الكلمة

المقالات

تصفح المقالات حسب التصنيفات الرئيسية في الموقع، بما فيها عظات قداديس أيام الآحاد على مدار السنة

العظات، يحتوي على عظات قداس الأحد على مدار السنة

موعظة يوم الأحد 11 تشرين الأول 2026. موعظة الأحد الثامن والعشرين من الزمن العادي

2026-Oct-11 | عظات | 85

أش 25، 6 – 10   فيل 4، 12 – 14. 19 – 20    متى 22، 1 – 14  

 

«في ذَلِكَ الزَّمان، كَلَّمَ يسوعُ بالأَمثالِ الأَحبارَ وَشُيوخَ الشَّعبِ مَرَّةً أُخْرى قال: «مَثَلُ مَلكوتِ السَّمَواتِ كَمَثَلِ مَلِكٍ أَقامَ وَليمةً في عُرسِ ابنِه. فأَرسَلَ عَبيدَهُ لِيَدعوا المَدعُوِّينَ إِلى العُرْس فأَبَوا أَن يَأتوا. فأَرسَلَ عَبيداً آخَرين وأَوعَزَ إِلَيهم أَن «قولوا لِلمَدعُوِّين: ها قد أَعدَدتُ وَليمَتي فذُبِحَت ثِيراني والسِّمانُ مِن ماشِيَتي، وأُعِدَّ كُلُّ شَيء فتَعالَوا إِلى العُرْس» ولكِنَّهم لم يُبالوا، فَمِنهُم مَن ذَهبَ إِلى حَقلِه، ومِنهُم مَن ذَهبَ إِلى تِجارتِه. وأَمسَكَ الآخَرونَ عَبيدَهُ فَشَتَموهم وقَتَلوهم.  فَغَضِبَ الملِكُ وأَرسلَ جُنودَه، فأَهلَكَ هؤُلاءِ القَتَلَة، وأَحرَقَ مَدينَتَهم.  ثُمَّ قالَ لِعَبيدِه: «الوَليمَةُ مُعَدّةٌ ولكِنَّ المَدعوَّينَ غيرُ مُستَحِقِّين، فَاذهَبوا إِلى مَفارِقِ الطُّرق وَادعُوا إِلى العُرسِ كُلَّ مَن تَجِدونَه» فخرَجَ أُولَئِكَ العَبيد إِلى الطُّرُق، فجمَعوا كُلَّ مَن وجَدوا مِن أَشْرارٍ وأَخيار، فامتَلأَت رَدهَةُ العُرْسِ بِالجُلَساءِ.  ودَخَلَ المَلِكُ لِيَنظُرَ الجُلَساء فرَأَى هُناكَ رَجُلاً لَيسَ عَلَيهِ ثّوبُ العُرْس، فقالَ له: «يا صديقي، كَيفَ دخَلتَ إِلى هُنا، ولَيسَ عليكَ ثَوبُ العُرس؟» فلم يُجِبْ بِشَيء.  فقالَ المَلِكُ لِلخَدَم: «شُدُّوا يَديَه ورِجلَيه، وأَلقوهُ في الظُّلمَةِ البَرَّانِيَّة. فهُناكَ البُكاءُ وصَريفُ الأَسنان» لأَنَّ جَماعَةَ النَّاسِ مَدْعُوُّون، ولكِنَّ القَليلينَ هُمُ المُخْتارون»

الموعظة

الملفت للانتباه هو أن ملكوت الله ــــ أي السلطان الإلهي على كل شيء ــــــ يُصوَّرُ على هيئة وليمة؛ إنه توقفٌ عن العمل للانغماس في الفرح. وهنا يتبادر إلى الذهن «عرس الحمل» المذكور في الفصل 21 من سفر الرؤيا. إنه عرسُ الله مع البشرية، لكي نصبح معه جسداً واحداً. وبحسب نص اليوم، نحن مجرد مدعوّين، غير أن نصوصاً أخرى تخبرنا بأننا نصبح واحداً مع الابن. وعلى أية حال، نحن مدعوّون هنا إلى مأدبة؛ ونحن ندرك أهمية الطعام في الكتاب المقدس، إذ يُطرح هذا الموضوع منذ الإصحاح الأول من سفر التكوين.

وتتوالى الأمور، ففي الفصل الثاني، نقرأ أن من يأكل من ثمر الشجرة المحرَّمة ـــــ رغبةً في تجربة الشرــــــ سيموت. أما في الطرف الآخر من الكتاب المقدس، فتنقلب الآية: ها هي ذي شجرة جديدة تتجلى فيها مشاهدُ شرّنا وحماقتنا القاتلة، وفي الوقت ذاته ينكشف الخير المطلق والمحبة التي دفعت الابن لبذل حياته كي نحيا نحن بها (الصليب). هكذا، وعلى النقيض مما ورد في الفصل الثاني من سفر التكوين، فإن من يأكل من ثمر هذه الشجرة سيحيا، ومن يرفض الأكل منها سيموت «أَنا خُبزُ الحَياة. مَن يُقبِلْ إِلَيَّ فَلَن يَجوع ومَن يُؤمِنْ بي فلَن يَعطَشَ أَبَدً» (يو 6، 25).

