هل من معنى للألم؟ كيف عاش يسوع آلامه
هل من معنى للألم؟
كيف عاش يسوع آلامه
في قلب الألم
كل شيء في مجتمعنا يؤكد على مفهوم المتعة. الألم، قدر الإمكان، يصبح في الظل. عندما يأتي الألم، نبحث عن كبش فداء ونلجأ متسائلين إلى العلم أو التكنولوجيا. أليسوا هنا لتقديم إجابة على كل شيء؟
ومع ذلك، يظل الألم هنا بنصيبه الذي لا يُطاق، من الغموض والعبثية. كيف يمكننا أن نتحمله ونعيشه بطريقة مسيحية؟ سؤال صعب للغاية. هناك العديد من الطرق للشعور بالألم. يكفي أن ننظر من حولنا. بادئ ذي بدء، هناك الألم الجسدي: أمراض لا تنتهي أبدا وتسمم الحياة اليومية. أمراض تشكل تهديدا خطيرا: السرطان أو مشاكل في القلب؛ الشيخوخة، التي تثقل كاهل كل شيء وتؤدي شيئا فشيئا إلى الاضمحلال، إلخ. لكن الألآم النفسية موجودة أيضا، وغالبا ما يتم اختبارها على أنها مخزية. الآلاف من الناس يكافحون مع الترسبات التي لا تنتهي. شعور هائل بالفوضى والهدر.
يشعر آخرون ب «جروح» نفسية طفولية تستمر في العودة. يعاني البعض من إدمان الكحول أو القلق المستمر. كثير من الناس يعانون من صعوبات نفسية وجنسية وعلائقية وتناسلية. هناك أيضا أولئك الذين يعانون من وفاة أشخاص أعزاء عليهم. دعونا نفكر في الألآم الشديدة لأولئك الذين يشعرون بأن الجميع قد تخلوا عنهم. لا تزال هناك آلام ذات أصل اجتماعي: البطالة؛ والظلم الذي يعاني منه الإنسان لأنه يناضل من أجل العدالة في مكان عمله. أخيرا، هناك الآلام الروحية: أزمات إيمان. وعلينا أن ندرج مشاعر الذنب التي تسكننا أحيانا والتي يصعب علينا التغلب عليها. ناهيك عن العديد من الصعوبات في الحياة العلائقية اليومية. باختصار، لقد عانى الجميع أو يعانون من مثل هذه الآلام.
في مواجهة الكثير من الألم، ما الذي يحدث؟
يختبر المرء الشعور بنوع من الغرابة عن نفسه: «لم أعد أفهم. أنا مختلف عما كنت عليه قبل أن أعاني. يبدو الأمر كما لو، في نهاية اليوم، يسكنني شخص آخر». الألم، عندما يكون قوياً، يمتلكني، يغتصبني. لم أعد أتحكم في منزلي والأمر صعب للغاية. الوحدة الشديدة تسيطر علينا أيضا. من يستطيع أن ينضم إلي في ألمي؟ كل الكلمات الموجهة إلي ترن بشكل خاطئ إلى حد ما. شيء ما يتجاوز الكلمات، يتجاوز اللغات. أشعر بالوحدة. لذلك، في بعض الأحيان تكون هناك تجربة الانغلاق في هذه العزلة. ومع ذلك، في الوقت نفسه، يود جزء مني التواصل. أنا عالق في ذهاب وإياب بين هاتين الرغبتين.
أخيرا وليس آخرا، عندما نعاني كثيرا، يبدو الأمر غبيا وعبثياً بالنسبة. كل ما لدي من أدلة سهلة على وجود الحب والإيمان، تسقط. فلأي شيء أو لمن أتوجه لأستعيد توازني؟ إنها الفوضى! إذا كنتُ مسيحيا، أبدأ في محاولة فهم ما يحدث لي. أستمع إلى ما يقوله الناس من حولي عن الألم. أستمع إليهم بصدق، لكن في معظم الأحيان يكون سماع لعبارات ذات قيمة غير متساوية للغاية!
