header logo
وُلِدتُ دُونَ أن أطلُبَ، وسَأمُوتُ دُونَ أن أُريد، فَدَعُوني أَعيشُ حَياتي كَما أَرغَبْ

من أنت أيها الإنسان 12

القسم الثاني: بعض النتائج

 

        نظراً لكون الجسد هو في آنٍ معاً مكان العلاقات التي من خلالها يتأنسن الإنسان، ونظراً لكون الجسد هو المركز في نظر الأنثروبولوجيا، يمكننا اعتباره كمحور العلاقات الثلاثية القاطعة من وجهة نظر الأنثروبولوجيا: العلاقة مع الجسد الآخر المجنّس، ومع الذات كجسد مجنّس أيضاً: الجنس.

علاقة الجسد كجملة من الاحتياجات في محيط طبيعي وإنساني، أهل لكي

يلبي هذه الاحتياجات أو لا: الناحية الاقتصادية. العلاقة مع الأجساد الناطقة: سياسة. ثلاثة أماكن أنثروبولوجية أساسية، كل واحد منها تجتازه رغبة، رغبة اللقاء بالآخر، كما يجتازه أيضاً الكلام. هذه الأماكن الثلاثة نراها منظمة في الحياة الرهبانية: الفقر، الطاعة والعفة.

 

1- الجنس: فلسفة الجنس أو أنثروبولوجيا الجنس تكشف لنا اليوم أهمية عالم العلاقات. فكل ما قلناه حتى الآن يفترض بالطبع هذه العلاقة. هذا يجعلنا نخرج من المنظور القائل بأن هناك وقائع مستقلّة، كما لو أن الجنس ملكية فردية ومفردة، خارجة عن كل علاقة مع الآخر، أو ضمن مجال منفصل. لقد سبق وقلت وأكرر ذلك لأن الأمر مهم جداً: كل قرد لا يتبنى جنسه البيولوجي إلاَّ من خلال علاقة اجتماعية محددة.

 نتبنى مسؤولية جنسنا (وهذه مسيرة لا تنتهي) في مجتمع ما، من خلال التصورات التي ينقلها لنا المجتمع عن كل من المرأة والرجل. هذه التصورات تكون إلى حد ما متناسقة أو إلى حد ما متناقضة: وبشكل فردي، علينا أن نتبنى هذا الجنس من خلال علاقة أبوية محددة بشكل واضح قدر الإمكان. مع هذا الأب ومع هذه الأم الذين لهم تاريخهم الخاص وطريقتهم في عيش جسدهم.

 لهذا السبب لا يمكن للفرد أن يتبنى جنسه إلاَّ من خلال خيال محدد وبطريقة ما، هذا الخيال هو المكان الأعمق للفردية. ولكن علينا أيضاً أن نفهم بأن هذا الدخول في الرمزية يفترض بدء أو تكوين أي يفترض تاريخ. من المؤكد أنه عندما نتحدث عن عملية، عن ولادة، فهذا يعني بالضرورة وجود مفاجئات، «حوادث على الطريق كما يُقال».

 إنها عملية إلى حد ما ناجحة. هذا يعني أن لا وجود لموديل كامل وبالتالي لا وجود لنجاح تام، لأن هذا التاريخ يترك حتماً أثاره وذلك لسبب بسيط جداً: نحن نتبنى شيئاً فوضوياً وغير مميز موجود في داخلنا، فكيف ستتم عملية تنظيمه وتوجيهه؟ سوف تتم إلى حد ما بشكل مرضي، كما أنها سوف تجزم بشكل مؤلم بدون شك. هذا التاريخ يترك إذاً أثاره التي ترافق الفرد طوال حياته.

هذا يبين لنا بأن الجنس، بالمعنى الشمل للكلمة هو مجموعة العلاقات التي يعشها الإنسان مع ذاته ومع الآخر ومع العالم. ولكن الواقع الجنسي لا يمكن «حلّه» بشكل نهائي بمجرد أن بلغنا سن البلوغ أو الحياة الأخلاقية أو أي أمر آخر. كل علاقة إنسانية تحمل طابع التماهي الذي عشناه بخصوص جنسنا. والتصورات التي تماهينا معها.

فكل علاقة تحمل رغبة، رغبة في أن أكون إنسان معترف عليه من قبل الآخرين، بالحنين بأن هذا الاعتراف غير كاف، وبهذا المعنى يمكننا القول بأن كل شيء هو إلى حد ما جنسي. فالتبادل الذي نعيشه الآن بيننا، طريقتي في التحدث في اللباس والطعام الخ. كلها محملة بالعاطفة التي قد تعجب البعض وتغيظ البعض الآخر. هذا يعني بأن هناك أشياء أمور تحدث وتبنى علاقاتنا وإلى حد ما هذه الأمور وهذه الأشياء تفلت من سيطرة الوعي وتحدد إصغاءنا.