ولن نسهب في استعراض كافة النصوص الكتابية التي تبرز موضوع الطعام والوليمة ـــــ كقصة «المنّ» والمائدة الممدودة في برية العطش والجوع (مز 78: 29) ـــــ بل لنكتفِ بالقول إن الصليب هو مخدع عرس الابن مع البشرية، وإن المأدبة تتحول إلى «إفخارستيا»، أي «شكرٍ وحمدٍ لله». لقد ذكرتُ للتوّ أننا في آنٍ واحدٍ المتزوجون والمدعوّون إلى الزفاف. وحين نقول «المتزوجون»، فإننا نُشدّد على حقيقة أن الله، في شخص الابن، يأتي ليأخذ جسدنا فيصبح جسده هو؛ وحين نقول «مدعوّون»، فإننا نُبرز أن هذا الأمر لا يحدث دون موافقة حريتنا.

إذ يتطلب الأمر منا «انتقالاً» يُجيب على «الانتقال» الذي يُحققه الله بنفسه ليأتي وينضم إلينا. إن قولنا «نعم» ــــ الذي هو صدى لـ «نعم» مريم في «رواية» البشارة ـــــ يُعدّ أمراً لا غنى عنه. ففي مَثَلنا هذا، يُقال لنا إن المدعوّين الأوائل، أي أولئك الذين اختارهم الملك، قد اعتذروا ورفضوا الدعوة. ولا ننسَ أن يسوع، منذ بداية الفصل الحادي والعشرين، كان يخاطب رؤساء الكهنة وشيوخ الشعب والفريسيين؛ فهؤلاء هم المدعوّون الذين تهرّبوا.

وبدلاً منهم، سيحضر الزفافَ أناسٌ غير معروفين جُمعوا من الشوارع والحقول: عامة الناس، بل ـــــ كما يوضح النص ــــــ الأشرار والأخيار على حد سواء. قد يبدو هذا الأمر مفاجئاً! ففي الجوهر، لا تكمن المسألة في كون المرء صالحاً أو شريراً؛ فمن ذا الذي يستطيع حقاً أن يزعم أنه صالح؟ إن المسألة تكمن في تلبية الدعوة أو عدم تلبيتها، وهي دعوة موجّهة للجميع. فالرفض يُعادل ازدراء هبة الله، أي هبة ذاته.

لم يُبدِ المدعوّون الأوائل أي اهتمام بالزفاف المعروض عليهم، بل وصل بهم الأمر إلى حد قتل أولئك الذين نقلوا إليهم الدعوة؛ وهي مقدمة لقتل الابن، وكذلك ـــــ في كثير من الأحيان ـــــ لقتل أولئك الذين سيبشّرون بإنجيله لاحقاً. يا له من أمرٍ مدهشٍ في يسوع! قد يظن المرء أن المَثَل قد انتهى عند دعوة أولئك الذين لم يكن لديهم أي استحقاقٍ يُذكر للمشاركة في مأدبة العرس. ولكن، ها هو فصلٌ جديدٌ يُفتح: فصل طرد الرجل الذي لا يرتدي ثوب العرس! لقد تحدث بعض المفسرين عن «حالة النعمة» أو الاستقامة الأخلاقية، وما إلى ذلك.

وأرى أنه لا بد لنا، مرة أخرى، من استحضار موضوع «الثوب» في الكتاب المقدس بأسره، وإن كان ذلك يقتضي منا الإيجاز والاختصار. يبدأ هذا الموضوع في وقت مبكر: ففي الفصل 3 من سفر التكوين، نقرأ عن خجل آدم وحواء حين اكتشفا عُريهما. إنه عُرٍ رمزيٌّ بلا شك؛ فقد كانا يطمحان لأن يصيرا «مثل الله»، وإذا بهما يكتشفان أنهما مثل الحية (إذ يمكن ترجمة كلمة «المحتال» أو «الماكر» الواردة في الآية 1 بمعنى «العاري» أيضاً)؛ أي عاريين ومجردين من كل حماية.

وفي الطرف الآخر من السردية الكتابية، نجد على الصليب ذلك الإنسان العاري والمُجرَّد من ثيابه، التي يتقاسمها الجلادون فيما بينهم. إذن، العُري هو ثوب العرس الذي يرتديه المسيح في عرسه مع البشرية. وأعتقد أن علينا، انطلاقاً من هذا المنظور، أن نفسّر صورة الرجل المطرود من المأدبة في مَثَلنا هذا؛ إذ لا يمكننا بلوغ الوحدة مع الله إلا ونحن مجردون ومُتعرّون، بلا أي استحقاقٍ ندّعيه لأنفسنا. فالعطية الإلهية لا يمكن أن تكون إلا مجانيةً تماماً.

SHARE