الخطب والنظريات الجميلة
«أنت تعاني، لكن تذكر أن الله يمتحن من يحبهم بطريقة خاصة، إنها علامة على حبه الخاص لك». هذه هي الفكرة الأولى التي كثيرا ما تُسمع في الأوساط المسيحية. هذا النوع من التفكير في أن الله يرسل لنا هذه الآلام لأنه يحبنا، يبدو لا يطاق. كما لو أنه لتكون المفضل لدى الله يعني أن تصبح مبتوراً من متعة الحياة! أين هي كلمة المسيح؟ «جئت لتكون الحياة للناس وتفيض فيهم. أعطيكم فرحي وما من أحد يمكنه أن يسلبكم إياه»؟ لا، هذه الأنواع من النظريات بالتأكيد لا تتفق مع المسيحية الحقيقية.
في الواقع، الألم، بحد ذاته، يعزل، يولد الاكتئاب، ويكسر قوى الحياة، وأحيانا يُثقل كاهل من هم حولي، وفي الحالات الأقوى، يجعلني أحياناً أرغب في وضع حد لحياتي. باختصار، الألم يجرد من الإنسانية! فكيف يمكننا أن نقول إن ما يجرد من الإنسانية هو تحرير، هو إنقاذ العالم، هو خلاصي؟ هل سيساعد سرطان شخص ما في تحرير الآخرين؟ هل يمكن أن يكون ألم طفل بريء محرر لشخص ما؟ هناك شيء فظيع في قول مثل هذه الأفكار. الخطاب الآخر الذي نسمعه أيضاً: «إذا كنت تعاني، قدم ألمك لله». في الواقع، ما هو الألم؟ إنه الشر. إذا، من سيكون هذا الإله، من سيكون هذا الآب الذي سيكون من دواعي سروره أن يتلقى كهدية ما هو شر، ما هو تجريد من الإنسانية، ما يسيء ويشوه؟ ألن يكون إلها منحرفا؟
لذلك عندما أتألم، ليس من السهل إيجاد معنى لألآمي، وعندما أحاول القيام بذلك، أجد في طريقي كلمات بعض المسيحيين التي تبدو لي خاطئة جزئيا، أو على الأقل مليئة بالفخاخ. الكلمات التي لا تسهل مهمة استعادة الذات التي أحاول أن أعيشها في قلب المحنة.
بعض النقاط المرجعية
نحن نقوم بالاختصارات في كل وقت. فالقول، مثلاً، بأن المسيح يفدينا من خلال آلامه هو اختصار كبير! ما يجب أن يقال هو أن المسيح يخلصنا، يفدينا بحياته كلها، المكونة من حب شغفي للإنسان، ورجاء على غير رجاء، وإيمان جذري بأبيه وبالإنسان. وهذا، حتى عندما كان يعاني بشكل رهيب. ما يفدي ليس ألآم المسيح في حد ذاتها، ولكن في وسط آلامه كان يسوع رجلا محبا ومؤمنا وراجياً. يجب أن نتمسك دائما بهذه الحقيقة: ما يفدي هو فقط ما يبني ويحرر الإنسان. ومع ذلك، فإن الألم بحد ذاته لا يفعل ذلك، وبالتالي لا يمكنه أن يفدي. من ناحية أخرى، ما سيفعله الألم هو الطريقة التي سيحاول بها كل شخص إضفاء الطابع الإنساني على حياته في خضم ألآمه. هذا بفضل الله ومع الله.
وبالمثل، فإن عبارة «قدم ألمك» هي اختصار كبير. وبما أن الألم في حد ذاته يدمر، فلا يمكن ل «لذة» الله أن تكمن في استقبال ما يؤذي. أما فرح الله فهو أن يستقبل ما يبني الإنسان، ما يمكن لحب المسيح أن يسمح للإنسان أن يبني بالرغم من قوى الانقسام التي يمثلها الألم. ما يحب الله أن يستقبله هو الإيمان والرجاء والمحبة والتواضع والصبر في وسط الآلام. هذا هو حقا ما يبني الإنسان، ويسمح للشخص الذي يعاني بالاستمرار في الدخول في علاقة!
عندما أقول: «يا رب، أقدم لك ألآمي»، فأنا في الواقع أحاول أن أقول شيئا آخر: «يا رب، أقدم العطية التي تعطيني إياها لمواصلة استقبال الإيمان والرجاء والمحبة التي تعيشها أنت، من أجلي». هذا في الواقع أحد أكبر ما يحمله من جديد الإيمان المسيحي: الله يؤمن بالإنسان. نتحدث دائما عن إيمان الإنسان بالله، لكن الله يؤمن أيضا بالإنسان، يؤمن بي. الله يرجو في، الله يحبني، وما يحرر في قلب الألم، الاعتراف بذلك وأن أطور هذه العطية التي يقدمها لي من خلال ابنه.
