الكبرى للأنثروبولوجيا تمت من خلال اكتشاف الأدوات. وأهمية هذه الأخيرة تكمن في أنها تتميز بوجود نموذج. وخلافا لما نعتد ببساطة، هذه الأدوات ليست نتيجة لمحاولات متكررة، مترددة قاموا بها هؤلاء البدائيين وانتهوا، بعد زمن طويل، باكتشاف وفهم كيفية صنع المنجل: نلاحظ في الواقع أن هذه الأدوات تتميز دائما بوجود قاعدة.

 إذن هناك إنسانية عندما يكون هناك قوانين، ممنوعات، وبالتالي عندما نكون في عالم المثل، هناك أقدمية، وبإمكاننا القول أولوية التقليد الاجتماعي على الفردية وبالتالي على البيولوجي. لا يسيطر الفرد على جسده أو لا يأخذه على عاتقه، لا يمتلكه إلا من خلال وساطة القانون المعطى له من قبل المجتمع. من الذي يعلّم الطفل السير؟ أباه أو أمه، الذين ينقلون له كيفية التعامل مع جسده. إذا تقنية وقواعد للتصرف.

 كيف يتعلم أن يرضي حاجاته الغذائية؟  من خلال قاعدة تعطى له، والتي تختلف بحسب المحيط الحضاري الذي يولد فيه. وهكذا يتعلم التحكم بجسده، أو أ يطلب أن يلبي حاجاته الفيزيولوجية، بحسب القواعد المحددة، المتنوعة بحسب المكان والزمان والمجتمع. بمعنى آخر الطبيعي مأخوذ من قبل الاجتماعي ويمكن أن يعاش فقط من خلاله، بنفس الطريقة كيف يتعلم الطفل الكلام إلا من خلال دخوله في عالم وقواعد اللغة التي تقدم له؟

        2- يمكننا القول إذاً بأن أنسنة الحيوان – الإنسان تتم من خلال عملية الدخول في عالم الرمزية. من المهم جداً أن لا نقيم معارضة بين طبيعة بيولوجية منظمة بشكل كامل وحر، سيدة نفسها، وبين مجتمع يُنظر إليه على أنه خارجي ومُضاف، وإلى حد ما يبلبل النظم الطبيعية والعفوية. لا وجود لطبيعة تعمل في حالة كاملة، من جهة، ولمجتمع يعاكس إلى حد ما هذه الطبيعة من جهة أُخرى.

 الواقع يقول لنا بأن ما يوجد في الحقيقة هو بيولوجيا: لا اختلاف، نقص، استعداد، فراغ، فوضى، عدم تمييز؛ ومن جهة أُخرى هناك المجتمع. فالعبور من عالم العلاقات هو الذي ينظم ويبني عدم الاختلاف. علينا أن نكون واضحين بهذا الخصوص: العبور والانتقال يعني الفصل أو القطع بالنسبة للطبيعة التي بحد ذاتها لا تعاش.

 للطبيعة قوانينها ولكن ليس لدرجة تمنع كل توجيه لها، أو لامتلاكها أو لتربيتها والسيطرة عليها. هذا الملاك لا يعني أبداً بأن جسم الإنسان هو نتيجة المجتمع وما يفعله به؛ إنما هذا يعني أن الجسم الإنساني لا يعاش إلاًّ بمقدار ما يتم إنعاشه اجتماعيا. هذا القطع معاصر إلى حد ما مع الدخول في مرحلة الكلام والدخول في عالم الرمزية.

 ففي مرحلة الأوديب مثلاً هناك قطع لا بد منه مع النرجسية، قطع مع البيولوجي المنغلق على ذاته. ومن جهته كلود لفي ستروس في كتابه «البني الأولية للقربة» يتحدث عن المحرمات كممنوعات تتميز بها المجتمعات الإنسانية. فهو يقول ما يقوله فرويد إنما بلغته، أو بالأحرى بلغة الأنثروبولوجيا.

فكلا الاثنين يقولون بأنه على الإنسان أن يأخذ جنسه على عاتقه والذي لا يمكن أن يكون إنسانياً، رجولة أو أنوثة، إلاَّ من خلال التماهي الذي يحققه الفرد انطلاقاً من الصور التي يحملها له المجتمع من خلال أبيه وأمه، مما يسمح له بالتمييز بين الرجل والأنثى. فالطفل، يلاحظ فرويد، يلتقي بهذه الأمور من خلال العلاقات المميزة التي يعيشها مع أهله: من خلال كلامهم، حركاتهم، تصرفاتهم والعادات المفروضة، فيصل الطفل شيئاً فشيئاً إلى «لعبة» العلاقات الاجتماعية، بواسطة تماهيه مع فرديته وخاصيته البيولوجية (صبي أو بنت).

 من هنا يحصل الطفل على هويته: فهو إمّا صبي أو بنت، ابن أو بنت أبيه وأمه، وبالتالي يفهم أن هناك أمور تقوم فيها الأنثى ولا يقوم هو بها وبالعكس. يكتشف أيضاً أنه ليس الأب ولا الأم مما يسمح له بإقامة علاقات صحيحة معهم، ومع المجتمع. كما يكتشف ذكورته مقابل الأنوثة.

        المهم هو أن عالم الرمزية هو عالم بنّاء لكونه يحتوي على قواعد أو نظم. ولكن كلمة قاعدة ونظام هنا ليس لهما أي بعد قانوني، إنما تعني مجمل التصورات أو التخيلات التي تُثبت الأشياء وتحمينا من الوقوع في الفوضى التامة: فالصبي ليس بفتاة والأب ليس الأم والأخت الصغيرة ليست بنت العم أو بنت الجيران.

 فالدخول في عالم الرمزية يعطي ثباتا واستقرارا للأشياء ويفتح المجال أمام الاختلافات. عالم الرمزية هو عالم فيه لكل شيء مكانه مما يسمح بوجود علاقات وتبادل بين البشر بما أنه من الممكن تمييز العناصر عن بعضها البعض. فعندما تُلغى القواعد أو عندما توضع موضع تساءل بشكل جذري؛ عندما تتحول صورة الرجل والمرأة، صورة الأب والأم، هذا التحول له أثر كبير على الصعيد العاطفي للطفل وبالنهاية يلمس الجميع.

جديد الموقع
أسئلة وأجوبة
كيفة يسمى sوnمغناطيسي

عذرا لم أفهم السؤال

في انجيل متى مكتوب ان النسوة امسكت قدمي يسوعوإِذا يسوعُ قد جاءَ لِلِقائِهما، فقالَ لهما: «السَّلامُ علَيكُما!» فتَقَدَّمَتا وأَمسَكَتا قَدَمَيه ساجِدَتَينِ له.اما في انجيل يوحنا منعها يسوع من ان تمسكه فقالَ لها يسوع: «لا تُمسِكيني، إِنِّي لم أَصعَدْ
  • هذا يعني أن كل إنجيلي يريد التركيز على نقطة معينة. بالنسبة لمتى إنه هو المصلوب وقد قام. بالنسبة ليوحنا القائم من بين الموات لم يعد خاضع للزمان والمكان فلا يمكن الامساك به