موعظة يوم الأحد 1 تشرين الثاني 2026. موعظة عيد جميع القديسين
رؤ 7، 2 – 14 1 يو 3، 1 – 3 متى 5، 1 – 12
«في ذَلِكَ الزَّمان، لَمّا رَأى يَسوعُ الجموع، صَعِدَ الجبل وَجَلَس، فَدَنا إِلَيهِ تَلاميذُهُ. فَشَرَعَ يُعَلِّمُهُم، قائِلًا: طوبى لِفُقَراءِ الروح، فَإِنَّ لَهُم مَلَكوتَ السماوات طوبى لِلوُدَعاء، فَإِنَّهُم يَرِثونَ الأرض طوبى لِلمَحزونين، فَإِنَّهُم يُعَزَّون. طوبى لِلجِياعِ والعطاش إِلى البر، فَإِنَّهُم يُشبَعون. طوبى لِلرُّحَماء، فَإِنَّهُم يُرحَمون. طوبى لِأَطهارِ القلوب، فَإِنَّهُم يُشاهِدونَ الله. طوبى لِلسّاعينَ إِلى السلام، فَإِنَّهُم أَبناءَ الله يُدعَون. طوبى لِلمُضطَهَدينَ عَلى البر، فَإِنَّ لَهُم مَلكوتَ السماوات. طوبى لَكُم، إِذا شَتَموكُم واضطهدوكم وافتروا عَلَيكُم كُلَّ كَذِبٍ مِن أَجلي، اِفَرحوا وابْتَهِجوا: إِنَّ أَجرَكم في السَّمَواتِ عظيم».
الموعظة
نص التطويبات الذي تعرضه علينا الكنيسة اليوم بمناسبة عيد القديسين يبدو غريب ومحيّر جداً لأنه يريدنا أن نبحث عن السعادة على صعيد مختلف بشكل جذري عن الذي اعتدنا عليه. لدى شعب العهد القديم مفهوم السعادة، مكان السعادة واضح: الإنسان يكون سعيداً عندما يكون غنياً وقادراً ولديه العديد من الأبناء، بالإضافة إلى الخيرات الأخرى ومتمماً للشريعة وخادماً لقريبه. بالطبع القريب هو من يكون من ملّته كما نقول. كانوا مقتنعين بأن السعادة تأتي من الله، وبالتالي عندما يكون هناك إنسان بارّ يعيش في الشقاء ولم يعطيه الله السعادة كان يشكل هذا الأمر صدمة كبيرة لهم!
لهؤلاء الناس الذين يعيشون في هذا المفهوم للسعادة يتحدث يسوع عن الرسالة الغريبة للتطويبات: طوبى للفقراء، للحزانى، للجياع والعطاش، للودعاء، الخ. في الواقع قبول هذا النوع من الرسالة ليس أسهل علينا من شعب العهد القديم. فنحن أيضاً نعتقد بأننا نكون سعداء عندما نكون ناجحين في الحياة، في ما نقوم به، وعندما نكون مُحترمين و مُقدّرين من قبل الآخرين؛ عندما تُعطى لنا مسؤولية مهمّة، وعندما نستطيع القيام بما نحبه. يعلّمنا يسوع بأننا سعداء إذا كنّا فقراء، جياع وعطاش، عندما نكون وحيدين ومسحوقين، لأنه أتى لهؤلاء الناس ولأنه يلتحق بنا في هذه الظروف.
لقد أتى لتكون لنا الحياة وتكون فياضة فينا في هذا العالم وفي الآخرة؛ فيض الحياة قبل الموت وليس فقط بعد الموت. ألم يقل لنا بأنه «كشف لنا ما سمعه من الآب ليكون فرحه فينا ويكون فرحنا تامّاً»؟ لهذا السبب لا يحق لنا بأن نفهم التطويبات ونستقبلها على أنها «مخدّر روحي» يساعدنا على تحمّل هموم وصعوبات الحياة الحاضرة بانتظار السعادة في الآخرة. كما لو أن يسوع يقول لنا: أنتم سعداء إذا كنتم تموتون جوعاً في هذا العالم، لأنكم ستشبعون في العالم الآخر... حتما لا! فالتطويبات لا تتحدث لنا عن حالة بل عن موقف: الفقير بالروح الحقيقي هو المسيح. الفقير بالروح هو من يستقبل كل شيء من الله ويعيده لله.