لا تبحث عن «معنى» الألم
فالموضوع هو البحث لجعل حياتنا أكثر إنسانية، وأكثر مسيحية، على الرغم من الألم. والإيمان المسيحي يمنحني القوة لأفهم بأن الله إلى جانبي ليقود بشجاعة المعركة لإعطاء معنى لحياتي. وهذا على الرغم من كونها مليئة بالثقوب السوداء واللامعنى.
الإيمان يسمح لي بأن أقوم بعمل حقيقي على ذاتي ومع الآخرين. عمل الفصح حيث علينا أن نتخلى عن طريقة معينة للوجود في حياة مهتزة كلية بسبب الألم من أجل إيجاد، شيئا فشيئا، طريقة أخرى لتحمل الواقع. لذلك من المهم جدا أن يلجأ المسيحي إلى الله حتى تظهر قوته في ضعفه وتساعده على خوض الجهاد الصالح. من الأساسي أيضا التوجه إلى الله الذي صار إنسانا، يسوع الناصري. كان عليه أن يقاتل ضد العبثية وضد الألم. من المهم أيضا معرفة كيف عانى وكيف اختبر آلامه.
العودة إلى خبرة يسوع الناصري
لتجنب الضياع في التفكير في الألم، يجب أن نعود دائما إلى خبرة يسوع. الطريقة الوحيدة لمعرفة من هو الله هي العودة إلى كلمات يسوع: «من رآني فقد رأى الآب». إذا أردت أن أعرف كيف يتصرف الله تجاه أولئك الذين يتألمون، وكيف اختبر الألم في إنسانيته، يجب أن أعود إلى يسوع. عندها فقط سيكون لدي معيار أكيد تماما لمحاولة إعطاء الطابع المسيحي، وإضفاء الطابع الإنساني على آلامي.
يسوع والألم
هل تألم يسوع؟
الأناجيل لا تقدم يسوع أبدا على أنه «بطل» الألم. فهي ليست مليئة بأوصاف آلام المسيح. حتى أنهم متحفظون للغاية حيال ذلك. لكن يسوع عانى اجتماعيا. كان عليه أن يتعامل مع صعود الكراهية. عدة مرات كان في خطر الموت، أراد الناس أن يرجموه بحجر، وأن يرموه في الهاوية. في النهاية، سينتهي معلقاً على الصليب.
لقد عانى من سوء فهم شعبه له. بعد العشاء الأخير مباشرة، قبل موته بساعات قليلة، بينما لا يتوقف أبدا عن إعطاء أمثلة في التواضع، والقول إنه هنا ليخدم لا يُخدم، لا يزال التلاميذ في صدد التساؤل من هو الأكبر بينهم. عانى، بشكل خاص، من رفض أولئك الذين أتى ليحررهم: شعب إسرائيل. لم يتم رفضه فقط من قبل السلطات الدينية والمدنية (هيرودس وآخرين)، ولكن تمت خيانته من قبل يهوذا، أحد أولئك الذين دعاهم. حتى أن سمعان أنكره، الذي اختاره حجرا لتأسيس كنيسته. الجميع تخلوا عنه، باستثناء مريم، ويوحنا وعدد قليل من النساء. يمكن للإنسان أن يتخيل الشعور بالهدر الذي ربما يكون قد غزا المسيح، ليشعر بأنه متروك بهذه الطريقة.
في جتسماني يعاني يسوع القلق «عرقه كقطرات دم متخثر يتساقط على الأرض» وحده بينما تلاميذه نائمين. قلق أمام التعذيب الذي يشعر به، أمام عذاب الصليب المؤلم بشكل لا يصدق، قلق أمام الموت، وبشكل خاص، أمام الشعور الهائل بالظلم. هو، البريء الكامل، مرفوض! لا يوجد ظلم أكبر من ذلك.