العملية التي تحدثنا عنها والتي من خلالها يتم التماهي مع الجنس البيولوجي تفترض دائماً، في مكان ما، فصل، قطع، نقص وقمع؛ وليس هناك من وصول إلى الرمزية دون كبت، بما أن أنسنة الحيوان البشري تفترض اختيار النزوات ووضع نظاما لها. لهذا السبب السيطرة على الجنس تفترض وجود القاعدة. ولكن علينا الانتباه جيداً: إنها تفترض وجود القاعدة حتى للإرضاء الجنسي، لأن الإنسان الذي ليس برجل ولا بامرأة، ولا الحائر هو من يستطيع أن يعيش علاقات جنسية مرضية.

 بل على العكس الإنسان الذي يستطيع أن يتبنى جنسه إلى حد ما بشكل جيد أو إلى حد ما بشكل سيء الإنسان، من خلال عملية التماهي هو الذي يستطيع أن يدخل في علاقة جنسية جيدة. علينا معرفة ذلك: القاعدة هي الشرط الأساسي للدخول في الشمولية وفي علاقات مفرحة وناجحة. لا بد من إمكانية تحديد مكاني بالحقيقة ضمن العلاقة.

 ولهذا السبب لا بد من القطع مع شيء من النرجسية التي تريد أن يكون الفرد كل شيء. هذا يجعلنا نعي بأننا لسنا الإنسانية، ولكننا مجرد أفراد، هذا الرجل أو هذه المرأة. هذا الفرد من هذا المجتمع: بهذا المعنى لا نعيش إنسانيتنا إلاَّ من خلال علاقاتنا مع كل الإنسانيات الأخرى وفي نفس الوقت مع التأصل الخاص.

 أي علينا التخلي بشكل نهائي عن أسطورة الإنسانة الكاملة التي علينا تحقيقها أو الطبيعة التي علينا أن نتطابق معها. لأنه لا وجود لصعود كامل ومستمر؛ بل بإمكاننا القول بأن هناك مراحل، وهذا يعود إلى إعادة توزيع النزوات، ويحثنا مجدداً إلى مهمتنا باتجاه الأنسنة. مثلاً رجل في سن الأربعين يجد نفسه عاطلاً عن العمل، هذا الأمر ظاهرياً طبيعي لكن له تأثيره على علاقته مع جنسه.

لأن كل علاقاته الإنسانية مع ذاته ومع الآخرين تغيرت، ولأن صورته عن ذاته أمام زوجته وأولاده قد تغيرت. لذلك عليه أن يتبنى مجدداً وبشكل آخر جنسه ضمن هذا المحيط الجديد ليجد التوازن مجدداً. لا بد لتبني جديد لكل إنسانيته في حالة جديدة يجد نفسه فيها. كما أنه لا يمكننا القول بأن هناك شيء من «التخزين» السابق يضمن نجاح العملية.

علينا التحدث أيضاً على أهمية الكلام. فالكلام ليس مجرد الكلمات التي نلفظها إن صح التعبير. هذا ليس سوى وجه من أوجه الكلام. الكلام هو جزء من اللغة، من العلامات، من الحركات، كل هذه العلاقات العاطفية التي تحمل قواعد معها، عادات، إشارات، طرق في التعامل، وكل ما هو في الجسد ومن خلال الجسد يتكلم للآخر.

 فاللقاء مع الكلام الذي بدوره يعبر دائماً من خلال العاطفة، هو أمر بنّاء. إنه هكذا قبل أي شيء من أجل الطفل، لأنه يسمح له بالخروج من عدم التمييز ومن النرجسية كما أنه الشرط الوحيد للوصول إلى الهوية الشخصية. كما أنه يمكننا القول بأم الكلام هو المكان الذي يتم فيه تبني الطبيعة البيولوجية، وهذا أمر مهم من وجهة النظر الدينية.

 فالتحدث عن الجنس والتعبير عنه هو إحدى الطرق التي من خلالها يتم تبني الإنسان له. فالكلام بنّاء لكونه مُستَقبَل: قيل لي بأنني طفل صغير وهذا ما سمح لي بأن أكتشف ذلك. فالإنسان يجد نفسه بالكلام الذي يستقبله ويأخذه على عاتقه ويجعله كلامه أي يصبح ملكه. يمكننا القول بأن لا وجود لجنس إنساني ومؤنسن خارجاً عن الكلام. نحن نعتقد بأن الجنس هو من مجال الصمت، وهذا خطأ كبير وخطير، لأنه بمقدار ما نعتقد بأننا في الصمت بمقدار ما يتكلم الجنس.

جديد الموقع
أسئلة وأجوبة
كيفة يسمى sوnمغناطيسي

عذرا لم أفهم السؤال

في انجيل متى مكتوب ان النسوة امسكت قدمي يسوعوإِذا يسوعُ قد جاءَ لِلِقائِهما، فقالَ لهما: «السَّلامُ علَيكُما!» فتَقَدَّمَتا وأَمسَكَتا قَدَمَيه ساجِدَتَينِ له.اما في انجيل يوحنا منعها يسوع من ان تمسكه فقالَ لها يسوع: «لا تُمسِكيني، إِنِّي لم أَصعَدْ
  • هذا يعني أن كل إنجيلي يريد التركيز على نقطة معينة. بالنسبة لمتى إنه هو المصلوب وقد قام. بالنسبة ليوحنا القائم من بين الموات لم يعد خاضع للزمان والمكان فلا يمكن الامساك به