يعلن يسوع بأن الفقراء والحزانى والمضطهدين والجياع هم سعداء بالتحديد لأنه أتى ليحررهم. لنتذكر جواب يسوع لتلاميذ يوحنا المعمدان الذين أتوا إليه يسألون فيما إذا كان هو المسيح المنتظر: «اذهبا فأخبرا يوحنا بما سمعتما ورأيتما: العميان يبصرون، العرج يمشون مشيا سويا، البرص يبرأون والصم يسمعون، الموتى يقومون، الفقراء يبشرون» (لو 7، 22). هذا يعني أن التطويبات هي في النهاية رسالة. رسالة سلّمنا إياها يسوع لكي نتمم ما بدأ به. عندما يعيش المسيحيون هذه الكلمات، على مثال القديسين، لن يكون هناك من فقراء، ولا جياع ولا مضطهدين الخ. في هذه الحالة يتحقق ملكوت الله.
هذه هي رسالة إنجيل اليوم. تتحقق هذه الرسالة عندما نتبنى حكمة التطويبات التي هي على عكس حكمة العالم. مقابل جنون تملك كل شيء، التسلط على الآخرين واستعبادهم والحكم عليهم، نحن مدعوون للشهادة بأن «حماقة الصليب» هي حكمة الله. لا شك بأننا نلتقي، على هذا الطريق الكثير من التردد والنكران على مثال بطرس، نلتقي بالكثير من المخاوف، ولكننا نثق بمن أول من بنى حياته بحسب التطويبات، مُظهراً لنا طبيعة الله السعيد لأنه رحيم. حبّه يبررنا كما برّر جميع القديسين مع أنهم خطأة، هم أيضاً.
فحياة المسيح هي التفسير لكلامه، وبالتالي أن نحيا التطويبات، هذا يعني أن نتمثل به أكثر، لأنه هو الوحيد الذي عاش هذه الكلمات بشكل تام. يسوع جعل من نفسه فقيراً هو من «ليس له ما يضع عليه رأسه» (متى 8، 20). كما جعل من نفسه وديع ومتواضع القلب وأُعطي في قيامته الأرض بكاملها شراكة مع «البشر من كل أمّة وعرق وشعب ولغة». لقد بكى يسوع على أورشليم وفي أورشليم تمت تعزيته في صباح أحد القيامة. لقد كان يسوع جائعاً وعطشاناً للعدالة وقد تم إشباعه. لقد غفر يسوع لكل الناس بما فيهم يهوذا الذي قال فيه أنه صديقه (متى 26، 50).
لقد أصبح غفراناً لكل من يؤمن به. كان قلب يسوع نقياً. فكان يرى في كل وجه مخلوق الله؛ وفي كل إنسان بصمة الخالق. كان يسوع صانع سلام فحطم «جدار الحقد» (أف 2، 14). وكان مضطهداً لكنه كان أول الداخلين إلى الملكوت الذي «أُعد لأجلنا منذ إنشاء العالم» (متى 25، 34). لقد ابتهج فرحاً في الناصرة بفعل الروح القدس وهذا الفرح، لم يستطع أحد أن ينتزعه إياه حتى في يوم آلامه. قد نعتقد بأن التطويبات هي عبارة عن وصفة نتبعها لكي نحقق وحدة البشر. في الواقع، التطويبات تتحدث لنا عن ما هو في أعماقنا وينسجم مع الملكوت. إنها إعلان ودعوة للسعادة؛ سعادة لا تكمن في الغنى ولا في التسلط ولا في الانتصار على الآخرين ولا في اختفاء الألم أو الاضطهاد، إنما في الاتحاد مع الآخرين.
بهذا المعنى أقول طوبى، طوبى للذين، أينما وجدوا وفي إي إطار ثقافي حضاري أو ديني كانوا ولهم روح الفقير ويمارسون الرحمة ويعملون من أجل السلام ولهم قلب نقي مستقيم. جميعهم يشكلون جزءً من الجسد الغير مرئي «لاتحاد القديسين».