أخيرا، ستبلغ ألآم المسيح الروحية ذروتها في الشعور بأن الآب، أبوه نفسه، يتخلى عنه. متروك من الآب! الذي، يبدو أنه صامت، وكل هذا ينتهي بصرخة عالية من المسيح: «إلهي، إلهي، لماذا تركتني؟» يسوع ليس محطما للأرقام القياسية في الألم الجسدي أو النفسي أو الاجتماعي، لكنه، مثل كثيرين آخرين، وربما أكثر بكثير من غيره، وصل إلى المركز أو النقطة المشتركة لكل ألم: أي الشعور بالظلم أو الغباء أو العبثية أو التخلي. لقد «أُفرغ» المسيح من قناعاته العفوية على أن الإنسان خيّر في أعماقه، على الرغم من الخطيئة؛ وأن الله موجود هنا دائما، ومستعد للمساعدة. لهذا السبب، يجب أن نفكر باستمرار في الطريقة التي استطاع بها المسيح، في وسط هذا الضيق، أن يصل إلى الإنسان ويصل إلى أبيه. هذا سيساعدنا على إعطاء معنى لحياتنا في الألم.
كيف عاش يسوع الألم؟
لم يلقي يسوع خطابات كبيرة عن الألم. لديه مواقف شائعة جدا و «إنسانية» للغاية. إنه لا يستبق الألم. كثيرا ما ننسى الآيتين حيث فضل يسوع أن «يَسيرُ بَعدَ ذٰلكَ في الجَليل، ولَم يَشَأْ أَن يَسيرَ في اليَهودِيَّة، لأَنَّ اليَهودَ كانوا يُريدونَ قَتلَه. فصَعد هو أَيضًا خُفيَةً لا عَلانِيَةً» (يو 7، 1. 10). يسوع لا يريد أن يتألم، وأن يعاني، وفي هذا، كان على حق تماما!
عندما يشعر يسوع فجأة أن الألم أمر لا مفر منه، فإنه يتفاعل بشكل إنساني للغاية، مثلنا جميعا. لقد استولى عليه القلق في جتسماني، ولديه رغبة واحدة فقط، وهي إزالة الألم: «يا أبتي، إن كان مستطاعاً أبعد عني هذه الكأس، لكن لا مشيئتي بل مشيئتك». أخيراً، عندما تصل فظاعة الصليب، يحمل لنا الإنجيلين سبع كلمات ليسوع. كلمات للتأمل باستمرار عندما ننقاد إلى الألم.
كلمات تفتح مستقبل الآخر
الله، في الإنسان يسوع على الصليب، يمنح المستقبل من خلال كلمات حب. أولاً، بخصوص جلاديه، يمكنه أن يقول، «أبتي، انتقم من أولئك الذين آذوني كثيرا». على العكس من ذلك، يفتح المستقبل لجلاديه: «يا أبتي، اغفر لهم». أكثر من ذلك، يحاول أن يبرر: «إنهم لا يعلمون ما يفعلون». ثم يلتفت إلى اللص الذي يقول: «هذا طبيعي، أنا على صليب. لقد عشت حياة قطاع طرق، وأحصل على ما أستحقه». يقول له يسوع: «ما زلت أؤمن بك، لديك مستقبل، اليوم ستكون معي في الفردوس». وأخيرا، هناك أشخاص أمناء حقا عند أقدام الصليب: ولا سيما أمه مريم ويوحنا. ثم يسوع، الذي كان بإمكانه أن لا يركز سوى على نفسه فقط، يفكر في أمه ويوحنا التلميذ. كما أنه يفتح مستقبلهم: «أَيَّتها المَرأَة، هٰذا ٱبنُكِ، هٰذه أُمُّكَ». إنها كلمات حب.
كلمات حقيقية
من خلال كلمات يسوع على الصليب، ندرك أنه لا «يلعب دور الذكي أو الماكر». إنه لا يعاني بطريقة بطولية، إرادية. لديه كلمات الحقيقة البشرية، دون ادعاء ديني. «إلهي، إلهي لماذا تركتني؟» وبعد ذلك، تلك الصرخة الهائلة، هو من قال، «مَن آمَنَ بي فَلْيَشْرَبْ كما وَرَدَ في الكِتاب: ستَجْري مِن جوفِه أَنهارٌ مِنَ الماءِ الحَيّ»، تلك الصرخة الهائلة، «أنا عطشان!». ابن الله، ينبوع الماء الحي الذي يصرخ عطشه! كلمة الحقيقة البشرية!
كلمة إيمان
عندما ينهار كل شيء ويشعر يسوع أن الله نفسه تخلى عنه، يكون لديه هذا الإيمان المتجرد بشكل لا يصدق والذي يسمح له أن يقول، «أبتي بين يديك أستودع روحي».
في حين أن المسيح قد يكون لديه انطباع بأن كل شيء قد فشل ــــ بعد أن جاء لإنقاذ العالم، ينتهي على صليب حيث يحتقره الجميع ــــ لا يزال لديه الشجاعة والرجاء ليقول: «لقد تم!»، أي أن حب الله الخلاصي قد ذهب إلى نهاية الحب والآن يمكن أن يؤتي ثماره. كل شيء يشير إلى صحة طريقة يسوع في التعامل مع الألم. إنه راض عن السماح بظهور إنسانية عميقة. موت يسوع ليس «جميلا»، ولا يوجد شيء مجيد فيه. موت بسيط جدا حيث يصرخ الإنسان محنته، حيث يحاول التعبير عن إيمانه ورجائه. في اللحظة التي يصرخ فيها المسيح «إلهي، إلهي لماذا تركتني!» يمكننا أن نقول: «أنظر إنه لم يعد يؤمن».
في هذه اللحظة بالذات يقول قائد المئة الروماني غير المؤمن، «حقاً كان هذا الإنسان ابن الله». عندما أذهب إلى نهاية حقيقتي الإنسانية، عندها يظهر الله فيني. عندما أهرب من الادعاءات، عندما أحاول بألم بناء صراع الرجاء وإفراغ الذات والإيمان، آنذاك، يُظهر الله نفسه. نعم، في الوقت الذي يوجد فيه كل الأسباب لعدم الإيمان، في تلك اللحظة بالتحديد يختار قائد المئة القيام بقفزة إيمانية. درس غير عادي من الإنجيل.
كيفية إضفاء الطابع الإنساني على الآلام والتبشير بها
في الواقع، لا يوجد شيء اسمه ألم. ما هو موجود هم أشخاص مختلفون جدا يختبرون آلاماً مختلفة جدا. في النهاية، كل شخص لديه طريقة فريدة في العالم لتحمل الألم والتعامل معه.
عندما تكون في ألم شديد
لقد مر الكثير منا بلحظات من الألم الشديدة. عندما يختبر الإنسان مثل هذه الألآم الجسدية والنفسية، يتحول إلى صرخة استغاثة خالصة أمام التعاسة، متمنياً أن تنتهي في أقرب وقت ممكن، مهما كانت الوسيلة. في مثل هذه اللحظات، يستقر الخوف من أن هذا الألم سيبدأ مرة أخرى. لدرجة أنه يجعلني أخفي بعض الأعراض المرضية وأرفض الفحوصات الطبية التي ستكون ضرورية. في هذه اللحظات، يصبح البحث عن الحقيقة أمر صعب.
علينا الاعتراف بأنه من الصعب إضفاء الطابع الإنساني والمسيحي على كل هذا. لكن الأشخاص الذين اختبروا مثل هذه المواقف يخرجون منها دائما، عندما يتناولونها أمام الله وأمام أنفسهم، باهتمام أكبر بأولئك الذين يعانون.
رد فعل التمرد
غالبا ما يتم وصف موقف التمرد في مواجهة الألم من خلال شخصيات الكتاب المقدس. دعونا نفكر في أيوب، الذي يأتي أصدقاؤه ليغمروه بالخطب الجميلة. لنفكر في صرخات ثورة مؤلفي المزامير: «لماذا يا رب تقف بعيداً وفي زمن الضيق تحتجب؟!» إن هذا التمرد يكون أكثر وأقوى، عندما يمس الألم شخص بريء، أو بدون سبب شخص كان لديه كل الأسباب ليكون سعيدا. فالتمرد، هو بامتياز، تمرد البار المتألم. ردة فعل التمرد هذه طبيعية، من الناحية النفسية. إنها تمثل تعبئة لأحد أهم أبعاد حياتنا: أبعاد العدوانية. التمرد له جانب (صحي طبيا). يعطي «لدغة» للقتال. إنها قفزة طعم الحياة فينا. وهي في الوقت نفسه، دعوة، نداء إلى الأشخاص الذين سيتمكنون في نهاية المطاف من وضع حد لمعاناتي: المجلس الطبي، محيطي، الله. لهذا السبب، في حضور شخص يعاني ويتمرد، يجب ألا أكون سريعا جدا في التحدث بكلمات محبة ومخففة ومهدئة، ولكن أولا وقبل كل شيء أن ندع المجال لكي تُسمى المشاعر المتناقضة المختلفة التي تسكن الشخص وأنا في تلك اللحظة.
بعض العدوانية تجاه أحبائهم، تجاه الله، عليها أن تكون قادرة على التعبير عن نفسها. ليس من السهل إدارة التمرد أو التعامل معه، ولكن هذا هو المكان الذي يكون فيه التأمل في المسيح على الصليب مهما. يسوع، كان لديه كل الأسباب للرفض. الآن، يمكنه أن يقول امتعاضه، وشكوكه، وعدوانيته الداخلية تجاه الآب: «إلهي، إلهي، لماذا تركتني؟»، لكنه في الوقت نفسه قادر على الوصول إلى المغفرة والقول: «أيها الآب، اغفر لهم لإنهم لا يعلمون ما يفعلون». التمرد هو تجربة تدفعنا إلى التواضع.
الانحدار النفسي والانغلاق على الذات
عندما يتم اختبار الشخصية بقوة، فإنها تميل تلقائيا إلى العودة إلى تحصيناتها السابقة، أي إعادة تنشيط مراحل تاريخها حيث كان لديها المزيد من السلام والمتعة والإشباع. هناك دائما عنصر الانحدار التلقائي في المرض، في الحداد، في الألآم النفسية. الناس الذين يعانون يجعلون، فجأة، من أنفسهم «مركز العالم». سنراهم يتحدثون دون توقف عن أنفسهم. وهناك من يتراجعوا نحو علاقة أثيرية جدا و «صوفية» جدا مع الله، ولكن خارج الواقع. يتراجع آخرون كما لو كانوا في حالة طفل يرضي قلقه عن طريق الأكل. لذلك، يأكلون، يأكلون، أو يكتشفون الكحول. يتراجع البعض عن طريق نسيان ألآمهم من خلال العمل الإضافي لتجنب التفكير. أخيراً، يقع البعض في فخ الغيرة أو يحاولون الهروب إلى المتعة الجنسية على سبيل المثال. وبالتالي، كيف يمكننا إضفاء الطابع الإنساني على هذه الميول التراجعية التي تسكننا في الألم؟
مرة أخرى، يجب ألا نرغب في القضاء عليها بسرعة كبيرة، لأن لديها جانبا إيجابيا، جانبا يحمي الشخصية. رد الفعل الأول هو تسمية الأشياء والإدراك بأنها أكثر تعقيدا مما كنا نعتقد. ومع ذلك، يجب أن نتجنب الانغلاق فيها لأننا نرى الجانب السلبي لهذه التراجعات. إنها ثقيلة على الشخص نفسه ولمن حوله. من الضروري أن نعرف كيف «نستغل»، بطريقة مسيحية، ردود الفعل التراجعية تجاه الألم.
بادئ ذي بدء، تذكر أن القداسة لا ترتبط بالتوازن البشري. من الممكن التراجع إلى مشاكل نفسية مهمة يصعب التغلب عليها، أو حتى لن يتغلب عليها أبدا، وأن يكون قديسا كبيراً أمام الله. القداسة هي، حيث نحن، مع ما نحن عليه، أن نحاول استقبال الله من أجل التقدم إنسانياً، بفضله. ثانيا، تسمح لنا هذه التراجعات بالتذكر أنه في كل شخص بالغ هناك دائما طفل نائم. من المهين أحيانا رؤية ذلك. عليك أن تكون متواضعا. هذه فرصة كبيرة للخروج من الأحكام المسبقة حول الأشخاص من حولنا الذين نعتقد أنهم غير متوازنين.
وبعد ذلك، تعد هذه اللحظات فرصة رائعة للشعور بأنه لا يمكننا العيش بدون مساعدة الآخرين. هذا يسمح أحياناً بكسر الهياكل دفاعية. أخيرا وليس آخرا، تشكل هذه التراجعات حركة تمركز حول الذات. لذلك فإن التأمل في يسوع على الصليب مهم. كان لدى يسوع كل الأسباب للتركيز على نفسه. لكن الإنجيل يقدمه لنا على أنه يقوم بحركة الخروج من الذات. هذا ما يؤنسن ويفدي في صليب يسوع. هذا هو ما هو فدائي. حركة عدم التركيز على الذات حيث يتوجه إلى جلاديه، إلى اللص، إلى مريم، إلى يوحنا ولكل واحد منا ترك له مريم كأم ويوحنا كرسول.
اليأس
هنا أيضاً، هذا رد فعل كثيرا ما يصفه الكتاب المقدس. انتهى الأمر بالنبي إرميا إلى لعن اليوم الذي ولدته أمه «ملعون اليوم الذي ولدت فيه، اليوم الذي ولدتني فيه أمي»، أي يأس في قول ذلك! كم مرة سمعنا هذا: «كم كان من الأفضل لو لم أوجد؟ أنا مستاء من أهلي لإنجابي». إحدى ردود الفعل في مواجهة الألم هو الشعور بالهجر والوحدة والهدر: «ذهب كل شيء هباء»، كل شيء ينكسر، كل شيء مهجور! فما العمل إذن؟ هنا، نحن عاجزون للغاية لأن الحب لم يعد موجودا. عندما تتعامل مع اكتئاب حقيقي، فلا فائدة من القتال مع الروحانية وحدها.
في مثل هذه اللحظات، إعطاء الطابع المسيحي للألم يعني أن تصبح متضرعا لله. دعونا نعيد قراءة تلك المزامير التي تقول، «من أعماق الهاوية». هذه الكلمة الهاوية قوية جدا. في لحظات اليأس هذه، يجب أن يتحلى المرء بالشجاعة والزهد لممارسة ذاكرته على ما فعله الله من أجله، لأنه في النهاية، هذا صحيح، أعاني، أشعر بشعور بالهجر، لكن قلة من الناس يمكنهم القول: «كل شيء كان فاشلا في حياتي». كانت هناك أيضا لحظات من الفرح والنجاح. وعليك أن تعرف كيف تنظر إليها. لكن صحيح أنه بالنسبة لعدد كبير من الناس، عندما يكون اليأس قويا، حتى هذه النظرة لم تعد ممكنة. علينا أن نتأمل في شخصية يسوع الذي يقود معركة الرجاء في وسط الشعور بالتخلي. يسوع لا يلعب دور الذكي، ولا يقول للذين هم عند أقدام الصليب: «انظروا كم أنا أتألم». إنه يجرؤ على قول الحقيقة، وكلمات بولس تنطبق تماما على يسوع «في ضعفي تكمن قوتي».
أخيرا وليس آخرا، في لحظات اليأس هذه، يجب أن نتحلى بالشجاعة لاتخاذ الخطوة الأولى. صحيح أنه عندما نشعر باليأس، نادرا ما نمتلك هذه الشجاعة. عندما أشعر باليأس، عندما يبدو الحب بعيدا، فإن الطريقة الوحيدة للاعتقاد بوجود الحب والله هي الاختبار بأن هناك مصدرا صغيرا للحب بالنسبة لي هنا والآن: وجود صديق. لذلك، إذا كان هناك مصدر صغير للحب، فقد يكون هناك بساط من الحب يغذيه.
كيف لا نتمنى أن يتمكن كل واحد منا، عندما يتألم، من نطق كلمات القديس بولس الرائعة هذه: «إِذا كانَ اللّهُ معَنا، فمَن يَكونُ علَينا؟ فمَن يَفصِلُنا عن مَحبَّةِ المسيح؟ أَشِدَّةٌ أَم ضِيقٌ أَمِ اضْطِهادٌ أَم جُوعٌ أَم عُرْيٌ أَم خَطَرٌ أَم سَيْف؟ وإِنِّي واثِقٌ بِأَنَّه لا مَوتٌ ولا حَياة، ولا مَلائِكَةٌ ولا أَصحابُ رِئاسة، ولا حاضِرٌ ولا مُستَقبَل، ولا قُوَّاتٌ ولا عُلُوٌّ ولا عُمْق، ولا خَليقَةٌ أُخْرى، بِوُسعِها أَن تَفصِلَنا عن مَحبَّةِ اللهِ الَّتي في المَسيحِ يَسوعَ رَبِّنا» (رو 8، 31 - 39).
ليمنحنا الرب الشجاعة من أجل صراع الرجاء المنتصر!